عبدالباسط الجارد: «سيدي إدريس» يتناول حقبة مهمة في تاريخ ليبيا (1-2)

الفنان القدير عبدالباسط الجارد، هو ابن مدينة أجدابيا، قدم العديد من الأعمال للتلفزيون الليبي وكذلك للمسرح، وأسس في السنوات الأخيرة شركة إنتاج فني أطلق عليها شركة «البدوية للإنتاج الفني» لطموحه الكبير في إثراء الحركة الفنية الليبية والخروج بها على الأقل إلى الإطار العربي في هذه المرحلة، في حواره مع «الوسط» يكشف كواليس عمله الدرامي الجديد «سيدي إدريس» وأسباب تأخر تنفيذه إلى الآن.

* في البداية نرحب بالفنان عبدالباسط الجارد المهموم دائمًا بالدراما الليبية.

- سعيد بهذا اللقاء، وفي الحقيقة هموم الدراما الليبية عندما تريد التحدث عنها، خصوصاً في ظل هذه الظروف، فهي هموم كثيرة ومضنية، لكن عملنا في هذه الظروف هو باجتهادات شخصية ولنقل أننا مازلنا موجودين على الساحة، وأننا مستعدون من خلال الدراما والفن بشكل عام أن نسهم في بناء هذه الدولة الجريحة، فقضايا الدراما عديدة ومتشعبة وهمومها نفس الهموم التي يمر بها الوطن، وكل فنان ليبي الآن يعاني هذه الإشكالية بالرغم من كثرة القنوات الفضائية، التي في ظل هذه الظروف ليست بميزة، بل تشتت الجهد والشغل. وحتى الإمكانات التي تقدم لصالح الأعمال الفنية غير واضحة ومبهمة ومتباينة، وأنا في الآونة الأخيرة قدمت عدة أعمال وكان تركيزي على المنوعات، بالإضافة إلى عمل درامي كبير عن الملك الراحل إدريس السنوسي.

* لماذا لم ينفذ عمل «سيدي إدريس» حتى الآن؟

- «سيدي إدريس» عمل قمنا بكتابته وتمت مراجعته من قبل لجنة كلفت من قبل وزارة الإعلام في الفترة السابقة، وهذه اللجنة مكونة من شخصيات ليبية معروفة في مجال الأدب والفن والتاريخ، وأُجيز العمل بتقدير جيد جدًا وتم إقراره من رئاسة الوزراء في الحكومة الليبية الموقتة، وللظروف التي يعانيها الوطن لم يتم تسييل القيمة المالية المحددة لهذا العمل، أما الأمور الفنية فنحن أنجزنا كل شيء، حتى المخرج اتفقنا معه بخصوص تنفيذ هذا العمل، حيث سيخرجه المخرج السوري حاتم علي الذي أبدى استعداده، حيث إنه من أشد المعجبين بشخصية الملك إدريس، كما عرضنا شخصية الملك إدريس على عدة ممثلين عرب كبار من بينهم الفنان السوري القدير جمال سليمان الذي التقيته في القاهرة، حيث أبدى استعداده للتعاون بعد الاطلاع على النص، والخطوات التالية لتنفيذ المسلسل لم أقم بها مع هؤلاء جميعًا لأن القيمة المالية المخصصة له لم نتحصل عليها بعد، وهذا العمل يضم شخصيات كبيرة وكثيرة من الفنانين الليبيين الذين يتجاوزون ثمانين ممثلاً وممثلة من مختلف مناطق ليبيا.

* حدثنا عن طبيعة هذا العمل؟

- هو عمل يتناول حياة الليبيين في فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وكيف بنى الليبيون الدولة من لا شيء ومن دون بترول، وكيف بنوا ليبيا بعد ظهور النفط من خلال الخطة الخماسية، وكيف وضعوا الدستور، وهذا العمل يحوي كثيرًا من القصص والحكايات والروايات استقيتها من معاصري تلك الحقبة الذين مازالوا على قيد الحياة، وأيضًا استقيت قصص هذا المسلسل من الوثائق والكتب والصور الموجودة لدى الكثيرين في بيوتهم، ناهيك عن المصادر الموجودة في المكتبات وغيرها داخل وخارج ليبيا، كما التقيت العديد من الشخصيات العربية التي كانت لها علاقة بالملك إدريس وبالدولة الليبية في تلك الفترة، وإن شاء الله هذا العمل يرى النور لو تم تسييل المبلغ المخصص لإنجاز العمل.

