عفاف عبدالمحسن: موضوعاتي جوقة متناغمة مع صيرورة وكينونة غموض النفس

تمثل كتاباتها واحداً من الأصوات الشابة ذات الرنين المختلف، وتحلم بأن تغنى قصائدها بأصوات عربية مهمة في الساحة الفنية، هي عفاف عبدالمحسن.. شاعرة ليبية تمضي في درب اللغة الحالمة الممزوجة بالألم والدهشة، وتواصل المسير بفائض من الإصرار والرغبة في التميز.. «الوسط» حاورتها عن بداياتها وحلمها، كما تحدثت عن الشاعرات الليبيات، إذ ترى أن بينهن من يستحق أن يصل صوته لأبعد مدى، وإلى المزيد في هذا الحوار.

حدثينا عن مسيرتِكِ الشعرية.. متى بدأتِ تكتبين وكيف كانت بداياتك الأولى؟
لن تتمكن وإن اعتصرت ذاكرتك أن تدرك متى كانت البداية، كما أقول عن الحب لمن يسأل «لماذا أحببتني؟» أقول (لا تسل صبا لماذا فجأة الحب كميقات الولادة)، فتلك بذرة يا صديقي تأخذ دورتها في النمو رويداً حتى لحظة المخاض ثم الميلاد. ربما يكتب المرء المتعلق قلبه بالكلمة حتى قبل أن يعي المعاني وملمح الحرف الذي سيخطه قلمه يوماً. ربما لأنني تربيت في بيت يألف الكتب ووعيت ومكتبة بيتنا زاخرة بالعناوين وقرأت قبل الحلم وحفظت النصوص المدرسية للوهلة الأولى من قراءة معلماتي لها أمامي، وفي أمي نظمت أول قصيد وأول موضوع إنشائي مطول، وكنت كلما كتبت أجمع العائلة وأقرأ لهم ويثنون وينصحون ويصححون، وحين كبرت أصبح الخطأ لا يغتفر خاصة اللغوي. كلهم شجعوني: الوالد والوالدة خاصة، رحمهما المولى، وشقيقي وأستاذي الإعلامي والشاعر الراحل، عبد الله عبدالمحسن، وشقيقتي وأستاذتي أمدها الله بالصحة والعافية الإعلامية والكاتبة، عزيزة عبدالمحسن. حتى المعلمون بمراحلي التعليمية كلها حيث بدأت أرشح للمسابقات المدرسية الأدبية والجامعية من بعد، وتحصلت لأكثر من مرة على تراتيب أولى وثانية وثالثة. وعبر برنامج «ما يكتبه المستمعون» للمبدعين سالم العبار وعبد الله عبدالمحسن، قرأ لي عبد الله إحدى قصائدي وتبعها برأي سالم العبار قال فيه: «اليوم أعلن عن ميلاد شاعرة تميزت بلونها الخاص»، فكانت هذه شهادة الميلاد الحقيقية لبداياتي الأدبية.

ويجب أن أحمد المولى لأنني أحطت بمن يعتنون بي بحب وإيمان بموهبتي، وبالتالي من أين ستأتيني الصعاب، مما ألقى على عاتقي من مسؤولية أمامهم جميعاً هو الصعب فقط وربما لأن البدايات دائماً فيها تعثر ومحاكاة لغيرنا، فلم أكن منافسة لأحد كي يعرقلني ما زلت أحبو في عالم الشعر والكتابة بشكل عام وربما من كانوا وقتها في القمة لم يعيروني اهتماماً ولم يروني بعد.

ما أبرز المراحل في مسيرتك الشعرية ولماذا؟
حين بدأت أنشر كتاباتي وبدأ بعض الصحف والمجلات تتصل بي كي أكتب معهم، بدت أمامي المدارج تتضح وأن خط الرجعة مستحيل، وإما أن أكون في عالمي الذي تخيرته بشغف أو لا أكون. كما كانت مرحلة مهمة أخرى حين كونت لأول مرة في ليبيا صالوني الأدبي وسميته «بهو الأدب والفن» وفيه بدأت ومجموعة من الزملاء لا تتعدى الخمسة شعراء وكتاب وأخذت تتسع الدائرة حتى لم يعد مركز النهر الثقافي بقاعته الأربعائية تكفي العدد الذي تنادى للانضمام، فأفسح لي صديقي المهتم بالتراثيات بالمدينة القديمة بنغازي وكانت له دار اسمها دار أكاكوس تحتوي مجموعة من الأروقة بين نحت ورسم على حصير وجمع مقتنيات قديمة، منحني رواقاً تبنيت فيه الأصوات الأدبية الشابة وكتبت عنهم وصورتهم القنوات وسجلت المحاضرات والمناظرات التي كنا نتداولها نصف شهرياً في بهو الأدب والفن، وهكذا مواجهة كانت نقلة كبيرة لي في ذاك الدرب الجميل الممعن، وبين كم من المتمكنين أدبياً في كافة المجالات في بلادنا.

ما المواضيع التي تتناولينها في قصائدك، وهل اختلفت بين مرحلة وأخرى؟
مواضيعي جوقة متناغمة مع صيرورة وكينونة غموض النفس البشرية وعلاقتها بما يدور حولها من محكات حياتية ومعرفتها بكنه الحياة بسطحية أو بعمق.. ولم تكن النغمات المنبعثة نشازاً بل ألفت ربما العزف على المشاعر الإنسانية بدقة حد التقمص والتوحد في الحالة. كلما اختلطت بالبشر وتعمقت تجاربهم وفتحت عوالم الكتب السحرية وقرأت قصصاً بمشاربها المختلفة تعايشت مشاعر حزن وفرح ونجاح ومودة وشقاء وغنى وفقر وحروب وفن وغيرة وشك وشوق. وعبارتي المعتادة: (واحدة هي المشاعر الإنسانية ولكن كل منّا يجسدها ويعيشها وربما يكتب عنها حسب معطيات وحتميات التواقيت الحياتية التي أحاطت به لحظة تولد تلك المشاعر).

