السيرة الذاتية لمحمد عبدالهادي تعيد كتابة تاريخ المسرح الليبي

«الاختلاف لا يفسد للود قضية» مقولة تربينا عليها وأصبح الكثيرون يرددونها كنوع من الشعارات ليس إلا، فلو تحدثنا عن المسرح الليبي وبداية تأسيسه بالمعنى الحديث والمبني على الثلاثة عناصر الأساسية وهي: النص والخشبة التي يقدم عليها العرض والجمهور من المتفرجين، فسنجد أن ليبيا احتفلت في العام 2008 بمئوية المسرح الليبي.

وهذا ما فتح له ملف كامل لأكثر من ستة أشهر في صحيفة «أويا» حينها عن طريق لقاءات مع فنانين من معظم المدن الليبية، وكذلك مع فرق مسرحية، وشارك في هذا الملف عدد من الصحفيين والمسرحيين الليبيين وهذا الجهد قام الفنان نوري عبدالدائم بتجميعه وطباعته في كتاب بعنوان «ليبيا 100 عام من المسرح».

والسبب من اعتماد الكثيرين على هذا التاريخ ليكون تأسيس المسرح الليبي ما كتب في صحيفة «الترقي» في عددها الصادر بتاريخ 11 أكتوبر 1908، ونشرت بها مقالة بعنوان «حب الوطن» تتحدث عن مسرحية عرضت على مسارح طرابلس حملت عنوان «وطن» قدمتها «جمعية التشخيص» التي أسسها الصحفي الليبي محمد قدري المحامي، والمسرحية من تأليف الشاعر التركي محمد نامق.

وهذه المسرحية جاءت تعاطفًا مع عمال البناء الذين رفضوا تفريغ سفينة نمساوية كنتيجة للصراع في البوسنة والهرسك آنذاك، كما وأشارت ذات الصحيفة إلى أن هذه الجمعية قدمت مسرحيتين بعدها هما: «شهيد الحرية» و«محاكمة المستبدين»، والتي يقال إن أعمالهم توقفت بعد دخول الاحتلال الإيطالي إلى ليبيا والقمع الذي طال الجميع بعدها.

على الرغم من هذا التاريخ نجد في المقابل مجموعة من الفنانين لا يعترفون بهذا التاريخ كتأسيس للمسرح الليبي، ويتمسكون بفكرة أن التاريخ الحقيقي لتأسيس المسرح الليبي جاء على يد الفنان محمد عبدالهادي في مدينة درنة عندما عرض مسرحية «آه لو كنت ملكًا».

بعيدًا عن هذه الخلافات لا يستطيع أحد إنكار الدور المهم الذي لعبه الفنان محمد عبدالهادي في الحركة المسرحية الليبية، سواء في حياته أو حتى بعد وفاته، فهو والد المخرج الكبير الراحل عبدالكريم عبدالهادي وجد الفنان والمخرج محمود عبدالهادي الذي تقدم مشكورًا بتزويدنا بمعلومات وبعض الوثائق عن جده الراحل، بالإضافة لاقتباس بعض المعلومات من كتاب كتبوا عن الراحل مع إشارة لهم داخل هذه الذاكرة كحق أدبي وجب التنويه له، وخلال هذا وجدنا بعض التضارب في التواريخ بين الكتاب ومعلومات جديدة نتمنى أن تكون وأن إضافة بسيطة توفي هذا الفنان والرائد المسرحي وإن الجزء اليسير من حقه.

ميلاده وبدايته
ولد المرحوم محمد محمد عبدالهادي بمدينة درنة العام 1898 م وتوفي في 14/12/1948 أي في عمر 50 عامًا، كما جاء في مقال للكاتب صلاح الحصادي بعنوان «محمد عبدالهادي رائد المسرح الليبي»، والذي نشر في موقع جيل بتاريخ 29- 9- 2005، ولكن حسب شهادة الوفاة والتي تم استخراج نسخة منها من قبل أبنائه في 16/11/1975، والصادرة من مكتب السجل المدني بلدية درنة الجمهورية العربية الليبية، والتي مدنا بها حفيده محمود عبدالهادي فإن تاريخ وفاته كان في أغسطس 1953 أي توفي عن عمر 55 عامًا، تحصلنا على نسخة منها مرفقة في الذاكرة.