* ما القيمة المالية التي خصصت لإنجاز مسلسل «سيدي إدريس»؟

- هذا العمل هو وثيقة تاريخية، وأحببنا أن يقدم من خلال الدولة، فكما قدمت الدولة فيلم «عمر المختار»، أيضًا نأمل أن تقدم هذا العمل الذي يعد وثيقة للأجيال التي لم تعاصر تلك الفترة، ووثيقة للعالم الآخر حتى يعرفوا كيف تكونت هذه الدولة التي تكالَب عليها الجميع، وطلبوا منا إجراءات منها تقديم العمل إلى لجنة مختصة وهذه اللجنة صدر فيها قرار من وزير الإعلام السابق محمد بن سعود، الذي كون لجنة من الدكتور محمد المفتي والدكتور طاهر الجراري من مكتب دراسات جهاد الليبيين وعبدالهادي الحبوش من مؤسسي مكتبة الملك إدريس بدرنة والدكتور فرج نجم الباحث التاريخي المعروف والفنان عاشور بوشوق، وقدم أعضاء اللجنة تقارير أحادية منفصلة كل في ما يخصه ثم اجتمعوا وأُجيز العمل بتقدير جيد جدًا، ووُضعت له ميزانية قيمتها ستة ملايين دينار ليبي وتم اعتمادها في اجتماع مجلس الوزراء، وتم اعتماده ليتم تنفيذه وأوكل لوزارة الثقافة في تلك الفترة وهنا يكمن الخلل، لأن في تلك الفترة كانت هناك وزارتان، وزارة للثقافة وأخرى للإعلام، فالعمل كله من رسائل وتكليفات كان من وزارة الإعلام وعندما جاءت مرحلة التنفيذ أوكل الإشراف لوزارة الثقافة، فجمد الموضوع وظل حبيس أدراج الثقافة حتى حلت الحكومة الموجودة في طرابلس والآن بدأت مشواري من جديد من خلال وجود الحكومة في البيضاء، ولكن للأسف واجهتنا قصة الميزانية والسيولة، وكثيرون يلومونني الآن ويقولون لي هذا الوقت الذي يمر به الوطن غير مناسب لتنفيذ أعمال فنية لأن الناس محتاجون رغيف الخبز والدواء، لذلك ضممت أوراقي منتظرًا انفراج في هذا الموضوع. 

نتمنى أن يساهم الفن في بناء دولتنا الجريحة

* هناك مَن يرى أنه من الأهمية أن نركز على الفن والرياضة والسياحة والثقافة في هذا التوقيت الذي يسعى فيه آخرون لتقليص مساحات الجمال في ليبيا؟

- هذا صحيح، خصوصاً هذا العمل لأنه يتناول حقبة تاريخية تهم كل الليبيين، وهناك مَن يسعى لتناول العمل من نواحٍ أخرى، وتم تقديمه في عمل مسموع لخميس إمبارك، وبإمكان أي فنان أن يأتي ويقدمه كشريط سينمائي، المهم أن هذه الحقبة من تاريخنا التي عاش فيها الملك إدريس يجب أن يعرفها هذا الجيل لأنها فترة الآباء المؤسسين وكيف قاموا ببناء الدولة وتأسيس الدستور وأيضًا الدور العظيم الذي قام به المندوب الأممي، أدريان بلت الهولندي، الذي يفترض أن يقام له تمثال عكس ما يقوم به الآن كوبلر وليون وغيرهما، كما أنه يوضح لليبيين وللعرب وللغرب كيف سعى الليبيون الأوائل نحو توحيد الوطن في ظل التقسيم الذي كان قائمًا، وكيف بعد الاستقلال تم التمهيد للدولة بأن تصبح واحدة وبنظام إداري واحد في 1963 وفق التعديل في الدستور وأصبحت مملكة ليبيا، ونحن محتاجون في هذا الوقت بالذات أن يعرض هذا العمل حتى نستفيد منه.

* كيف جاءت فكرة اختيار هذه الشخصية في الوقت الذي بدأ فيه الكتاب والمنتجون في تناول أعمال تتعلق بالتغيير العربي؟

- من ليس له ماضٍ لا حاضر له، ونحن تاريخنا مشرف وعريق سواء في فترة تركيا أو إيطاليا وفترة الملك الصالح وأيضًا في الفترة التي تلت فترة الملك الصالح لأن هذا كله يعتبر تاريخًا، ولست ضد مَن يأتي مستقبلاً للقيام بعمل يتناول فترة القذافي لأن هذه المراحل التاريخية يجب أن نؤرخ لها، وأجيالنا من حقها أن تعرف كل شيء عن تاريخ ليبيا، وليست نقيصة أن تكتب عملاً عن القذافي لأنك تريد أن تؤرخ لمرحلة، ونحن شاهدنا العمل العظيم «عمر المختار» كيف أرخ لتلك الفترة، وهناك أيضاً شخصيات أخرى نتمنى أن يتم التأريخ لها مثل سليمان الباروني وغومة المحمودي وعبدالنبي بالخير ويوسف بورحيل المسماري وعبدالحميد العبار، وتاريخنا لا بد من تناوله خصوصًا أن أولادي يسألونني مَن إدريس السنوسي؟ لأنه كان هناك تعتيم على هذه الحقبة، انظروا إلى جيراننا المصريين نفس الممثل قام بدور السادات وأيضًا دور جمال عبدالناصر وغيرهما من الشخصيات التاريخية، ولكن فقط نحتاج إلى دقة ومراجعة.

نقلاً عن العدد الأسبوعي لجريدة «الوسط» الخميس 22 سبتمبر