وكونها عندي اختلفت مرحلياً، فحدث ذلك فعلاً يبدو أن المراحل العمرية التي تنضجك وتصقلك إنما تجعلك تنظر للأمور بمنظور أكثر هدوءاً ومرونة في التعامل، وهذا النضج العمري ينضج التجربة الأدبية لا محالة فتكون أكثر عمقاً وحكمة واعتداداً بمشاعرك حيال الكون المحيط برمته.

ما المهرجانات والندوات الثقافية والشعرية التي شاركتِ فيها محلياً وخارج البلاد؟
كثيرة هي تلك المهرجانات والندوات الثقافية والشعرية التي شاركت فيها كإعلامية وكشاعرة محلياً بالطبع، وإن اتسم بعضها بوجود أدباء عرب وأجانب بيننا في ليبيا. أما خارجياً فلم أحظ بأي مشاركة خارجية حتى في معرض الكتاب الذي عرض فيه ديواني الثاني «مظاهرة تقودها أنثى» وديوان شقيقي عبد الله «استباحة» الذي قمت بتجميعه وتجهيزه بعد وفاته وأصدرته في حفل تأبينه الثاني لم أدع للاحتفاء بهما في معارض الكتاب بمصر والشارقة والمغرب. لكنني بشكل خاص وقعت ديواني الأول «وشوشات» الصادر على حسابي الخاص في احتفالية بجمهورية مصر العربية وأقيمت لي أمسيات شعرية صيفية بالإسكندرية ومرسى مطروح وأهديت قصر الثقافة مطروح مجموعة من الديوان. وعلى هامش مؤتمر الإعلاميات العربيات في الأردن أيضاً شاركت بأمسية شعرية، وكانت دعوة خاصة من تلك المؤسسة، كما شاركت بأمسية مع شعراء من المغرب في الدار البيضاء أيضاً على هامش مهرجان مسرحي عرضت فيه مسرحية من تأليفي «تعاريج تهاويم».

هل للبيئة دور في عشقك الشعر وكتابته؟
من كل بد للبيئة أثرها الكبير على الصعيدين المصغرة في بيتي وعائلتي والبيئة المجتمعية العامة في ليبيا، وإن لم أعش في البادية ولكن النفحات والمحيط كان يلازمنا في حلنا وترحالنا زيارات عائلية وعملية تحتم الاستمتاع والالتصاق بجليل القيم، ولن ننسى أن حتى أهازيج كبارنا التربوية كانت حكماً شعرية سلسة ومنمقة.

كيف ترين مستوى الكتابة لدى الشاعرات في ليبيا، ومن يعجبك منهن؟
مستواهن رفيع، وإن كنت أعيب على بعضهن عدم إتقان اللغة العربية بشكل سليم، وأستغرب كيف يتمكن الشاعر من قصيدته المموسقة، وهو لا يتقن موسيقى اللغة العربية الجميلة التي تختل موازينها في حال ألحن الشاعر أو الكاتب بشكل عام. قد لا تحضرني الأسماء كي أعددهن، ولكنني أستمتع مع لغتهن الأدبية الراقية حين تجمعنا الأماسي الشعرية الباذخة.

في سبها سمعت أقلاماً نسائية ولا أعمق وأقول سمعت لا قرأت لأنني حضرت أسبوع سبها الثقافي وتفاجأت من ذاك المعين الذي لا ينضب وحزنت لعدم وصول صوتهن أكثر في المشاركات الليبية أو العربية لأنهن شرف للأدب الليبي.

حين تعود عفاف عبدالمحسن إلى أعماق نفسها، كيف تراها حقيقة؟
طفلة ضعيفة تعارك الحياة وتخافها تارة، ومحاربة كأمزونة شرسة لكل معترضات الحياة تلك الشاسعة تارة أخرى، وحواء الملخصة لمعنى (الحياة أنثى) بقوة ضعفها في معظم الأحايين.

هل لك طقوس معينه في الكتابة؟
مطلقاً لم يكن لي ولا أعرف أن أصنع طقوساً لكي أكتب. قلتها سابقاً (فجأة الحب كميقات الولادة وكذا فجأة الكتابة).

ما هي أحلامك على المستوى الشخصي، وعلى المستوى الأدبي؟
رغم أن الوقت مر.. والمر حين يمر العمر يزداد تركيزاً في الحلق، إلا أننا كبشر إذا فقدنا الحلم وكأننا استسلمنا لشهقة الموت التي تحاصرنا وقلنا لها (هيت لك) ما زلت أحلم أن تغنى قصائدي بأصوات عربية مهمة في الساحة الفنية.. ما زلت أحلم أن تطبع باقي مخطوطاتي المزوجة في أدراجي ولا أعرف متى وأين وكيف تفتح لها أبواب الجهات المسؤولة عن ذاك وتتبناها، فمستحيل أن أطبعها على حسابي الشخصي في ظروف راهنة، وهل تصدق لو قلت لك حلماً غريباً يراودني مذ 2013 أريد أن أقول شعراً فقصائدي لم تتنفس منذ أعوام لا أماسي ولا أصابيح ولا دعوات وفضاؤها ضيق منحصر بين قلبي حين ينزفها وقلمي حين يخطها ووريقاتي أو جهاز الحاسوب يطبعها وتنام هناك في انتظار من يربت عليها. أما حلمي على مستوى شخصي (اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة وأن تسترني فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك).

المزيد من بوابة الوسط