ميل غيبسون على قمة «هاكسو»

إن كان لبعض الأعمال السينمائية علاماتها التسويقية فإن العلامة الفنية لفيلم «Ridge Hacksaw» دون شك تتعلق بمخرج كبير يُدعى «ميل غيبسون»، فحضور هذا الاسم وراء الكاميرات كفيل بتحقيق المتعة للمتلقي وشغل خانة من الخانات الخمس المترشحة لنيل جائزة أفضل مخرج في حفل «أوسكار» السنوي.

فبعد عشر سنوات من إخراجه فيلم «Apocalypto» يطل علينا ميل غيبسون بفيلم مقتبس عن قصة حقيقية تحت عنوان «Hacksaw Ridge»، وتدور أحداثه حول «ديزموند» وهو شاب يتطوع كمسعف ميداني في الجيش الأميركي أثناء الحرب العالمية الثانية، وأثناء فترة التدريب العسكري يفاجأ المدربون برفضه استخدام السلاح بسبب التزامه بالتعاليم الدينية التي تحرم القتل، الأمر الذي يثير استياء وغضب قادته ويدفعهم لممارسة ضغوطات مشروعة وغير مشروعة عليه لمغادرة المعسكر لما يسببه وجوده من تهديد على الانضباط داخل المعسكر، إلا أن إصرار «ديزموند» ودعم والده سيحققان له رغبته في إنقاذ حياة عدد كبير جداً من الجنود دون حمل السلاح.

الفيلم بطولة أندرو غارفيلد وسام وورثينغتون وريتشارد باروس وفينس فون، بينما قام بكتابة السيناريو أندرو نايت وروبرت سشانكان، الفيلم رشح لنيل 6 جوائز في حفل «أوسكار» من بينها جائزة «أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل ممثل في دور رئيسي».

تقوم الفكرة الرئيسية للفيلم على تجسيد حالة إنسانية خاصة جداً بفعل ممارستها النادرة، فالموقف الأخلاقي من آلة القتل والدعوات المتكررة لتعطيل أدوات الموت والبكاء على ضريح هابيل جميعها حالات أخلاقية رائعة لكنها ليست نادرة، بل تكاد تكون مواقف طبيعية من أجل التعايش السلمي؛ الخاص في حالة «ديزموند» يتمثل في ذهابه لعالم القتل من أجل إنقاذ الناس لا قتلهم، من أجل تضميد جراح المقاتل بصرف النظر عن جنسه وتبعيته، الخاص في حالة «ديزموند» يتعلق بإيجاد مسار منطقي لتحقيق الفضيلة داخل منظومة يحكمها السلوك العنيف.

شهد الفيلم تحولاً مثيراً على مستوى الرؤية من خلال الانتقال بين عوالم مختلفة الملامح (السلم والحرب)، المشترك الوحيد بين العالمين تمثل في حضور «ديزموند»، من هنا سيمثل كل عالم مرحلة مستقلة عن الآخر، لاسيما وأن الانتقال حدث بشكل متعاقب: السلم أولاً ثم الحرب، قصة الحب ثم قصة الموت، العائلة ثم الجنود. لكل عالم خصوصيته التي تكفل له إنجاز عمل مستقل بذاته، الأمر الذي لا يقلل بالضرورة من قيمة العمل وإنما يثريه، فاقتفاء أثر مشترك وحيد بين عالمين بسلاسة قطعاً كان نتاج عمل فني مميز انطلاقاً من الكتابة ووصولاً للمونتاج.

إلا أن ما يثير الدهشة في فيلم «Hacksaw Ridge» يتعلق بكيفية تنفيذ المشاهد الصعبة أثناء الحرب

إلا أن ما يثير الدهشة في فيلم «Hacksaw Ridge» يتعلق بكيفية تنفيذ المشاهد الصعبة أثناء الحرب، وهي كثيرة ومتنوعة ومن مواضع مختلفة، حيث جسد الفيلم مشاهد بتر وحرق وتفجير وقنص من مسافات قريبة ومتوسطة وبعيدة دون إهمال التفاصيل أثناء المواجهات في اللقطات العامة؛ ففي الجولة الثانية من المواجهة على جبل هاكسو مثلاً وبعد مباغتة الجيش الياباني عدوه الأميركي تتابع الكاميرا أولاً من مسافة بعيدة الزحف الياباني والقنص عن بعد، ثم تنتقل للمواجهات القريبة بأسلحة متنوعة من مواضع متحركة داخل ميدان المعركة في تغطية شاملة لمختلف أنواع المواجهات.

الفيلم بمخرجه الأميركي لا يخشى مواجهة المشاهد الصعبة بل يتحداها بتصويرها من مسافات قريبة ومنفردة أيضاً، ودون الإفراط في استحضار هذا النوع من المشاهد.
إلى جانب القيمة الفنية التي اكتسبها العمل بفعل تعميقه لحالة العنف داخل الميدان وخارجه بشكل متقن فإن هذه الصور المرعبة شكلت داعماً لتعزيز الضغط على الشخصية المحورية في الفيلم، وهي شخصية قامت على استفزاز العنف بابتسامة مربكة، ابتسامة «ديزموند» كانت سبيله لمواجهة إملاءات قادته وانتقام زملائه وعنف الجنود في جبهات القتال، الابتسامة الدائمة على وجه «ديزموند» كان لها وقع سحري على مسار الأحداث، فتارة ساخرة وأخرى عاشقة وأحياناً ناطقة، حزينة، رافضة، متضامنة.. ابتسامة «ديزموند» الواثقة كانت تعبث بالجميع، شخصياً أعتقد أن ابتسامة أندرو غارفيلد في فيلم «جبل هاكسو» كفيلة بترشيحه لنيل «أوسكار».

بمراجعة سريعة لتاريخه الإخراجي سنلاحظ أن ميل غيبسون دائم الاهتمام بأفلام الحشود أو الجموع (إن جاز التعبير)، حيث شهدت أفلامه الثلاثة التي أخرجها فيما سبق استخدام الحشود بطرق متنوعة ومتفاوتة الصعوبة، وهو مؤشر جيد إلى انشغاله بالقضايا العامة، ببساطة لأنها تخص الجموع.

فرغم وعيه بضرورة خلق فضاءات متنوعة لتفادي خطر السقوط في التكرار فإن أسئلة ميل غيبسون لا تتوقف عن الحضور في كل الأعمال التي قام بإخراجها، من هنا كان فيلم «جبل هاكسو» مناسبة جيدة لتمرير رؤاه من خلال رمز مختلف، فـ«ديزموند» شاب متدين وليس نبياً، وما قام به عمل شخصي وليس دعوياً، ومعارضوه عسكريون وليسوا رجال دين، إلا أن بطل «هاكسو» متسامح جداً ومنقذ لأرواح الجنود، علاوة على موقفه المتشدد من القتل بصرف النظر عن الدافع، لهذا كانت قضية «جبل هاكسو» امتداداً جيداً لما تم طرحه في فيلم «آلام المسيح».

المزيد من بوابة الوسط