«خوليتا» أسيرة الخطايا.. الأحمر يقود بيدرو في آخر أفلامه

لا يحتاج الأمر لأكثر من الإحساس باللون في لوحة سينمائية تشكيلية لتعرف أنك في حضرة المخرج الإسباني العملاق «بيدرو ألمودوفار» صاحب فيلم «All About My Mother» وفيلم «talk to her»، وهو ما حقق باستمرار خصوصية أعماله السينمائية.

شخصياً أعتقد أن مساحة الكتابة تضيق مهما اتسعت عند حضور (ألمودوفار) فيها، ذاك أننا حينها نكون بصدد الحديث عن إمكانية عالية الجودة في مجال الكتابة والإخراج السينمائي، لهذا سأكتفي بإشارة سريعة عن الأهمية التي صار يحظى بها «بيدرو» اليوم بين نجوم ومشاهير السينما العالمية لأتوقف عند آخر ما قدمه للسينما في العام 2016، وهو فيلم «خوليتا» الذي شارك في كتابته وأخرجه بيدرو ألمودوفار بينما قام ببطولته كل من إيما سواريز وأدريانا أوغارتي ودانيال غراو. الفيلم إنتاج إسباني.

يحكي الفيلم قصة مدرسة أدب كلاسيكي «خوليتا» تلتقي بصياد بحري «شوان» في رحلة محلية على متن قطار لتنشأ بينهما علاقة تنتهي بالزواج والظفر بطفلة «أنتيا»، بعد سنوات يقرر «شوان» الذهاب للصيد في أجواء عاصفة كرد فعل على شجار حدث مع «خوليتا» ليلقى فيها مصرعه، الأمر الذي سيلقي بظلاله على حياة «خوليتا» بالسلب إلى الحد الذي تفقد فيه علاقتها بابنتها إلى الأبد.

«خوليتا» في الفيلم تجسد رمزاً لمواجهة متلازمة الخطيئة والعقاب

«خوليتا» في الفيلم تجسد رمزاً لمواجهة متلازمة الخطيئة والعقاب، الخطيئة في عالمها لا تقوم بالضرورة على النوايا السيئة فيكفيها فقط فعل الممارسة، الخطيئة عند «خوليتا» تقتات على سقوط الآخر بمعزل عن الدافع وإن لم يكن قائماً في الأصل، الخطيئة عندها تتأسس أولاً على الإحساس بالذنب، لهذا سيتعين عليها الإحساس بالذنب بسبب انتحار رجل القطار بعد أن رفضت الحديث معه، ورغم محاولة «شوان» قتل هذا الإحساس في مهده إلا أنه تطور مستقبلاً بموت «شوان» نفسه، ومرة أخرى لم يكن حوارها مع «شوان» قبل وفاته مباشرة ليشكل دافعاً حقيقياً لذهابه في رحلة الصيد التي أودت بحياته، في المقابل ستكون حياة «خوليتا» وسقوطها هذه المرة مصدراً لذنب سيطارد ابنتها «أنتيا» طيلة حياتها ويزج بها وسط ذات الدائرة التي طوقت والدتها، فشعورها بالذنب اتجاه انتحار رجل القطار (خطيئة) أدى إلى موت زوجها مستقبلاً (عقاب) لأنها فضلت الجلوس معه في ذات الرحلة، والذنب في موت زوجها (خطيئة) بسبب إحساسها بدفعه للذهاب لرحلة الموت، أدى إلى ترك ابنتها وهجرها لها طيلة ما تبقى من حياتها (عقاب)، فإن ابنتها «انتيا» ستعاقب على هذا الذنب ما تبقى من حياتها بموت ابنها غرقاً.

الفاصل في الفيلم من هذا الجانب تمثل في حياة والد «خوليتا» الذي استمر مدافعاً عن منظومة حياته التي تحفل بمبرراتها الإنسانية في مواجهة ضغط «خوليتا» المستمر لجره نحو عالمها المتجرد، فاستعانة والدها بامرأة أخرى للاهتمام بحياته وحياة «والدة خوليتا» المقعدة، واضطراره لإحكام قفل الغرفة على الزوجة المقعدة في غيابه خوفاً عليها ،لا يمثل عند الوالد ذنباً ما دام سيجد في ما يفعل الحل الأنسب لاستمرار حياته بشكل أفضل، هذا الاختلاف في طريقة تعامل الوالد سيكون بمثابة المؤشر لإيجاد مسار مغاير للحياة، مسار يقوم على إيجاد مبرر إنساني لكل ما نواجهه ونقوم به، ففي نهاية الأمر ستتوقف الحياة عند خوليتا وهي تطارد خطاياها في كل عقاب يواجهها (كما تراه طبعاً)، بينما سيجد الوالد في أي عقاب (بمفهوم خوليتا) مجرد إشكالية يمكن تجاوزها بإيجاد حلول لها.

