قهوة سي عقيلة . سنوات المخاض (2)

يُعرف العلماء الذاكرة بأنها القدرة على تذكر التواريخ والوجوه والحقائق والمعلومات والأشكال والمعطيات. ويقسمونها إلى ثلاثة أنواع: ذاكرة فورية وأخرى قصيرة الأمد، والثالثة طويلة الأمد: وهي التي تتضمن المعلومات المتعلقة بالماضي كله، بما فيه البعيد. وهي الذاكرة الأرسخ التي تقاوم وتعمل حتى مع وجود عطب ما في المخ، بل وتستمر طول الحياة حتى وإن لا تحقق عملها بكفاءة مقنعة. ويبتدئ التذكر منذ سن الرابعة وغالبًا ما تحتفظ الذاكرة بمعظم ما يحدث حتى الثانية عشرة، ثم تضعف إلى حد كبير في السنوات التي تسبق سن المراهقة لتعود حاضرة وبقوة طوال سنوات المراهقة والشباب والنضج.

كانت ليبيا مجرد حيز أجرد يعبث فيه الفقر والجوع والبطالة والعراء والمرض

ولكنني أعتقد أنك تتفق معي أن جيل هذا القرن الذي شوهوا ذاكرته بحشوها بمعلومات ليست حقيقية عن تاريخ ليبيا، شبوا لا يعرفون كيف كانت بلادهم من بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ كل الذي يعرفونه أنها كانت مستعمرة إيطالية. ولعلك تتفق معي أنه من المفيد أن نومض لهم، في بداية هذه السيرة التي اقترحتَ علىّ كتابتها، بإيماءات قد تعينهم في البحث وتلمس طريق المعرفة والإسهام في كتابة تاريخهم. والحقيقة أن ثمة أسسًا لم أعاصرها فهي قبل سنوات وعيّ، ولكنها في متناول من يريد أن يعرف كيف قامت المملكة الليبية المتحدة.

يوم 20/7/2009 كتبت مقالاً عنوانه: "عندما وصلت فوزية"، اقتبس منه نصًا يصور حالة بنغازي سنة 1974 وهي التي استمرت على نحو لا يختلف كثيرًا حتى منتصف خمسينيات القرن الماضي:
"... تركت الحرب العالمية الثانية ليبيا مجرد أطلال دكتها قنابل الحلفاء ودبابات المحور، التي زرعتْ صحراءنا بتناوب كرهما وفرهما بألغام قاتلة ما زلت مدفونة تتربص بقدم سيئ حظ يعثر فيها. كانت ليبيا مجرد حيز أجرد يعبث فيه الفقر والجوع والبطالة والعراء والمرض، ثم زاد غياب المطر عامين متتاليين من المأساة فعم القحط، فاتسمت سنة 1947 بعام الشر، وفي 18 من شهر سبتمبر من العام نفسه وصلت ميناء بنغازي باخرة مصرية اسمها (فوزية). كانت محملة بالمؤن والأغطية والأدوية يطل من دكتها أطباء شباب تطوعوا لمعالجة الليبيين.

ولقد استقبلها الأهالي بفرح صوره شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي، في حفل تكريم الوفد المرافق للباخرة، الذي أقامته جمعية عمر المختار، فقال في مطلع قصيدته:

عليك يا مصر بعد الله نعتمد.. أنت الرجاء وأنت الغوث والسند..." .


هذه معلومة موثقة كتبها السيد إبراهيم القرقوري بخط يده، قرأته عند المرحوم يوسف العالم. ولم يتغير الحال كثيرًا بعد الاستقلال الذي أعلن يوم 24/12/1951، فلقد سجل الميزان التجاري الليبي سنة 1950م عجزًا قدره ثلاثة ملايين جنيه إسترليني، فقد كانت صادرات ليبيا حوالي أربعة ملايين، فيما كانت وارداتها سبعة ملايين جنية إسترليني.

طالع: الحلقة الأولى من «قهوة سي عقيلة»

كنت يومًا ما في عاصمة غانا رفقة وفد بغرض التعاقد على استجلاب عمالة بحرية، فتطاول أحد الرفاق على رواد حانة، فتشاجرا، وبعد هدأت الأمور انتبهت أن عجوزًا يجلس هادئًا، وإن كان يهز رأسه راسمًا ابتسامة ساخرة ومريرة جلست بجواره، محاولاً تطييب خاطره مع بقية النفوس، ذلك لأن رفيقي قال لهم: "نحن جئنا إليكم لنرفع عبْء معاناتكم مع الفقر والبطالة، ولولا ليبيا لمتم جوعًا". أشعل العجوز غليونه وتبسم وقال لي بهدوء: "بعدما تعود إلى بلادكم ابحث في دواوينكم عن الدول التي ساعدتكم بعدما نلتم استقلالكم، ثم أخبر رفيقك عما قدمت لكم غانا"،

غانا الغنية بصادرات ألماس قدمت قيمة مالية كبيرة كهبة إلى ليبيا

وأكد لي أن حكومتهم منحت ليبيا "هبة" قدرها ربع مليون جنيه إسترليني. ولقد تذكرت ذلك العجوز وأنا أبحث عن معلومة ما في مكتبة جامعة بنغازي، فبحثت عن أولئك الذين وقفوا معنا لأكتشف أن غانا، التي كانت غنية بما تصدره من ألماس، أنها قدمت إلى ليبيا قيمة مالية كبيرة كهبة وليست قرضًا. وذلك يعني أننا كنا بين فكي العوز الكافر.

