الإرهاب يُفسد «ربيع تونس»

تُواجه تونس تحديات أمنية متصاعدة على خلفية انتشار الجماعات المسلحة بأنحاء البلاد والتي تتمركز في جبال الشعانبي، قادمة من مناطق الصراعات المسلحة في العراق وسورية وليبيا المجاورة، وسط تحديات أكثر صعوبة تتعلق بملفات التنمية التي ينتظرها المواطنون.

وذكرت السلطات التونسية أنها تبحث عن استراتيجية تستطيع من خلالها منع «الإرهابيين» من عبور أراضيها للمشاركة في القتال الدائر بسورية والعراق، متخوفةً في الوقت نفسه من خطر عودة «الإرهابيين» المشاركين في الحرب الدائرة بتلك الدول إلى البلاد مرة أخرى، لكنّ تقارير صحفية تشير إلى احتضان تونس عشرات المخيمات التي تستخدم في تدريب المسلحين لإرسالهم للقتال في مناطق الصراع.

الهجوم الإرهابي على متحف «باردو» وسط العاصمة التونسية، والذي أسفر عن مقتل حوالي 24 شخصًا وإصابة 50 آخرين، أدخل تونس مرحلة جديدة من الصراع، بدأت في أعقابه السلطات الأمنية ملاحقة مجموعات مسلحة متحصنة في جبال الشعانبي بمحافظة القصرين.

وتكشف الأجهزة الأمنية التونسية في بيانات رسميّة عن تفكيك «خلايا إرهابية» بمناطق متفرقة بأنحاء البلاد، قالت إنها تخطط لتنفيذ عمليات عدائية واغتيالات سياسية، لكن على الجانب الآخر تشير تقارير صحفية وإعلامية إلى وجود معسكرات لتدريب المسلحين في تونس، وأن مسؤولي تلك المعسكرات يقومون بتدريب الإرهابيين الراغبين بالانضمام إلى تنظيمات إرهابية تقاتل في سورية والعراق.

وذكرت صحيفة «الخبر» الجزائرية أن المشرفين على تلك المراكز التدريبية قدموا من ليبيا إلى تونس بغرض تدريب المسلحين وإرسالهم إلى سورية، لافتة إلى أنه تم رصد ثلاثة مراكز تدريب لجماعات مسلحة في منطقة جندوبة بتونس.

المخيمات.. «مفرخة المسلحين»
التصريحات السابقة أكدها الناطق باسم وزارة الدفاع التونسية، بلحسن الوسلاتي، مشيرًا إلى أن «الوحدات العسكرية اكتشفت 61 مخيمًا كبيرًا لمجموعات إرهابية» في المرتفعات الغربية الممتدة على محافظات الكاف وجندوبة والقصرين المحاذية للحدود التونسية الجزائرية غرب البلاد.

وأشارت تقارير أمنية إلى أن تلك المخيمات التي تستخدمها مجموعات مسلحة موالية لتنظيم القاعدة تشمل 21 مخيمًا في جبل «الشعانبي» و10 مخيمات في جبل «السلوم» بمحافظة القصرين، و13 مخيمًا في جبل ورغة بمحافظة الكاف، وثلاثة مخيمات في جبال جندوبة.

وأظهرت الأيام الماضية قدرة التنظيمات المسلحة في تونس على إعادة ترتيب صفوفها، حيث لم تتأثر أكبر جماعة مسلحة وهي «كتيبة عقبة بن نافع» بمقتل قائدها الجزائري لقمان أبوصخر، حيث تولي خلفه التونسي مراد الغرسلي الذي نجح في التسلل من ولاية قفصة نحو جبل الشعانبي من ولاية القصرين. والغرسلي من أهم المطلوبين لدى الأجهزة الأمنية التونسية.

وكتيبة عقبة بن نافع مجموعة جهادية مسلحة تتحصن منذ نهاية 2012 بجبل الشعانبي من ولاية القصرين «وسط غرب» على الحدود بين تونس والجزائر. وتقول السلطات التونسية إن هذه المجموعة مسؤولة عن الهجوم الذي استهدف متحف باردو في 18 مارس.

«القاعدة» حاضرة و«داعش» في الطريق
وتبايع أكبر التنظيمات المسلحة في تونس تنظيم القاعدة، الذي يعتبر الأكثر انتشارًا، وتبنى الهجوم الأخير على متحف باردو، فضلاً عن توسيع قاعدة انتشاره في بلدان مجاورة، لكنَّ تقريرًا على موقع «ديلي بيست» الأميركي حذر من وجود مؤشرات متزايدة تؤكد مساعي تنظيم «داعش» لبسط نفوذه في دولة أفريقية، في إشارة إلى مهد ثورات الربيع العربي.

وبث تنظيم «داعش»، في وقت سابق، أشرطة فيديو تظهر مقاتلي التنظيم وهم يسخرون من حملة السياحة التونسية التي انطلقت بعد عملية باردو الأخيرة في 18 مارس، فضلاً عن نشره رسائل على موقع «تويتر» يُعلن فيها قدومه إلى تونس في الصيف المقبل.

السبسي يطلب المساعدة
تزايد التهديد الأمني لتونس دفع الرئيس الباجي قائد السبسي لطلب مساعدة إقليمية ودولية لمواجهة الإرهاب، لافتًا إلى أن «بلاده غير قادرة وحدها على مواجهة خطر الإرهاب الذي يتربص بها وبكل دول المنطقة».

وأرجع السبسي في تصريحات سابقة انتشار الجماعات المسلحة إلى الجوار الليبي المفتوح، لافتًا إلى أن الحدود بين الدولتين غير مؤمنة بالشكل الكافي؛ نظرًا للنقص الواضح في بعض التجهيزات العسكرية والأمنية التونسية والتي لم تتمكن الدولة من اقتنائها بسبب ضعف الإمكانات المتاحة لها في مقاومة الإرهاب.

اختبار الوحدة الوطنية
التحدي الأهم الذي يختبر صمود التونسيين يتمثل في قدرتهم على الالتفاف حول أهداف ووسائل متقاربة لمواجهة خطر الإرهاب، والبعد عن التنافر والتشاحن الذي بدا يدب في صفوف القوى السياسية ومكونات المجتمع التونسي، وهو ما دفع بالرئيس السبسي التأكيد على أن مواجهة الإرهاب ليست أمنية فقط بقدر احتياجها لترابط مجتمعي.

المزيد من بوابة الوسط