السودان: استعراض قوة للمطالبين بحكم مدني في مواجهة أنصار الجيش

سودانيون معتصمون للمطالبة بتولي العسكريين السلطة وحدهم في البلاد.(أ ف ب)

تظاهر عشرات الآلاف من أنصار الحكم المدني في السودان الخميس في شوارع الخرطوم حيث يعتصم منذ ستة أيام مؤيدون لـ«حكومة عسكرية» يقولون إنها وحدها قادرة على إخراج البلاد من أزمتين اقتصادية وسياسية متفاقمتين، وفقًا لوكالة «فرانس برس»، وفي استعراض قوة في مواجهة المؤيدين لحكومة عسكرية، هتف المتظاهرون في الخرطوم «الشعب اختار المدنية»، بينما يواصل أنصار العسكر اعتصامهم أمام القصر الجمهوري في وسط العاصمة السودانية منذ السبت الماضي.

ولتجنب الصدامات، تحاشى أنصار القوى المدنية الاقتراب من خيام المعتصمين التي نصبت أمام مقر المجلس السيادي الذي يترأسه الفريق أول عبد الفتاح البرهان والذي يعقد اجتماعاته في القصر الجمهوري، وجرت المسيرات في هدوء في غالبية أنحاء البلاد. ووقع حادث واحد في أم درمان، العاصمة التوأم للخرطوم، عندما أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع على مسيرة كانت تقترب من مقرّ البرلمان، مما أدى إلى إصابة 40 شخصا بعضهم بجروح والبعض الآخر بحالات اختناق، وفق «لجنة أطباء السودان المركزية» القريبة من المتظاهرين.

متظاهرون مؤيدون للجيش وآخرون للمدنيين
وأعلنت اللجنة في بيان نشرته في صفحتها على فيسبوك أن «القوات النظامية استخدمت القوة والرصاص والغاز المسيّل للدموع ضدّ الأبرياء ما أدى إلى حدوث إصابات متفاوتة»، وكانت الشرطة فرّقت بالوسيلة نفسها الإثنين متظاهرين مؤيدين للجيش عند أبواب مقرّ الحكومة، وعقب أداء الصلاة، نزل متظاهرون في مدن سودانية أخرى لتأييد نقل السلطة إلى المدنيين، منها بورتسودان شرق البلاد حيث يوجد ايضا اعتصام مناهض للحكومة، وفي عطبرة شمال السوادان  وفي إقليم دارفور، وفي نيالا جنوب البلاد، وغيرها.

والخميس أشاد رئيس الوزراء السوداني، عبدالله حمدوك، بالتظاهرات المطالبة بالتحول الديمقراطي وبالحكم المدني، وقال حمدوك: «لقد أثبت وجدّد الشعب السوداني اليوم تمسكه بالسلمية، والتزامه بالسير في درب الحرية والديموقراطية والتحول المدني الديمقراطي، ولقد أسمعت الجماهير صوتها وأوصلت رسالتها بأن لا تراجع عن أهداف الثورة، ولا مجال للردّة عنها»، وفق ما نقلت عنه وكالة الأنباء السودانية الرسمية «سونا».

ورفع مئات الشباب منهم أعلام السودان هاتفين «مدنية .. خيار الشعب»، و«ثوار.. أحرار.. حنكمل المشوار»، كما رفعوا شعار «الردة مستحيلة»، في إشارة إلى رفضهم العودة إلى الحكم العسكري أو النظام الإسلامي الذي حكم السودان على مدى ثلاثين عاما بقيادة عمر البشير الذي أطيح به تحت ضغط انتفاضة شعبية عارمة في أبريل 2019.