ثم بلل النفط صحراءنا فتغير الحال، ولكن جيلي مازال يذكر أننا كنا نأكل اللحم مرة في الشهر، أما ترف أيام الجمع فبرأس الخروف أو أرجله فهما فواح (الكسكسو)، المعُد يدويًا. وكانت أمهاتنا تحتفظ بالقرع وتجفف الطماطم والفول الأخضر والبازلاء والباميا، وكل ما يمكن تجفيفه من الخضراوات، وتظل شاة العيد قديدًا تعد منه الوجبات الشتوية من رز جاري، و(أمقطع)، ودشيشة أو حساء طوال السنة، فلا تبالغ ربة البيت في كمية القديد إلّا في الأسبوع الذي يسبق عيد الأضحى.

كان الزيت يباع بالكيل والطماطم المعجون بالملعقة فاحتفظ صالح الأوجلي بإناء لتجيمع نقط الزيت وتوزيعها صدقة للأرامل

وكان الزيت يباع بالكيل والطماطم المعجون بالملعقة، وكان التجار الأتقياء يحتفظون بإناء أسفل صنوبر الزيت والمكيال فتتجمع نقط الزيت فيخصصها صدقة لأرامل معروفات، وكان سي عقيلة يبيع القهوة والشاي بنصف قرش، وكذلك السحلب في الشتاء وقازوزة (شويرب) بقرش ونصف، وكذلك بورتيلو المحرصي وسينالكو بومدين، أما أناناس الدنيني الذي فتح منها سي عقيلة ذات مرة زجاجة لرجل بشوش تبادلا معًا حديث وضحكات أخبرني أنه من التجار الذين يخشون الله، لدرجة أنهم يخصصون بواقي قطرات الزيت من المكاييل إلى الأرامل، قال لي إن اسمه صالح الأوجلي.

مصنع الدنيني، الذي اسسه الأخوة: حسن وسليمان ومحمد الدنيني في منزلهم بشارع شمسه الملاصق لشارع نبوس، فعمل به صبية الشارع، آنذاك منهم خليفة عثمان العمامي، وفرج عمران التاورغي. محمد عوض الدنيني. عياد حموده. كانت مهمتهم إلصاق بيان وعلامة الزجاجة مقابل نص قرش في اليوم، الصورة لزجاجة حديثة، كان ذلك في مطلع أواخر خمسينات وأوائل ستينات القرن الماضي.. كنتُ حينها (جرسون) مبتدئًا في قهوة سي عقيلة بناصية شارع نبوس.

أما تذكرة سينما النهضة بقرش ونصف. فلم تكن سواها في وسط البلاد إىّ سينما البرنتشي لجنود الجيش البريطاني. ثم توالت دور العرض، الحرية التي كانت مكان المسرح الشعبي وهايتي في الفندق، أما سينما ريكس فلقد تميزت بنظام الحجز المسبق وكانت المفضلة لعلية القوم. كانت بنغازي هانئة يعمها الهناء والقناعة ولم يجد من يملك من يشتري منه ذمته سوى قلة ظلت سنوات طويلة منبوذة يشار إليهم بالمهانة ويلاحقها العار.

في كتابه زمن المملكة قال الدكتور محمد المفتي: "وبعد أن رفع علم الاستقلال على معسكر الجيش البريطاني (الريمي)، بالبركة سنة 1952م، ليصير أول كلية للبوليس، الذي أسس على أصول جعلته يحافظ على الأمن وجاهدت الحكومة رغم قلة الإمكانيات، فأنشئت الجامعة الليبية سنة 1955م والكلية العسكرية سنة 1957م، ولتنطلق لأول مرة في العام نفسه، إذاعة ليبية من معسكر الريمي، فضلاً عن معاهد لتخريج المعلمين التي نهضت بفضلها الحركة التعليمية ومعاهد تدريب المرشدين الزراعيين والصحيين،

مبادرة المرحومين: محمد وسعد العالم حويو ومحمود مبارك الشريف

كما انشغلت الدولة بحملة التطعيم ومكافحة الدرن"، وقد تمت معظم هذه الإنجازات بمساعدة مؤسسات العون الأميركية (النقطة الرابعة والمصالح المشتركة) ومنظمات الأمم المتحدة: للطفولة والثقافة والتربية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية..".

في هذا المناخ النضالي العظيم، الذي تمثل في تكاتف الليبيين كلهم من أجل ليبيا، برزت مبادرة مدنية فردية، سبق وأن قلت، وما زلت أكرر أنها واحدة من أعظم المشاريع التي كان لها الأثر الكبير في قيام دولة ليبيا الحديثة وهي مبادرة المرحومين: محمد وسعد العالم حويو ومحمود مبارك الشريف، وأولئك الرجال الذين ساندوهم في تأسيس مدرسة الكناسين. التي خصصت لمواصلة التعليم في الفترة المسائية، لأولئك الذين أرغمتهم ظروفهم لترك دراستهم المنتظمة في الفترة الصباحية. وبسبب أهميتها سوف تجد لها، يا صديقي يا خويا، أكثر من ذكر في سيرتي هذه. هكذا كان الحال عند سنوات وعيّ.

المزيد من بوابة الوسط