ضواحي الموصل ملاذ لسكان مدينتها القديمة المدمرة

حي زيونة بالموصل حيث تجري عمليات بناء في الضاحية الجنوبية للمدينة، العراق، 18 يناير 2021 (أ ف ب).

يأمل سعد جرجيس الذي كان يسكن في المدينة القديمة في وسط الموصل في بيع منزله الذي بات مجرد جدران متهاوية، كما أغلب المباني هناك، من أجل شراء بيت جديد في الضواحي حيث انتقل العديد من سكان المدينة تاركين وراءهم أملاكا من الصعب إيجاد من يريد اقتناءها.

في صيف العام 2017، أقيمت احتفالات رسمية لمناسبة «تحرير» الموصل التي كانت تعتبر بمثابة «عاصمة» تنظيم الدولة الإسلامية الذي احتل لأكثر من ثلاث سنوات مساحات واسعة من العراق، لكن أهالي المدينة وجدوا أنفسهم بعد ذلك وسط ركام منازلهم ومحلاتهم، وفق «فرانس برس».

لا إمكانات لإعادة الإعمار في الموصل
وحتى اليوم، لا يملكون إمكانات إعادة الإعمار فلم يجدوا مفراً من جمع كلّ ما لديهم من مال لشراء أراض على أطراف الموصل ومحاولة تشييد منازل هناك. وبين هؤلاء، سعد جرجيس (62 عاما) الذي يسكن اليوم مع زوجته وأطفاله الأربعة في شقة أستأجرها في حي شرق الموصل، على الجانب الآخر من نهر دجلة. ويقول «أحاول منذ أشهر بيع بيتي المدمر كقطعة أرض على الأقل، لكن لا أحد يريد شراءه، لأنه مع كل ما حوله من منازل، مهدم وتفوح منها روائح كريهة تذكر بالموت والدمار».

وتمثل المدينة القديمة حيث تقع منارة الحدباء والجامع الأموي ومنازل وعقارات عتيقة، قلب الموصل وأقدم منطقة فيها، وهي مركز محافظة نينوى المعروفة بـ«أم الربيعين».

أيام صعبة
ويضيف الرجل أنه لم يعد يرغب بالعودة للعيش في المدينة القديمة «عندما أتفقد البيت، تقفز أمامي مشاهد القتل والتفجير والإعدامات التي كان داعش ينفذها» هناك. وتقف هذه الذكريات ومعها الركود الاقتصادي في العراق جراء انخفاض أسعار النفط الذي يمثل المورد الرئيسي لميزانية البلاد، وراء صعوبة عودة الحياة الطبيعية في جميع المدن التي حررت من قبضة الجهاديين.

ويتابع جرجيس بألم واضح «بيتي الذي اشتريته من قبل بستين مليون دينار (حوالي 40 ألف دولار) لا يساوي اليوم حتى ربع هذا المبلغ، وينطبق هذا على جميع المنازل والمحال التجارية في المدينة القديمة». ويؤكد ماهر النقيب، وهو صاحب مكتب لبيع وشراء العقارات، أن «انخفاض أسعار المنازل في المدينة القديمة بنسبة تصل إلى 50% بسبب ما تحمله من ذكريات مؤلمة لدى أهلها (...) دفعهم للتخلي عنها».

ويشير إلى تلقيه طلبات من سكان المدينة القديمة لشراء عقارات سكنية في أحياء بعيدة عن قلب المدينة كانت أقل ثمنا في الماضي، لكن البنى التحتية فيها الآن أصبحت أفضل. ويقول النقيب إن من أسباب الانخفاض الكبير في أسعار عقارات المدينة القديمة، أن «الدولة لم تدفع تعويضات للأهالي ولم تعد الخدمات العامة ولا بناء الجسور» بين جانبي المدينة.

في ظل هذه الظروف، أصبح بيع منازلهم وعقاراتهم، حتى ولو بربع قيمتها، الخيار الوحيد أمام السكان.

وتؤكد سلطات المحافظة أنها قدمت 90 ألف طلب تعويض، بينها حوالي 50 ألفا عن أملاك دمرت وقرابة 40 ألفا عن الضحايا، لكن الحكومة المركزية في بغداد تعاني من ضائقة مادية خانقة، لكن التعويضات لم تشمل سوى 2500 عائلة حتى الآن.

في المقابل، تحولت مناطق زراعية تمتد على أطراف مدينة الموصل التي كانت مركزا تجاريا أساسيا في الشرق الأوسط يسكنها قرابة مليوني نسمة، إلى تجمعات سكنية متفرقة هنا وهناك. وظهرت أحياء بأسماء بينها زيونة والفلاح الثانية والجمعيات، تمر فيها شوارع مغطاة بالإسمنت وتمتد فيها أنابيب مياه شرب وتوجد فيها مكاتب عقارية.

ليست للسكن
ويقول يونس حسون، وهو صاحب مكتب عقارات (56 عاما): «عملية بيع الأرض للسكن سهلة جدا ولا تستغرق سوى ساعة أو ساعتين، فيما يتطلب بيع أو شراء العقارات والأراضي القديمة إجراءات روتينية معقدة ترهق الناس الذين أصبحوا يفضلون المناطق الجديدة».

إلى ذلك، تعد أسعار شراء الأراضي في تلك المناطق مغرية مقارنة بغيرها. ويقول حسون «سعر المتر المربع من الأرض يعتمد على الموقع ويتراوح بين 100 إلى 300 ألف دينار (حوالي 65 إلى 200 دولار)». وشجع كل ذلك على تسارع حركة البناء. ويمكن رؤية شاحنات وآليات تتنقل في المناطق الواقعة عند أطراف الموصل حيث أقيمت مدارس خاصة ومحال تجارية وعيادات طبية خاصة.

ويقول عدي حميد، وهو بائع ملابس مستعملة (42 عاما) اشترى قطعة أرض منذ أكثر من عام وتمكن من بناء منزله عليها «عندما اشتريت الأرض، كانت المنطقة خالية» تماما. ولفت حميد، وهو أب لخمسة أطفال، إلى أن «ثمن مئة متر مربع داخل الموصل يتراوح بين 15 إلى 20 مليون دينار (أقل من 13500 دولار)، بينما في المناطق الجديدة تشتري بهذا المبلغ 200 متر مربع».

وتدعي دائرة بلدية الموصل أن الأراضي الزراعية غير مخصصة للسكن، لكن في العراق حيث ما زال هناك 1,2 مليون نازح، لم يعد أحد يعير اهتماما لهذا الاعتبار. ويؤكد رئيس بلدية الموصل زهير الأعرجي أن «هناك خططا لتوسيع مدينة الموصل (...) ولبناء ضواحي جديدة»، لكنها ما زالت «قيد الدراسة»، رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على طرد الجهاديين من المنطقة.

المزيد من بوابة الوسط