الإهمال يغتال دار «الكسوة الشريفة»

في مثل هذه الأيام من كل عام كانت القاهرة تشهد أعظم احتفال منذ عهد سيدنا عمر بن الخطاب وحتى العام 1964م، وهو احتفال المصريين بخروج كسوة الكعبة الشريفة من دار الكسوة بحي الجمالية بالقاهرة إلى الكعبة المشرفة بمكة المكرمة.

ومنذ العام 1816م أطلق المصريون اسم «العتبة الخضرا» على منطقة وسط القاهرة الفاطمية، لأنها كانت ومازالت تضم عتبة دار الكسوة الشريفة أو دار المحمل التي كانت تصنع بها كسوة الكعبة الشريفة، وكان هذا الميدان يشهد سنويًا احتفالات الشعب المصري وملك مصر بخروج الكسوة الخضراء للكعبة الشريفة متجهة إلى الأراضي المقدسة.

وظل هذا الشرف حكرًا على مصر حتى العام 1964 عندما حدث نزاع بين مصر والمملكة العربية السعودية فقررت حرمان مصر من شرف الكسوة الشريفة.

المؤسف والغريب أن وزارة الأوقاف المصرية، التي كانت تشرف على دار الكسوة الشريفة، قرّرت إغلاق الدار نهائيًا وتحويلها إلى مخزن للروبابيكيا ومخلفات الوزارة، وقامت بنقل الشيخ كامل أصيل آخر فنان مصري شارك في صناعة الكسوة الشريفة العام 1964 إلى معهد الأيتام أمام سجن طره لتنتهي به دار الكسوة نهائيًا من ذاكرة التاريخ المصري.

يقول الدكتور السيد عبدالحليم أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية إن مصر نالت شرف صناعة الكسوة الشريفة منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين عندما كلف والي مصر وقتها بصناعة الكسوة الشريفة؛ حيث كانت مكة تمر بعام قحط، لم تمكن الحجاز من صناعة الكسوة، فضلاً عن شهرة المصريين في صناعة الغزل والنسيج.

وقد تولي سيدنا عمرو بن العاص الإشراف بنفسه على أول كسوة للكعبة الشريفة؛ حيث تم غزلها وإعدادها بضاحية الفيوم التي كانت تشتهر وقتها بأخطر أنواع القطن المصري وهو «قطن القباطي»

وقد تولي سيدنا عمرو بن العاص الإشراف بنفسه على أول كسوة للكعبة الشريفة؛ حيث تم غزلها وإعدادها بضاحية الفيوم التي كانت تشتهر وقتها بأخطر أنواع القطن المصري وهو «قطن القباطي»، وفي العام التالي أسند سيدنا عمرو بن العاص مهمة صناعة الكسوة الشريفة إلى والي قوص «قنا» بصعيد مصر، ثم انتقلت إلى محافظة الشرقية ومدن الدلتا حتى انتهى بها المطاف بمدينة الفسطاط وتحديدًا في زمن الدولة الأيوبية في عهد السلطان ركن الدين «بيبرس البندقداري» ملك مصر سنة 670هـ الذي قرر إنشاء دار متخصصة لصناعة كسوة الكعبة الشريفة تكون لها إدارات وأقسام وفروع مثل قسم الغزل وقسم النسج وقسم التطريز وقسم الزخرفة وغيرها من الأقسام اللازمة لصناعة الكسوة الشريفة حتى تحولت الدار إلى مدرسة فنية لصناعة الكسوة، وخصص للكسوة مراسم ملكية وطقوسًا دينية عند خروجها من مصر وإرسالها إلى الأراضي المقدسة مع قافلة الحجاج على هودج يتقدم القافلة يُعرف باسم «المحمل».

ومن مكانة الكسوة الشريفة وقدسيتها عند المصريين عين ملوك مصر لها أميرًا يسمى «أمير المحمل»، يكون من كبار وأعيان الدولة، ويُعهد إليه بقيادة قافلة الحجاج إلى مكة، وتأمين عودتها وتوفير الحراسة الكافية لها والإشراف على تجهيزها، وتجهيز أموال الصرة الشريفة التي كانت يتم تجميعها من مصر بدار الكسوة الشريفة لتوزع على أهل الحرمين من أئمة المساجد وفقراء المسلمين في مكة والمدينة.

وأضاف الدكتور عبدالحليم السيد: «كان للمحمل مظاهر احتفالية جميلة، أبرزُها الاحتفال بكسوة الكعبة، وهو الاحتفال الذي كان يسبق سفر المحمل إلى الأراضي المقدسة، حيث يُقام حفلٌ رسمي كبير في حي الخرنفش أمام مسجد القاضي عبدالباسط، قاضي قضاة مصر ووزير الخزانة العامة والمشرف على صناعة الكسوة الشريفة، ثم تخرج الكسوة في احتفال شعبي بهيج ويخرج وراءها جموع الشعب المصري إلى ميدان العتبة الذي أطلق عليه ميدان العتبة الخضراء نسبة إلى كسوة الكعبة الخضراء في بدايتها ثم ينتقل بعد ذلك إلي ميدان الرميلة بالقرب من القلعة، وفي هذا الميدان يتسلم والي مصر، بحضور أعيان مصر وولاة المدائن والصعيد، الكسوة الجديدة من أمير دار الكسوة لتبدأ رحلة الانتقال إلى الأراضي المقدسة».