ونظم عشرات من الصحفيين مسيرة رافعين لافتات كُتب عليها «السلطة للشعب»، وارتفعت شعارات مناهضة لعبد الفتاح البرهان وسط أنصار الحكم المدني. وهتف المتظاهرون «سلّم سلّم يا برهان»، وكان البرهان أكد مساء الأربعاء حرص القوات المسلحة والمكوّن المدني على «إنجاح الفترة الانتقالية وصولا إلى حكومة مدنية منتخبة تلبي تطلعات الشعب السوداني»، وشدد على «الشراكة بين المكونين المدني والعسكري».

الجيش يغلق كل الطرق المحيطة بمقر قيادته
وأعلنت وزارة التربية والتعليم أن الخميس يوم عطلة في جميع المدارس «حرصا على سلامة» التلاميذ والطلاب، وأغلقت العديد من المحلات التجارية أبوابها، وانتشرت الشرطة لحماية المباني الحكومية، فيما أغلق الجيش كل الطرق المحيطة بمقر قيادته في وسط الخرطوم بوضع حواجز إسمنتية ونشر جنود، وسار مؤيدو الجيش من جهتهم على أحد الجسور في الخرطوم وهم يرفعون لافتات تحمل صور حمدوك مع إشارة «X »عليها، في إشارة إلى مطلبهم حل حكومته.

وقال حماد عبد الرحمن ذو السبعة وثلاثين عاما الذي يشارك في اعتصام المؤيدين لحكومة عسكرية وقد ارتدى زيا سودانيا تقليديا هو عبارة عن جلباب أبيض مع عمامة على رأسه: «الناس الذين سيتظاهرون حقّهم أن يعبروا، لكننا نؤمن بأننا في الموقف الصحيح».

وأطاح الجيش في العام 2019 نظام عمر البشير الذي حكم السودان لأكثر من ثلاثين عاما بقبضة من حديد، بعد انتفاضة شعبية عارمة استمرت شهورا، وتسلّم السلطة. لكن الاحتجاجات الشعبية استمرت مطالبة بسلطة مدنية وقد تخللتها اضطرابات وفض اعتصام بالقوة سقط خلاله قتلى وجرحى.

في أغسطس 2019، وقّع العسكريون والمدنيون (ائتلاف قوى الحرية والتغيير) الذين كانوا يقودون الحركة الاحتجاجية، اتفاقًا لتقاسم السلطة نصّ على فترة انتقالية من ثلاث سنوات تم تمديدها لاحقا. وبموجب الاتفاق، تم تشكيل سلطة تنفيذية من الطرفين، على أن يتم تسليم الحكم لسلطة مدنية إثر انتخابات حرة في نهاية المرحلة الانتقالية.

ومساء، دعا تجمع المهنيين السودانيين الذي لعب دورا محوريا في الانتفاضة على عمر البشير، الى أن تكون تظاهرات الخميس «المليونية صافرة النهاية وسقوط شراكة الدم وسلطتها البغيضة»، مؤكدا أن «لا تراجع عن الشوارع حتى تسليم السلطة»، وكان الناطق باسم «قوى الحرية والتغيير» جعفر حسن قال لـ«فرانس برس» إن الهدف من التظاهرات هو «تسليم رئاسة المجلس السيادي الى المدنيين».

وشهدت الخرطوم في الأيام الأخيرة حراكا دبلوماسيا مكثفا. فقد وصلت إلى الخرطوم قبل يومين وزيرة الشؤون الأفريقية في وزارة الخارجية البريطانية فيكي فورد، والتقى نائب المبعوث الأميركي للقرن الأفريقي بيتون نوف عددا من المسؤولين تمهيدا لزيارة المبعوث جيفري فيلتمان إلى الخرطوم نهاية الأسبوع.

ونقلت وكالة الأنباء السودانية الرسمية «سونا» عن نوف قوله الأربعاء إن واشنطن «كصديقة للانتقال إلى الحكم الديمقراطي المدني الكامل ستبذل جهدها للمساعدة في تجاوز الأزمة الراهنة، وذلك بفعل كل ما بوسعها لحل الخلافات بين الأطراف المختلفة».

المزيد من بوابة الوسط