قهوة سي عقيلة (3) أبواب الحياة

لا أدري لماذا الأبواب تشد انتباهي؟ ولطالما انتبهت أنني أقف مذهولا، أكثر من مرة، من دون سبب واضح أمام باب يأخذ خيالي بعيدًا، أتخيل مَن ولجوه ومَن خرجوا منه، بل وكثيرًا ما أحسست أن الباب سوف يفتح وتطل منه فتاة، أو يخرج منه شيخٌ، أو يدلق منه دلو ماء، وأحيانًا يحدث ما تخيلته، بل وأحس أنني شاهدته بالفعل من قبل! والغريب أنني، حتى الآن، لا أحب أن أقفل ما أفتحه من ظلفة دولاب، أو درج، بل أتعمد، بوعي ألاّ أقفل خلفي بابًا، حتى صار أهلي يتعقبونني، ليتأكدوا أنني أقفلت باب بيتنا، خصوصًا بعدما أعود بالليل مبتهجًا. ولعل هذا السبب هو ما ميز بيتي الآن، الذي يحوي نصف تعداد ليبيا تقريبا! من دون قفل للمدخل الرئيسي، الذي يظل مفتوحًا طوال الليل، وكثيرًا ما وجدنا كلبًا ضالاً اتخذ ركنًا أمضى فيه ليلته.
 
وتذكر أنني كنت أصف لصديق بيتنا فأخبرته، أنه خلف مستشفى الأطفال حيث تمتد أربعة مطبات خرسانية من جهتي الشارع المواجهة للجامعة الطبية، فلا يوجد في بنغازي، بل في العالم كله مثلها، عندها صاح: «آه.. تقصد تلك (الفيلا) ذات باب السور المفتوح طوال الليل والنهار؟»، وكان محقًّا في وصفه لأنه بسبب كثرة سكان البيت، غالبًا ما يرجع أحدهم ليلاً بعد أن يفقد أحدهم مفتاحه، وأحيانًا أبعاده! فينتهي الأمر بكسر الباب. فصار باب السور من دون قفل ومفتاح. 
 
 

-» كويرعات حويلي ربيع.. يا عقوله» هكذا تقول له. فيتبسم، ويبعث معي عشرة قروش إيجار الغرفة، وتعود زمزم مع ابنتها، فيما أظل مع سي عقيلة، حتى يضعني، وقت الغداء، على الدراجة أمامه ونتجه نحو( بيصا كاني ). 
وظلت الغرفتان من دون باب بينهما، حتى ذلك اليوم، الذي دققت فيه قدمي في وسط الحوش، متحسسًا مرتبي السادس أو السابع، وتصلبت أمام أمي وجدتي أنني لن أنام بعد اليوم في مربوعة لا يفصلها باب عن الغرفة الداخلية! وتحقق ذلك بعد يومين، وتحايلت جدتي عليّ وأفسدت مخططي، فلقد خيرتني ما بين نومها في السقيفة أو معي؟ وظلت شريكتي في المربوعة، إلى أن انتقلت إلى السماء في مطلع الستينات. كان ذلك الباب هو نهاية خلافات جدتي وسي عقيلة.

 
 
 
علاقتي قديمة، أيضاً، مع أبواب سينما النهضة الخلفية. كانت أمام بيتنا مباشرة، في شارع محمد موسى، قبل أن ننتقل إلى شارع نبوس. كانت الأبواب تفتح قبيل انتهاء العرض بقليل، ليخرج رواده. وكنت أراقب فتحها يوميًّا، في الأصباح؛ لأن مستخدميها يكنسونها، فتعد لهم والدتي الشاي، وأحيانًا يشترون لها بيضًا فتطهو لهم شكشوكة بشحيمة قديد غاوية مبهّرة، فآخذها إليهم متزلفًا، فتلك كانت تذكرتي لمشاهدة الأفلام كلها مجانًا، بل كان مسموحًا لي حتى بمشاهدة أفلام الرعب الممنوعة أصلاً على مَن تقل أعمارهم عن ثمانية عشر عامًا. كان عمري حينها لم يتجاوز الثالثة عشر عامًا، ولعل هذا ما جعلهم يوصون بي عند سالم الشين، صاحب حانوت السينما، لأسرح ما بين صفوف كراسي السيدات يوم الحفلة النسائية الأسبوعية، عارضًا زجاجات المياه الغازية، مرددًا بخفوت: « قازوزة.. قازوزة» فيما يغرد فريد الأطرش : «بساط الريح يا بو الجناحين مراكش فين وتونس فين».

