البطالة في تونس: البركان الذي فجّر الثورة ولم يهدأ

البطالة.. هذا البركان الشرس الذي أطلق ثورة ياسمين أطاحت نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، حين أقدم شاب محبط من مدينة سيدي بوزيد قبل أربع سنوات ونصف على حرق نفسه احتجاجًا على البطالة والأوضاع الاجتماعية السيئة.

هذا البركان الذي قد ينفجر مجددًا أي لحظة، في وقت لا يشعر فيه كثير من التونسيين بتحسن الأوضاع الاجتماعية، بل يقرون بأن أوضاعهم ازدادت سوءًا مع تفاقم البطالة المتفشية.

وعلى الرغم من تمكن تونس من إكمال انتقالها الديمقراطي والوفاق بين العلمانيين والإسلاميين، إلا أن معدلات البطالة في تونس ارتفعت إلى 15 % حاليًا من حدود 11 % في 2010. وكان التهميش ونقص التنمية والبطالة من الدوافع الأساسية للانتفاضة التي أنهت 23 عامًا من حكم بن علي‭‭‭.‬‬‬

شهادات للبيع
في بلدة المتلوي الغنية بالفوسفات الواقعة جنوب تونس، سيجلب اهتمامك بلا شك منذ أن تطأ قدماك المدينة عشرات الخيام التي نصبها معتصمون يطالبون بالشغل.. خيام على الطريق وأخرى على سكة القطار.. خيام على الرصيف وأخرى على هضاب قريبة من مناجم الفوسفات..وحتى أمام البيوت.

خسائر
الأسبوع الماضي أجبرت احتجاجات واعتصامات مستمرة منذ أكثر من شهر شركة فوسفات قفصة المصدرة للفوسفات إلى إيقاف الإنتاج وكل معاملاتها المالية لأول مرة.

كانت تونس من بين كبار مصدري الفوسفات في العالم، لكنها خسرت موقعها لصالح منافسين مثل المغرب بسبب الإضرابات والاعتصامات المتكررة منذ الثورة التي أطاحت بن علي في 2011.‬‬‬

وفي 2010 بلغ إنتاج تونس من الفوسفات 8.26 مليون طن، بينما لم يبلغ إنتاجها منذ 2011 إلى الآن سوى 11.2 مليون طن في أربع سنوات ونصف‭‭‭.‬‬‬ وبلغت خسائر تونس من نقص إنتاج الفوسفات ملياري دولار في أربع سنوات.

وفي خيمة نصبت أمام شركة فوسفات قفصة بالمتلوي يروي عاطل عن العمل منذ تسع سنوات معاناته التي قادته إلى اعتصام وإضراب عن الطعام للمطالبة بحقه في التشغيل.

يقول زياد سالم الحاصل على شهادة في تدريس الرياضيات: «ليس أمامنا أي فرص. لقد اشتغلت في التهريب فمنعوني. بعد الثورة كان لدينا حلم لكنهم الآن سرقوا حلمنا وحياتنا وطموحنا».

ويضيف زياد (33 عامًا): «إذا لم يوفروا لنا شغلاً بسرعة، سنجعل حياتهم أكثر سوادًا من حياتنا وسنطردهم مثلما طردنا بن علي قبل ذلك».

الحركة تبدو منعدمة في البلدة. أغلب المتاجر الصغيرة أغلقت منذ الساعة الحادية عشر صباحًا سوى متجر من نوع خاص بقي مفتوحًا: حائط علقت عليه شهادات جامعية لعاطلين عن العمل وكتب عليه «نقطة بيع شهادات عليا».

في المتلوي الواقعة على بعد حوالي 400 كلم جنوب العاصمة تونس كثير من الشبان والعائلات المعتصمة في خيام في حرارة تفوق 40 درجة يقولون إنهم مستعدون للموت ولتفجير شرارة ثورة ثانية إن لم تتحقق مطالبهم في الحصول على شغل ينهي إحباطًا مستمرًا منذ سنوات.

الخيام في المتلوي نصبت في كل مكان حتى أمام البيوت. وتعهد مئات المعتصمين من النساء والرجال بتصعيد احتجاجاتهم في مرحلة لاحقة إذا استمر تهميشهم وعدم توفير استثمارات ووظائف لهم.

لكن توقف الإنتاج بسبب الاحتجاجات قد يزيد من معاناة المنطقة المهمشة خصوصًا أن قطاع الفوسفات يشغل حوالي 30 ألف موظف من بينهم 15 في شركة فوسفات قفصة.

