الترهوني: فيلم عمر المختار قدم لليبيا أكثر مما قدمته السياسة والاقتصاد

انطلق نشاط تجمع تاناروت للإبداع الثقافي العام 2015 بمدينة بنغازي، منذ الانطلاقة أسس التجمع نادي تاناروت السينمائي الذي قدم على مدار سنتين عرضًا أسبوعيًا لأفلام عالمية تحمل رسالة إنسانية وفكرية، وأغلب هذه العروض كانت لأفلام تحصلت على جوائز سينمائية عريقة أو شاركت في مهرجانات سينمائية شهيرة.

وفي ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد واجه التجمع كثير المشاكل المالية والأمنية التي تهدد أمن أعضائه، وبالتالي توقفت العروض السينمائية الأسبوعية لفترة من الزمن.

لم يكن تأسيس النادي السينمائي في مدينة لا يعرف سكانها طريقهم إلى السينما بالشيء الهين، فتعرض التجمع في العام 2016 لهجمة شديدة بمواقع التواصل الاجتماعي بعد اختياره عرض الفيلم الإيراني «رجم ثريا»، ولم يتوقف الأمر عند السب والقذف ولكن وصل الأمر لرسائل التهديد والتكفير.

الفيلم المفضل لدى تاناروت ،ليس الفيلم الذي يردد ما يريد المخرج قوله، بل ما تريد الإنسانية قوله

في الوقت الذي كان النادي يكافح في ليبيا لتقديم هذه الخدمة المجانية من خلال الدعوات المفتوحة للعروض، ظهرت في دولة مثل السعودية العام 2016 ما يسمى بالسياحة السينمائية، بعد منع العروض السينمائية في البلاد منذ فترة السبعينات مما دفع محبي السينما من العائلات والشباب إلى السفر خارج بلادهم لمشاهدة أحدث الأفلام المترجمة في الصالات السينمائية، في البحرين وقطر والكويت، فمحبو السينما في كل مكان لا تمنعهم القيود المفروضة عليهم من السعي نحو الشاشة الكبيرة، فخلال الفترة التي بدأ فيها نشاط نادي تاناروت السينمائي، شهدت مدينة بنغازي كثيرًا من معارك التحرير وسيطرة بعض التيارات الإسلامية على مناطق بالمدينة، كان الخروج لمشاهدة فيلم يعد نوعًا من المغامرة بل وقرارًا انتحاريًا.

وعن عملية اختيار فيلم العرض الأسبوعي يقول رئيس مجلس إدارة التجمع «محمد الترهوني» لـ«بوابة الوسط»، «لا مفر من الاختيار، حتى البكاء هناك أنوع كثيرة منه، وعلينا اختيار النوع الذي يناسبنا، دائمًا في تاناروت هناك هاجس اختيار الفيلم المناسب، لأن كل اختيار قد يواجه الطعن فيه، تاناروت حرص دائمًا على اختيار الفيلم الذي لا يحتاج إلى جمهور يصفق، بل جمهور يطرح عديد الأسئلة على الفيلم وعلى نفسه، هذا الفيلم يحرج المشاهد والواقع في نفس الوقت، ولهذا يجب أن نفكر أولاً وقبل الاختيار في وظيفة السينما، لماذا علينا أن نشاهد فيلمًا؟ وعلى الفيلم أن يقدم إجابة مقنعة من خلال الصورة والأدب والفسلفة التي يطرحها، هناك دائمًا إلى جانب الفرجة تاريخ من الكتب والمقالات يجب أن يكون حاضرًا، القدرة على تأويل كل لحظة تحتاج مثل هذا الحضور، والفيلم المفضل لدى تاناروت ليس الفيلم الذي يردد ما يريد المخرج قوله بل ما تريد الإنسانية قوله».

خلال السنتين التي باشر فيهما النادي السينمائي نشاطه غلبت على اختيارته الأفلام الفرنسية والبريطانية والإسبانية وغيرها من الأفلام العالمية، ولم ير الفيلم العربي شاشة تاناروت إلا باختيارات نادرة وقليلة من بينها الفيلم المصري «اشتباك» وفيلم «ميكروفون»، ويوضح الترهوني السبب وراء ذلك قائلاً: «تاناروت لا يختار كل الأفلام الأجنبية، الاختيار مرتبط بالمضمون، والجودة العالية، ويرفض النجاح التجاري، لهذا نادرًا ما عرضنا أفلامًا أميركية لأننا نبتعد بذلك عن سينما الترفيه، ما نحاول الوصول إليه هو السينما التي تحيط بالعالم، سينما تزيد من نسبة الوعي، والمعرفة، وعرضنا أفلامًا عربية من هذا النوع آخرها فيلم «اشتباك» الذي يعبر عن سينما مصرية مغايرة».

نحاول الوصول إلى سينما تزيد الوعي والمعرفة

وعن الرسالة التي يهدف النادي إلى تقديمها من خلال هذه الاختيارات يقول الترهوني «الفيلم عادة ما يحاول إضفاء الطابع الإنساني على تفاصيل حياتنا، الرسالة التي تحاول السينما تقديمها هي الإنسانية دائمًا ما تفشل في القيام بواجبتها، فهل ستساعدها على النجاح في ذلك؟ نحن جميعًا نتخلى عن إنسايتنا في لحظات كثيرة، نخذل قيمنا ومبادئنا في كثير الأوقات، والسينما تجعلنا نعيد النظر في فظاعة المأساة التي يحدثها مثل هذا الخذلان للإنسانية فينا، الرسالة لن تكون إلا في صيغة سؤال يقول إذا كنا نتصالح مع الآخر في الفيلم نساعد المحتاج وننتصر للضعيف في الفيلم، نحن مع الأشخاص الإيجابيين والمحبين لغيرهم على الشاشة، فلماذا لا نكون هكذا في الواقع؟».