يقرر مخرج الفيلم تتبع مسار القصة على نحو مختلف، حيث سيبدأ القصة من النهاية عبر استدعاء امرأة متقدمة في السن «خوليتا» لأحداث حكايتها عن طريق الكتابة لابنتها المفقودة، وهو إجراء متبع في كثير من الأعمال السينمائية والسردية، فانطلاق الحكاية من منتصف القصة أو نهايتها لا يشكل في حد ذاته منجزاً ما لم يتأسس على مبرر وإن اكتفى منه بالجمالي. بهذا الإجراء أزعم بأن الفيلم قد ذهب نحو تحقيق مزدوج مهم، تمثل أولاً في السيطرة على إيقاع العمل من مركز رواية الأحداث، ثانياً استغلال هذه السيطرة لدعم الجانب الفني والجمالي على مستوى التشكيل في الصورة.

حيث تسيطر «خوليتا المسنة» على تمرير أحداث القصة في إيقاع هادئ ومتوازن، بهذا سيمثل زمنها، الحاضر الوحيد في الفيلم رفقة زوجها المستقبلي «لورينزو»، وستتابع الأحداث عبر هذا الزمن بشكل منطقي دون وجود فراغات تذكر ابتداء من لحظة عدولها عن قرارها بخصوص مرافقة «لورينزو» إلى البرتغال واستمراراً بتوجهها لذات المبنى الذي عاشت فيه رفقة ابنتها «أنتيا» لتتفرغ فيما بعد لرواية قصتها.

زمن «خوليتا المسنة» وفر مساحة جيدة لمخرج الفيلم لممارسة لعبته البصرية في إطار تعميق فكرة العمل ودعمها برؤية فنية لا تتوفر كثيراً كممارسة خارج قواميس «ألمودوفار».

قصة «خوليتا» المجردة عن سياقها الفني لا أجدها تشكل تفرداً أو تميزاً كبيراً عن عدد كبير من القصص المطروحة في أعمال سينمائية أخرى، الداعم الدائم لأي عمل فني يكمن في محيطه الفني الذي تقوم وتظهر عبره. في هذا الاتجاه ذهب مخرج العمل نحو إكساب سلطة نافذة للون الأحمر في الجزء الذي يخص حياة «خوليتا المسنة» ربما كما رأينا لسيطرة هذا الجزء على تنظيم مسار الأحداث، الأحمر شكل الإطلالة الأولى على محيط الفيلم، ابتداء من المشهد الأول عبر هيمنة (الروب) الأحمر على كامل الإطار واستمراراً بخلفية الساعة على الحائط - لون طلاء أحد الجدران.

تتحقق سطوة الأحمر في المشاهد الأولى وبالتحديد في الشقة التي كانت تسكنها «خوليتا المسنة» في إسقاط الألوان القاتمة من محيط التصوير، الأحمر لم يكن حاضراً بكثرة وإنما بقوة في ظل إحاطته ببياض شاسع تمثل في الأثاث والمعدات المنزلية والجزء الأكبر من الجدار.

قد تكون المشاعر الإنسانية كحديقة عظيمة تحمل عدداً كبيراً من الأزهار الملونة، وبإمكاننا وضع معنى لكل لون يميزه أو يجعله مختلفاً عن الآخر، هذا ما يحدث عندما يتعلق الأمر بالجانب الشعوري أو عند استخدامه في الفنون بدافع خلق مساحات تأويلية بآليات الفن الجميلة، إلا أن الأمر لن يصل لحدود الدلالة المعرفية بحيث يصير اللون يعني شيئاً محدداً في ذاته.

يعمل اللون في فيلم «خوليتا» على مستويين مختلفين، حيث سيحتفظ أولاً بوجوده الجمالي كجزء من منظومة الألوان المقدمة بشكل فني مميز وثانياً عبر إعادة إنتاج المعنى وهو ما لا يتحقق في ظهوره الأول، بمعنى أننا نحتاج في المشاهدة الأولى لمتابعة حركة الشخوص والأحداث لنعرف في بداية الفيلم بعض المعلومات من قبيل (خوليتا تتجهز للسفر مع زوجها للبرتغال/ تخرج خوليتا للتسوق وتلتقي مع صديقة ابنتها وتعرف أن ابنتها مازالت على قيد الحياة/ خوليتا تقرر التراجع عن السفر/ تذهب خوليتا لمكان تعرفه منذ زمن في مدريد وتستأجر فيه شقة/ تبدأ خوليتا في الكتابة لابنتها).

حتى اللحظة لن يخرج اللون عن قيمته البصرية الساكنة، بتتالي الأحداث. يكتسب الأحمر قيمة ديناميكية تمنحه إمكانية إعادة إنتاج الصورة الأولى بناءً على معلومات لم نكن نعلمها سابقاً، بمعنى أن اللون سيصل لمرحلة النضوج في المشاهدة الثانية للفيلم، عندها ربما سيكون بإمكاننا أن نتحدث عن الكم الهائل من القلق الذي سيُحمله الفيلم عبر خياره التشكيلي على مشاهده الأولى.