«التيار الجهادي» في مهد الربيع العربي

جاء اقتحام متحف باردو الواقع داخل حرم البرلمان التونسي الخاضع لحراسة مشددة دليلاً داميًا على أن المتطرفين الإسلاميين بدأوا يتجهون إلى شمال أفريقيا كجبهة جديدة تتجاوز ساحات القتال الرئيسية في العراق وسورية.

وكان جهاديون ليبيون وتونسيون قد انضموا لصفوف تنظيم «داعش» وغيره من الجماعات المتشددة المسلحة في سورية والعراق.

وتحول اتجاه هذا التيار للناحية العكسية فبدأ المقاتلون من شمال أفريقيا يعودون لبلادهم ويستهدفونها بعد أن اكتسبوا خبرة عسكرية كبيرة.

مثّلت تونس على مدار أربعة سنوات نموذجًا للتقدم في موجة الربيع العربي لكنها تحولت أخيرًا إلى جزء من ساحة الجهاد العالمية

ففي ليبيا حيث الصراع من أجل السيطرة على البلاد وتنتشر الجماعات المسلحة وتفرض نفوذها في الشوارع أقام متشددون عائدون من سورية تربطهم صلات بتنظيم «داعش» موقعًا جديدًا لهم.

وتعتقد واشنطن أن 3000 مقاتل موالٍ لـ«داعش» يقاتلون في ليبيا من بينهم 300 عائدون من سورية والعراق.

ومنذ بداية هذا العام قام مقاتلون في ليبيا موالون لتنظيم داعش بذبح 21 من أقباط مصر واقتحموا فندقًا في طرابلس بحثا عن أجانب لقتلهم وهاجموا ثلاثة حقول نفطية واختطفوا عشرة من الأجانب العاملين في صناعة النفط.

وحتى الآن كان الهدوء يسود تونس التي انطلقت منها شرارة احتجاجات الربيع العربي التي اجتاحت المنطقة في نهاية عام 2010 وبداية 2011 وبعد مرور أربع سنوات كانت تونس قصة النجاح الوحيدة في ذلك التيار.

ومنذ أطاحت انتفاضة شعبية بالرئيس زين العابدين بن علي تمتعت تونس بإجراء انتخابات حرة ووضعت دستورًا جديدًا وشهدت الساحة السياسية فيها توافقًا دون الاضطرابات العنيفة والحروب التي شهدتها مصر وليبيا وسورية واليمن.

مصدر للمقاتلين
ورغم أن تلك الانتفاضة لم تشهد معارضة مسلحة تذكر في الداخل فقد أصبحت تونس مصدرًا كبيرًا للمقاتلين إلى الحروب في دول أخرى. فقد سافر أكثر من3000 تونسي للقتال في سورية والعراق وتقدر الحكومة أن حوالي 500
منهم عادوا إلى الوطن.

وقال رفيق الشلي وهو من كبار المسؤولين في وزارة الداخلية «ثمة كثير من التونسيين مع تنظيم داعش في سورية والعراق لكن يوجد أعضاء تونسيون في داعش عائدون إلى هنا أيضًا»

وقال خليفة الركيبي المحلل الأمني الجزائري إن هجمات مثل عملية متحف باردو منخفضة التكلفة وسهلة من الناحية اللوجستية بالنسبة للمقاتلين المدفوعين بالانتماء لداعش أو القاعدة رغبة في إنزال أقصى الخسائر بخصومهم ونشر الفكر المتطرف.

بعد إطاحة الرئيس زين العابدين بن علي شهدت الساحة السياسية في تونس توافقًا دون الاضطرابات العنيفة والحروب التي شهدتها مصر وليبيا وسورية واليمن.

وأضاف «وهذا سيحفز جماعات أخرى لتقليد الهجوم أو زيادة التجنيد سواء لداعش أو القاعدة... الإرهاب يزداد احترافية والخطر يتزايد».

وقد انجذب متشددون في شمال آسيا إلى أهداف اقتصادية مثل حقول النفط في ليبيا ومجمع أميناس للغاز في الجزائر حيث قتل 40 من عمال النفط قبل عامين في هجوم شنه مقاتلون أجانب.