ويبقى السؤال الأهم: من هم رواد هذه العروض؟ كم عددهم؟ وهل تصل إليهم هذه الرسائل حقًا؟ ماذا يدور خلال نقاشات بعد العرض؟، يقول الترهوني «أغلب رواد نادي السينما يعرفون عما يتحدثون، لديهم ثقافة تعتمد على كثير العلوم والمعارف، ثقافة قادرة على منحهم فرصة تأويل قريب من الحقيقة والمغزى الذي يريد الفيلم أن نصل إليه، بالنسبة لأعضاء تاناروت فهم من خلال نادي الكتاب ودائرة العلوم الإنسانية وصفحة التثقيف الذاتي والورش التي تقام في فترات متقاربة، أصبح الفيلم تحديًا لثقافتهم وقدرتهم على الوصول إلى أفضل تأويل، لهذا فكل نقاش بعد كل فيلم ما هو إلا إضافة كبيرة للمتعة بالفيلم وفهم الرسالة فيه».

إذا كنا نتصالح مع الآخر في الفيلم،نساعد المحتاج و ننتصرللضعيف في الفيلم،نحن مع الاشخاص الإيجابيين و المحبين لغيرهم على الشاشة،فلماذا لا نكون هكذا في الواقع؟

وأضاف «في ليبيا هناك جمهور عاشق للسينما، وإذا تكلمنا بتواضع فيمكن القول إن الليبيين خاصة الشباب لهم علاقة بالسينما لا تقارن مع علاقة شعوب أخرى كثيرة بالسينما، لكنها علاقة حزينة ومفرطة في حساسيتها، الشاب الليبي لم يدخل قاعة عرض في ليبيا مع وجود استثناءات بكل تأكيد، لم يجرب الإحساس بوجوده أمام الشاشة الكبيرة، ولا طقوس ما قبل وما بعد الفيلم، فقد تم إغلاق كل دور العرض فترة النظام السابق التي امتدت لأكثر من أربعين عامًا، لك أن تتخيل أن هناك من وصل هذه السن ولم يعرف فعليًا معنى دار العرض، مشاهدة الفيلم على جهاز اللابتوب، أو على شاشة التلفزيون يختلف تمامًا عن وجود الإنسان في قاعة العرض، يبقى اختيار هؤلاء الشباب لنوعية الأفلام التي يشاهدونها، والحقيقة أن هذه الأفلام عادة ما تكون من النوع الهابط والتجاري أو الترفيهي في أفضل الأحوال، ولهم العذر في ذلك، فما تطرحه محلات البيع لابد وأن يكون تجاريًا، فهذه المحلات تنظر للفيلم كمادة استهلاكية ويجب أن تصل إلى المستهلك بغض النظر عن مدى فائدتها».

الشاب الليبي لم يدخل قاعة عرض في ليبيا ولم يجرب الإحساس بوجوده أمام الشاشة الكبيرة

وكان قد أعلن التجمع في وقت سابق عن عزمه تنظيم مهرجان سينمائي في المدينة، ولم يكن من الواضح مصير هذا الإعلان بعد فترة من توقف نشاط التجمع والانتقال إلى مقر جديد، آثر مضايقات تعرض لها من جيرانه وتحرش طال عضوات التجمع، الأمر الذي وصفه التجمع في بيان له بأنه حرب على الثقافة، وعن المهرجان يقول الترهوني «المهرجان حلم لا يمكن التنازل عنه، نحن دولة بلا سينما، شعب بلا سينما هو شعب بلا تاريخ، فيلم عمر المختار قدم لليبيا أكثر مما قدمته السياسة والاقتصاد، لهذا نحن بصدد خلق بيئة سينمائية في بلادنا، وهذه البيئة لن تخلق دون مهرجانات محلية ودولية وعالمية، نعم تاناروت تجمع صغير لكنه واعٍ تمامًا بمشاكل ونقاط ضعف الثقافة في ليبيا، ولن يدخر جهده في محاولة تحويل نقاط الضعف إلى نقاط قوة، وجزء من جهدنا المبذول في هذا الاتجاه هو مهرجان تاناروت السينمائي».

وعن صعوبة عمل النادي في مجتمع تجد شريحة كبيرة منه صعوبة في تقبل فكرة الاختلاط لحضور فيلم غربي يقول الترهوني «لم تكن هناك دعوات ضد السينما بالذات؟ فهناك محلات كثير تبيع الأفلام في كل أنحاء بنغازي، خاصة أن الأفلام التي نعرضها تمر على قسم المونتاج ويتم قص أي لقطة أو كلمة فيها خدش للحياء أو مخالفة للأخلاق العامة في مجتمعنا، نحن من أبناء هذا المجتمع ونعرف جيدًا عاداتنا وتقاليدنا، وحريصون على حذف كل المحاذير التي يمكن أن تحرم الناس من مشاهدة السينما، خاصة أن مثل هذه الكلمات أو اللقطات في أغلب الأحيان لا تكون من صلب موضوع الفيلم، وحذفها لا يؤثر على مضمون الفيلم».

المزيد من بوابة الوسط