ولقهوة سي عقيلة بابان؛ باب يفتح على شارع نبوس، والآخر على شارع عمرو بن العاص، أو (فيا روجينا) مثلما يسميه سي عقيلة. وهما قريبان من مدرسة الأمير، ومن شارع الجزائر الذي كان اسمه (فيومي) فما زال الأستاذ محمد أحمد شفيق، الذي قدمه لي صديقي خالد زغلول في القاهرة يحمل ذكريات عنه لم تغب عنه منذ وصوله إلى بنغازي شهر يوليو سنة 1952. إنه أحد أوائل المدرسين المصريين الذين أوفدتهم شقيقتنا مصر للتدريس في ليبيا، الأستاذ محمد من مواليد 23/7/1925. كان عمره حينها 27 سنة، وكان الوحيد ممن أُفدوا لتلك المهمة متزوجًا، فاُختير لتدريس أول دفعة فتيات ليبيات من بنغازي انتظمن في الدراسة حتى وصلن المرحلة الثانوية، التي كان الطلبة، آنذاك، يصلونها من دون مرحلة إعدادية. يذكر الأستاذ محمد أن السيدة المربية أمال شنيب، والسيدة وداد الساقزلي، والسيدة حواء إدريس، كنَّ من طالباته، ومن بعدهن على التوالي، بحسب ما أفادتني زميلاتي وصديقتي السيدة فوزية مخلوف: ألفت قويدر، أمينة حنيش، ليلى طرخان، صافيناز عزت، زكية مخلوف، فوزية غرور، فاطمة العلاقي، شهيلة العابدية، حواء كانون، نجمية الطرابلسي، قدرية بن صويد وفاطمة بوقعيقيض. ثم تولى جيل منهن التدريس في مدرسة الأميرية للبنات، منهن معلمات مدرسة الأميرة في الخمسينات من القرن الماضي..
 
تفاحة بوخشيم وخديجة كانون وساسية دريزة وسيدة سلامة ومريم البوري وحميدة طرخان وخيرية المير وخديجة فريطيس وفضيلة بومنير وربيعة العربي وحميدة العنيزي وفهيمة عمر وفوزية غرور وسالمة الفرجان ونادية طاطاناكي، وهن اللائي تجمعهن إحدى صور هذه الحلقة. أما خلاصة ما سمعته من الأستاذ محمد هو كالتالي: 
 
منذ أكثر من ستة عقود، انطلقت به، غربًا، سيارة من الإسكندرية. كان شابًا مفعمًا بالحياة، متطلعًا إلى حياة زوجية سعيدة في بلد عربي انتقاه من بين بلدان أخرى. قال لي: «كانت مصر، منذ سنة 1950م تبعث بمدرسين في مختلف التخصصات إلى الدول العربية كافة. سنة 1952م انتقيت بنغازي، لأنني رأيت أنها الأقرب إلى الإسكندرية موقع رأسي، ولأنني مدرس جغرافيا، أعرف أن طقس بنغازي، مثل الإسكندرية تمامًا، وأن ناسها امتدادٌ لسكان غرب مصر. لم أشعر أبدًا بغربة منذ بداية رحلتنا، حتى وصلنا (القبطنارية) خلف قصر الملك مباشرة. الإحساس نفسه غمر زوجتي، التي انتبهت، مثلي، إلى احترام الليبيين الواضح للمصريين. 
الصحراء الممتدة بين مصر وليبيا هي ذاتها، والبشر هم البشر. السلوم تسمية ليبية، فالمصريون يسمونه سلم، وتتدرج هضبة السلوم المصرية، كتدرج السلم، ولكنها تسمت بالليبي! وكم كانت المنطقة الممتدة من درنة حتى منحدر الباكور رائعة، ساحرة بمناظرها الطبيعية!
 
وصلنا بنغازي واستقبلتنا نظارة المعارف آنذاك بحفاوة بالغة، ولأنني كنت الوحيد، من بين رفقائي، متزوجًا فقد انتقوا لي مسكنًا بشارع فيومي - الجزائر الآن- وأكرموني بالسكن جارًا للسيد أبوسيف ياسين، الذي كان ناظرًا للدفاع…».
 