تعلم في طفولته في الكتاتيب كما معظم أبناء جيله، وإبان الاحتلال الإيطالي في ليبيا وتحديدًا في الفترة من 1918 وحتى 1920 انتقل إلى إيطاليا وعمل بالأفران، وهذه المرحلة ساعدته في مشاهدة المسرح والفن الإيطالي بصفة عامة، خاصة ما كان يقدم من عروض لمسرح الشارع، بعد عودته لليبيا وإلى جانب امتهانه للفن عمل كموظف في الحرس البلدي واستمر معه هذا العمل حتى وفاته.

مرحلة مصر ولبنان
بعد هذه المرحلة قرر عبدالهادي القيام بجولة عربية قبل عودته لوطنه وفي العام 1922 سافر إلى لبنان، واطلع على تجربة المسرح هناك وتأثر بمسرح أبوخليل القباني، ومنها ذهب إلى مصر التي اطلع فيها على تجربتهم المسرحية أيضًا، وكان معجبًا بمسرح نجيب الريحاني الذي كان يعد الأشهر حينها.

ولكن الكاتب ناصر الباح وفي مقالة له نشرت بعنوان «آه لو كنت ملكًا - محمد عبدالهادي» تطرق لنقطة مهمة جدًّا قد تكون لها آثارها في مسيرة عبدالهادي وهي وجود مسرح جورج أبيض وعلي الكسار أيضًا في تلك الفترة في مصر، وبما أن مسرح أبيض كان يقدم أعماله للطبقة الأرستقراطية بعكس مسرح الكسار الذي كانت أعماله تخاطب الطبقة الشعبية فإن الأخير هو ما أثر بعبدالهادي وهذا كان واضحًا في مسرحياته التي تخللها المنولوجات الفكاهية.

عاد إلى وطنه محملاً بالكثير من الكتب والروايات التي تتعلق بالمسرح وإصرار على تحقيق حلمه بمسرح ليبي لا يقل قيمة عما شاهده في رحلته.
العودة للوطن وتأسيس المسرح .

عاد محمد عبدالهادي إلى ليبيا في الفترة ما بين العام 1925 والعام 1928 بعد رحلة في مصر ولبنان، ومشاهدته للمسرح هناك عمل لفترة خبازًا في «كوشة السقوطري» في مدينة طبرق، وفي تلك الأثناء أقام أول عرض مسرحي مرتجل بعنوان «آه لو كنت ملكًا»، وهو مستوحى من حكاية «ألف ليلة وليلة»، وكان من المفترض أن يعرض في سينما «حلمي».

ولاعتراض صاحب السينما بسبب التقاليد الاجتماعية في ذاك الوقت عرض عبدالهادي المسرحية في منزل حمدي طاطاناكي بعد أن دعا مجموعة من أصدقائه، ولأن الخشبة لم تكن موجودة لم يسجل هذا التاريخ رسميًّا كأول عرض مسرحي ليبي.

درنة التاريخ الحقيقي للمسرح
في العام 1930 عاد لمدينته درنة وشكل «فرقة هواة التمثيل»، والتي قدمت أولى أعمالها بعنوان «آه لو كنت ملكًا» وعرض على خشبة تياترو بينتي بشارع طابق الكلب المتفرع من شارع البحر المعروف بشارع الحرية حاليًّا بمدينة درنة، وبما أنه كان هناك جمهور حاضر للعرض فلهذا اعتبر الكثيرون بأن هذا هو التاريخ الحقيقي لتأسيس مسرح ليبي بنص وخشبة وجمهور.