وأشار عبدالحليم إلى أن الكسوة كانت تضم سجادة الكعبة الشريفة التي تُزيَن بها الكعبة، وكسوة المقام الإبراهيمي، وستارة باب التوبة. ثم يتحرك الجميع في موكب رسمي كبير يتقدمه أمير المحمل وخلفه الموكب الملكي الذي يحمل الكسوة، وقد نقشت على قماش الهودج آيات قرآنية ورسوم زخرفية مطرزة بخيوط من الحرير الذهبي، فوق أرضية من الحرير الأخضر والأحمر والأسود ويسير خلفها قضاة المذاهب الأربعة، وجميع أئمة المساجد ورؤساء الطوائف والحرف ومشايخ الطرق الصوفية بأعلامهم وبيارقهم الملونة، وجماعات الدراويش، ويطوف الموكب شوارع القاهرة من ميدان الرميلة؛ حيث مكان الاحتفالية، ويتجه إلى مدينة الفسطاط حتى جامع الحاكم بأمر الله بالقرب من باب النصر، ومنه ينطلق موكب الكسوة الشريفة التي كان يحملها نحو 500 جمل.

وأشار عبدالحليم إلى أن تكلفة صناعة الكسوة في عصر الدولة الفاطمية بلغت نحو 120 ألف دينار، وذلك على حد قول المقريزي في كتابه «السلوك».

وأضاف أنه في عهد محمد علي باشا أخذت صناعة المحمل طابعًا جديدًا ومختلفًا؛ حيث أسس محمد علي أول دار متخصصة لصناعة المحمل، وأوقف لها الأراضي والأطيان وعيّن عليها الولاة والأمراء والقصبجية، وأنشأ لها وظائف جديدة غير مسبوقة منها، أمير المحمل وهو بمثابة رئيس بعثة الحج حاليًا، و«ديُودار أمير الحج» الذي يقدم الدواة لأمير الحج عند توقيع الإمضاءات، ورئيس حرس المحمل المسؤول عن حماية القافلة، و«قاضي المحمل» الذي يحكم بين الحجاج في المنازعات التي قد تنشأ بينهم، وأمير «الصرة المشرفة» التي كانت مصر ترسلها لفقراء مكة، و«إمام المحمل» الذي يتولى إمامة الحجاج في الصلاة وشرح مناسك الحج، و«مشرف جمال المحمل» المسؤول عن رعاية الجمال، و«البَيْرَقْدارية» وهم حمَلة الأعلام المميزة للمحمل، و«مشرف التموين للمحمل» الذي يتولى شؤون التموين، و«مشرف المطبخ» المسؤول عن الذبائح وتوزيع مخصصات الطعام، و«مشرف السقاءين» الذي يقوم بتوزيع المياه على الحجاج، و«طبيب المحمل» لعلاج المرضى، و«البيطار» لعلاج الجمال والخيول التي تشارك في موكب المحمل، و«الخباز» لتوزيع الخبز بعد عمله على القائمين على شؤون المحمل، و«مبشر الحاج» المسؤول عن التبليغ قبل عودة المحمل للبلاد عن أحوال الحجاج وما حدث بشأنهم من سرقات أو قطع طريق أو وفاة، ويصل عادةً قبل القافلة بأربعة أيام راكبًا هجينًا سريعًا.

ويقول الشيخ علي طه مدير عام التفتش بوزارة الأوقاف سابقًا: «في زمن الملك فاروق الأول صدر مرسوم ملكي ليحدد طريق مرور موكب المحمل ليخرج من دار الكسوة إلى قصر عابدين مارًا بمنطقة العتبة الخضراء ثم ينطلق المحمل إلى ميناء السويس، ثم إلى (قلعة النخل) وسط سيناء، ثم إلى (العقبة)، ثم إلى (ينبع) ومنها يتجه إلى مكة ليقوم أمير المحمل مع أمير مكة بغسل الكعبة الشريفة وكسائها بالكسوة الجديدة».

الأهالي وسكان حي الجمالية قالوا لـ«بوابة الوسط» إن وزارة الأوقاف أهملت دار الكسوة، بعد أن تولت السعودية شرف صناعتها، وحولت المبنى إلى مخزن لمخلفات الوزارة والعهدة المتهالكة مثل المكاتب والكراسي وسلات القمامة ومخلفات ورش النجارة التابعة للوزارة، حسب قول الحاج خيري عبدالدايم (66 عامًا) من جيران دار الكسوة الشريفة.

وأضاف أن وزارة الأوقاف قامت بردم البئر الأثرية الموجودة بالدار والتي كان يطلق عليها «بئر زمزم» نظرًا لأنها كانت تمتلئ بمياه زمزم طوال العام ليشرب منه العاملون على صناعة الكسوة الشريفة، ويتبركون بمياهه، بل كانت الكسوة تغسل من ماء زمزم الموجود في هذه البئر قبل نقلها إلى الأراضي المقدسة، حيث كان أمراء مصر يخصصون الجمال التي تذهب إلى الحجاز لتعود فقط بمياه زمزم لتوضع في هذه البئر.

المزيد من بوابة الوسط