وتواصل حديثة من ذاكرة متقدة، لم تتأثر بالتسعين عامًا التي أنهكت جسده، ولكنها عجزت أن تصل إلى روحة المرحة وذاكرته المتقدة. استطرد مازحًا: «كان للسيد أبوسيف ياسين مضيَفة يستقبل فيها ضيوفه.. وكان رجل من قبيلته مسؤولاً عنها، وكان خدومًا تسبقه نحوي مروءته، إن كنت مثقلاً بأحمال.. وكان ودودًا. سألني ذات يوم عن تكلفة زواجه من مصرية، فأخبرته أنها قد تكلفه 15 جنيهًا. فكر قليلاً ثم قال عندى 30 جنيهًا فهل تساعدني في الزواج باثنتين؟!».
 
وتذكر أن المرحوم آدم الحواز كان أحد طلبته، وأنه بحث عنه واستضافه في مقر إقامته، بعدما رافق القذافي في أول رحلة إلى مصر. طوال ساعتين ظل يحدثني بذاكرة شابة للغاية عن بنغازي وعن رجالاتها، الذين أسسوا نظامها التعليمي: حامد الشويهدي، محمد السعداوية، مصطفى بن عامر، محمد فلاق.. وغيرهم. حدثني عن تجربة الدراسة الليلية ومؤسسيها: العالم وسعد حويو، ومحمود مبارك الشريف. حدثني عن بعض الشخصيات البنغازية، التي ارتبط معهم بصداقات تواصلت حتى ثمانينات القرن الماضي، منهم صدقي الجربي، جملي طرخان، خليفة البراني، مصطفى وعبد المنعم بن حليم، عبد الله القزون.
 
حدثني، أيضاً، عن قضاة مصريين تولوا مهمة القضاء في بنغازي، ذكر لي منهم القاضي الدكتور مصطفى كمال وصفي، الذي كان أول من دخل بيته مهنئاً بمولد أول أطفاله فسماه مصطفى، وهو الآن، من كبار المهندسين، وأفخر أنه أحد أصدقائي الحميميين. وأخبرني الأستاذ محمد شفيق، أيضاً، عن الأساتذة المصريين الذين ساهموا في تأسيس جامعة بنغازي منهم: الدكتور عبد العزيز طريح شرف، طه الحمري، أنور السكري، دي لور على. أسماء كثيرة وإن غابت عنه بعضها. 
 
 

هكذا كان الحال منذ الوعي عندي، ولكن مثل هذه المعلومات لم أكن بالضرورة شاهد عيان عليها، ولكن بسبب اهتمامي كثيراً ما أتابع ما لم أشهده، أو أتذكره، كثيرون هم الزملاء الذين صححوا، أو أفادوا بما نسيته أو لم أحضره. شارع الجزائر، أو (فيا فيومي) مثلما كان يسمى غير بعيد عن شارع نبوس وشارع أسنيدل، وبيت عبد المنعم بن حليم تفصله أمتار عن قهوة سي عقيلة، وخليفه البراني، من سكان شارع أسنيدل ومن رواد المقهى، ومن بعده ابنه عبد السلام وهما من أصدقاء الأستاذ محمد شفيق وكثيراً ما زارهما، مثلما أخبرني، ومع ذلك لم أره إلاّ في القاهرة. وبالتالي بحثي عمن يقدم لي معلومة أمر غاية في الأهمية عندي، فنحن نؤرخ لبنغازي أروع الأمهات.

قبل ان نلتقي في الحلقة القادمة يتعين أن اشكر كل من ساهم بتزويدي بصور احتاجها هذا العمل وشكري موصول لمواقع بارزة يديرها شباب من بنغازي مهتمون بتاريخ مدينتهم اذكر منها على سبيل المثال وجوه مشرفة ليبية، ذاكرة بنغازي، خريبيش وسوق الحشيش، معرض الحمامة ومساهمة الفنان أحمد ابن الفنان فتحي العريبي، وكافة النشطاء في التوثيق لكل ما يتعلق بتاريخ بنغازي. الشكر ايضا لعائلة الاستاذ محمد السعدوية والسيده فوزية مخلوف.. وإن غفلت عن أحد سأذكره لاحقا فمسيرتنا متواصلة بعون الله.

 
 

المزيد من بوابة الوسط