في العام 1931 قدم مسرحية «خليفة الصياد» وهو تأليف جماعي بالفصحى مستوحى من قصة هارون الرشيد، والتي أعاد كتابتها الراحل أنور الطرابلسي العام 1934 بعد احتراق النسخة الأصلية، وهي مسرحية نثرية مستوحاة من حكاية «ألف ليلة وليلة» ومرتكزة في بطولتها على شخصيتين نسائيتين هما «قوت القلوب» و«الملكة زبيدة»، واللتين جسدهما الفنان أنور الطرابلسي والفنان هلال بن فايد بعدها.

وفي العام 1936 عرضت المسرحية في طرابلس، وفي 1934 قدم مسرحية «العباسة أخت الرشيد»، وفي العام 1935 قدم مسرحية «لن أتزوج ولو شنقوني»، وهي مسرحية نثرية بالعامية الدارجة تخللها منولوج «هظا كله من النسوان»، وهذه المسرحية عرضت في طرابلس وبنغازي.

حسب دعوة الحضور لهذه المسرحية والتي وزعت قبل عرضها والتي قام الكاتب ناصر الباح بإرفاقها في مقالته «آه لو كنت ملكًا - محمد عبدالهادي»، فإن اسم الفرقة المكتوب على بطاقة الدعوة هو «فرقة هواة التمثيل العربية الدرناوية»، وهذه الدعوة للعرض وما كتب عليها تعتبر وثيقة يعتد بها أكثر من الذاكرة السمعية، ونعتبر هذه فرصة لتصحيح المعلومة لكل من كتب على الراحل محمد عبدالهادي.

والفرقة الأولى التي أسسها والتي وكما يبدو للاستسهال من البعض أو لطول الاسم عرفت باسم «فرقة هواة التمثيل» بدل فرقة «فرقة هواة التمثيل العربية الدرناوية»، إلا إذ كانت الفرقة التي تأسست في العام 1930 غير الفرقة التي تأسست العام 1931 وهو شيء وارد، ونتمنى أن يكون بداية خيط للبحث عن معلومة جديدة تستحق التوثيق وتتعلق بهذا الفنان.

قدم أيضًا مسرحية «تاجر بغداد» و«أميرة الأندلس» و«سهاد»، كما قدم عملين صنفا بالوطنية وهما «غيث الصغير»، وهي مقتبسة من قصيدة للشاعر أحمد رفيق المهدوي، وكانت آخر أعماله المسرحية بعنوان «دندورة وغندورة» وهي مسرحية كوميديا اجتماعية من تأليفه. في العام 1948 اشتد عليه المرض فلم يعد قادرًا على الوقوف على خشبة المسرح ذهب صحبة أبنائه في رحلة علاج إلى مصر وبعدها عاد ليتوفى في مسقط رأسه مدينة درنة قبل وفاته.

فرقة «هواة التمثيل» درنة
إلى جانب الفنان محمد عبدالهادي فقد أسهم في تأسيس فرقة «هواة التمثيل» بمدينة درنة كل من أحمد النويصري، أنور الطرابلسي، عبدالحميد العكر، عبدالقادر الجباني، إبراهيم الأسطى عمر، أحمد بن سعود، محمد أبوشيحة، إدريس الإمام، يونس بوسويق، محمد بوغرارة، عبدالحميد بوجيدار.

مصطفى الطرابلسي، مفتاح بوطلاق، رمضان المؤدب، صفي الدين الإمام، فتح الله المقصبي، هلال بن فائد، سالم الأطرش، عمر الطرابلسي، محمد سرقيوة، محمد التاجوري، مفتاح الغزواني، مصطفى بن سعود، محمد المؤدب، علي أسعد الجربي، الصابر الشاعري، أحميدة الشيخ، محمد أمراجع بالرحى، أحمد بوغرارة، رمضان فيتور، محمد عبدالقادر جبر، عبدالحميد عبدالهادي، عبدالعزيز الجيباني، خليل باكير، مفتاح بن حليم.

 

كلمات مفتاحية