وقال جلال تباسي وهو نقابي: «الأمر كارثة حقيقية.. هناك مشاكل المحتجين ولكن أيضًا حوالي 30 ألف عائلة في قطاع الفوسفات قد تجد أنفسها ضمن العاطلين إذا استمرت الأزمة».

وأضاف: «الدولة تخلت عن دورها في المنطقة. الناس هنا ينتظرون بارقة أمل. يتعين إطلاق مشاريع تنموية حتى تثق الناس في الحكومة لأنه دون ذلك يبدو أن الانفجار الاجتماعي سيكون قريبًا».

لكن المسؤول الحكومي لزهر العكرمي قال إن الحكومة لديها حزمة إجراءات ستعلن عنها لفائدة منطقة الحوض المنجي مطالبًا بألا يصبح «الفوسفات رهينة» لدى المحتجين لأنه ثروة وطنية.

وفي خطوة يائسة أقدم منذ شهرين حوالي 20 شابًا من حاملي الشهادات العليا في مدينتي قابس وجبنيانة على الدخول في إضراب تام عن الطعام والشراب للمطالبة بالتوظيف.

ولئن أوقف الشبان في قابس إضرابهم فإن آخرين في جبنيانة يواصلون الإضراب عن الطعام منذ شهرين رغم أن حالتهم الصحية تدهورت ونقلوا للمستشفى عدة مرات، وفقًا لرويترز.

ثورة جياع
وعلى خيامهم المغطاة بأقمشة قديمة وأعلام تونس الحمراء والبيضاء كتب المعتصمون شعارات من بينها «الشغل أو الموت» و«التشغيل استحقاق ..كفانا وعودًا» و«إضراب الجوع ولا خضوع».

الاحتجاجات والاعتصامات امتدت إلى كل مدن المنطقة المعروفة بمنطقة الحوض المنجمي مثل أم العرايس والمظيلة والرديف.

وفي الجنوب أيضًا، أحرق محتجون في بلدة الفوار مركزًا للشرطة واشتبكوا مع الشرطة، يوم الأحد، للمطالبة بفرص الشغل مما استوجب تدخل قوات الجيش في المدينة لإعادة الهدوء الحذر.

واحتجاجات الفوار تحد جديد يواجه الحكومة الائتلافية التي تضم علمانيين وإسلاميين والتي تواجه صعوبات اقتصادية وعجزًا كبيرًا في الموازنة إضافة إلى ضغوط المقرضين لخفض الإنفاق العمومي.

وفي مؤشر على توتر الأوضاع الاجتماعية بشكل غير مسبوق منذ انتفاضة 2011، قال الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، حسين العباسي: «الوضع الاجتماعي ينبئ بانفجار وفوضى اجتماعية لن تستطيع السلطة كبح جماحها لأن الجوع كافر»، مضيفًا أن «هناك بوادر انتفاضة ثانية».

لكن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي سارع بالرد على تصريحات العباسي ورفض الإشارة إلى انتفاضة ثانية قائلاً إنها بمثابة حلم لن يتحقق، متعهدًا بأن تبذل الحكومة جهودها، لكنه شدد على أن الحكومة الحالية ليست لديها عصا سحرية لتغيير الأمور بسرعة.

عمري 36 عامًا ولم أشتغل يومًا في حياتي.. إذا لم تعطنا الحكومة عملاً سنحيلها نحن إلى البطالة الإجبارية

وقال القيادي بحزب الجبهة الشعبية اليساري، عمار عمروسية، إنه يتعين على الحكومة اتخاذ إجراءات ملموسة في الحوض المنجمي خلال اجتماعها المقبل مهددًا بتصعيد التحركات إذا استمر الجمود.

وأضاف: «الناس لا يمكن أن تنتظر إلى ما لا نهاية والأمور قد تخرج عن السيطرة».

وبينما كان فريق رويترز يغادر بلدة المتلوي لحق به رجل ليروي معاناته قائلاً: «أنا اسمي الهادي المنصوري وعمري 36 عامًا ولم أشتغل يومًا في حياتي.. أنا وإخوتي الأربعة نعيش على 200 دولار من معاش لوالدتي.. وضعنا سيئ للغاية ولم نعد نحتمل وعودهم الزائفة».

وأضاف: «رجاء عندما تعودون لتونس بلغوهم أننا لن نصمت بعد الآن وسنحول حياتهم إلى جحيم.. إذا لم تعطنا الحكومة عملاً سنحيلها نحن إلى البطالة الإجبارية في وقت قريب.. لم يعد لدينا ما نخسره».

 

المزيد من بوابة الوسط