وتونس لا تملك ثروة من النفط والغاز لكن قتل الزوار الأجانب يضر بالسياحة المحرك الرئيسي لاقتصادها.

وقال أندرو ليبوفيتش خبير الأمن بشمال أفريقيا في نيويورك إن ما حدث في تونس «قد يكون بداية لاستهداف المدنيين من جديد في المنطقة. وقد يدفع أيضًا الجماعات ذات الصلة بالقاعدة - التي تستهدف منذ فترة أهدافا سياسية وعسكرية إلى حد كبير - لشن هجمات أكثر صراحة على المدنيين»، بحسب رويترز.

وليس من الواضح حتى الآن إن كان المهاجمان اللذان نفذا عملية متحف باردو من أنصار أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم داعش الذين لا توجههم المجموعة توجيهًا مباشرًا.

وكانت إعلانات المسؤولية عن الهجوم غامضة. وقد وصف تنظيم داعش المهاجمين بأنهما من «الفوارس» ونشر موقع إعلامي على وسائل التواصل الاجتماعي يرتبط بتنظيم القاعدة تفاصيل أيضًا عن الهجوم.

وقد خرج تنظيم داعش من عباءة القاعدة وهو يشاركها نفس الآراء. وبعد الاستيلاء على مدينة الموصل في شمال العراق العام الماضي أعلن البغدادي نفسه خليفة على المسلمين.

وبايعت بعض الجماعات المتشددة التي كانت تقف في صف القاعدة دولة الخلافة لكن القيادة المركزية للتنظيم ظلت تعارض «داعش».

وانحاز المتشددون في تونس في الأساس لجماعة «أنصار الشريعة» التي تتهمها واشنطن بالمسؤولية عن هجوم عام 2012 على بعثتها الدبلوماسية في بنغازي بشرق ليبيا ومقاتلي جماعة عقبة بن نافع الذين يعملون في جبل الشعانبي على امتداد الحدود الجزائرية.

وقال مصدر أمني تونسي إن العديد من المتشددين المحليين من جماعة «أنصار الشريعة» يتبنون رفع راية «داعش».

ولقي أحمد الرويسي أحد قادة أنصار الشريعة مصرعه قبل أسبوع في اشتباكات خاضها باسم تنظيم داعش في ليبيا.

غير أن مصدرًا أمنيًّا تونسيًّا آخر قال إن المؤشرات الأولية تظهر أن مسلحي باردو كانا أكثر ارتباطًا بجماعة عقبة بن نافع المعروفة بصلاتها بمقاتلين من الجزائر ومالي أكثر منها بصلاتها بالحرب البعيدة الدائرة في سورية والعراق.

وأضاف المصدر أنه لا يوجد هيكل تنظيمي لـ«داعش» في تونس بل أشخاص يجذبهم فكرها العقائدي.

وفي العام الماضي أصبحت جماعة القاعدة الفرعية في الجزائر (جنود الخلافة) واحدة من أولى الجماعات في شمال أفريقيا التي تبايع داعش. وذبحت الجماعة سائحًا فرنسيا غير أن الجيش الجزائري الذي اكتسب خبرة في سنوات الحرب الأهلية في التسعينات طارد أعضاءها وقتل زعيمها وآخرين.

وظل بعض قادة المتشددين في شمال أفريقيا على الهامش. وفي العام الماضي حث أبو عياض زعم جماعة أنصار الشريعة في تونس الذي اكتسب خبرة من القتال في أفغانستان المقاتلين على تنحية خلافاتهم. ومن المعتقد
أنه يختبيء الآن في جنوب ليبيا.

وشنّت جماعة «الموقعون بالدماء» التي يتزعمها المتشدد الجزائري مختار بلمختار هجوم مجمع أميناس للغاز. وقد ترك بلمختار موقفه غامضًا بشأن داعش.

وأعلنت جماعته مسؤوليتها عن هجوم في وقت سابق من الشهر الجاري على مطعم في باماكو عاصمة مالي لقي فيه غربيان وثلاثة ماليين مصرعهم رميًا بالرصاص.

المزيد من بوابة الوسط