رحلة «سيغموند فرويد» مع جائزة نوبل

حقّق «سيغموند فرويد» شهرة عالمية واسعة، لكن في نظر لجنة نوبل آنذاك، لم يكن هذا الطبيب النمساوي الذي أسس علم التحليل النفسي يستحق أن يكون من بين الفائزين بجائزتها.

في العام 1915 اقترح طبيب الأعصاب الأميركي «وليام ألانسون وايت» ترشيح فرويد لنيل الجائزة، وتلى ذلك ترشيح 12 شخصية علمية حتى العام 1938، حين توفي في منفاه في لندن، وفقًا لوكالة الأنباء الفرنسية.

وإضافة إلى ترشيحه لجائزة نوبل للطب، اقترح البعض منحه جائزة الآداب، لما في كتاباته من عمق أدبي، وفي العام 1937، بلغ عدد العلماء الذين رشحوه لجائزة نوبل 14 لكن كل ذلك راح سدى.

أدرك فرويد أنه لا يمكنه الحصول على الجائزة العلمية، فالتحليل النفسي لم يكن معتبرًا آنذاك علمًا حقيقيًا، وهذا ما أزعجه كثيرًا، بحسب ما تقول إليزابيث رودينسكو صاحبة كتاب «سيغموند فرويد في زمنه وفي زمننا».

في العام 1929، لخّص هنري ماركوس الذي نال جائزة نوبل للطب الشعور بانعدام الثقة في الأوساط العلمية إزاء أفكار فرويد.

درك فرويد أنه لا يمكنه الحصول على الجائزة العلمية، فالتحليل النفسي لم يكن معتبرًا آنذاك علمًا حقيقيًا

وتقول رودينسكو: «كان منتقدوه على حق في قضية عقدة أوديب، لأنه أصبح متعصّبًا لهذه الفكرة، لكنّهم ألغوا رصيدًا كبيرًا من الأبحاث التي تسجل له، فعلماء النفس من قبله كانوا يقفون عند حد وصف النساء المصابات باضطرابات عصبية بأنهن مجنونات، والأطفال الذين يمارسون العادة السرية بأنهم منحرفون، والمثليين بأنهم منحطّون».

إزاء سلوك الأوساط العلمية، نظّمت صديقته ومترجمته الأميرة «ماري بونابارت» حملة في الثلاثينات للمطالبة بمنحه جائزة نوبل للآداب وكان حينها عجوزًا سبعينيًا أنهكه مرض السرطان الذي أصابه في العام 1919.

في العشرين من يناير من العام 1936، راسل الكاتب الفرنسي «رومان رولان» حائز نوبل للآداب لجنة الجائزة مطالبًا منحها لفرويد، وقال في الرسالة: «أعرف أنه للوهلة الأولى، يبدو من الأنسب ترشيح العالم الكبير فرويد لجائزة طبية، لكن أعماله الكبيرة فتحت طريقًا جديدًا في تحليل الحياة الطبيعية والفكرية، وهو له تأثير كبير منذ ثلاثين عامًا».

لكن بير هالشتروم سكرتير الأكاديمية السويدية في ذلك الوقت لم يتفاعل مع هذا الطلب، وأقرّ بسلاسة أسلوب فرويد ووضوحه وجماله، إلا أنه أضاف تعقيبًا كان قاضيًا على آمال فرويد «باستثناء كتابه عن تفسير الأحلام الذي تستند إليه كل أفكاره»، عند ذلك، أدرك فرويد أنه لن يحصل على تكريم أدبي.

بعد ذلك بثمانين عامًا، كشف المدير الإداري للأكاديمية السويدية «أود شيدريش» جوانب لم تكن معروفة عما كان يجري في أروقة الأكاديمية آنذاك، متحدثًا عن منافسة حامية دارت رحاها في العام 1936 بين فرويد والكاتب الأميركي «أوجين أونيل».

كتب آينشتاين له رسالة تنطوي على مجاملة ظاهرية فيها ذمّ مبطّن لأفكاره العلمية

وبخلاف فرويد، تمكن صديقه اللدود عالم الفيزياء ألبرت آينشتاين من الحصول على جائزة نوبل للفيزياء في العام 1921، بعدما رشّح لها 11 مرّة.

وجمعت فرويد وآينشتاين صداقة، وأصدرا معًا كتابًا في العام 1933 بعنوان «لماذا الحرب؟».

لكن عالم الفيزياء كان مترددًا هو الآخر في الحكم على نظريات فرويد وكان يقول: «أنا غير قادر على إصدار حكم على أسس النظرية الفرويدية، ولاسيما حكم يكون له تأثير»، بحسب ما نقل عنه المؤرخ «جون فورستر».

في العام 1939، وبعدما أصدر فرويد آخر كتاب له «موسى والتوحيد»، كتب آينشتاين له رسالة تنطوي على مجاملة ظاهرية فيها ذمّ مبطّن لأفكاره العلمية، فقال له «أنا معجب بهذا الكتاب، من الناحية الأدبية مثل كل كتاباتك».

المزيد من بوابة الوسط