226 جريحا في طرابلس اللبنانية في ثالث ليالي المواجهات بين محتجين والأمن

فتى يحمل العلم اللبناني وسط الدخان الأسود المنبعث من إطارات مشتعلة أحرقها المتظاهرون بمنطقة جل الديب شمال شرق بيروت، 14 يناير 2020. (أ ف ب)

أصيب أكثر من 220 شخصًا بجروح في اشتباكات عنيفة دارت، الأربعاء، لليلة الثالثة على التوالي، في مدينة طرابلس بشمال لبنان بين قوات الأمن ومتظاهرين خرجوا للاحتجاج على القيود الصحيّة والأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمرّ بها البلاد.

وقالت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية إنّ المواجهات أسفرت عن سقوط 226 جريحًا، 66 منهم نقلوا إلى المستشفيات بسبب خطورة إصاباتهم والبقية أسعفتهم ميدانيا طواقم طبية تابعة للصليب الأحمر اللبناني و«جهاز الطوارئ والإغاثة».

وفي تغريدة على «تويتر» قالت قوى الأمن الداخلي إنّ عددًا من عناصرها تعرّضوا لهجوم «بقنابل يدوية حربية وليست صوتية أو مولوتوف، ما أدّى إلى إصابة تسعة عناصر، بينهم ثلاثة ضباط، أحدهم إصابته حرجة».

وأفاد مراسل وكالة «فرانس برس» أنّ المواجهات اندلعت بعد الظهر عندما رمى عشرات الشبّان الحجارة وقنابل المولوتوف والمفرقعات باتّجاه عناصر القوى الأمنية، التي استخدمت الغاز المسيل للدموع بكثافة وخراطيم المياه لتفرقتهم، في مشهد تكرّر في اليومين السابقين. بعدها حاول حشد من المحتجّين الغاضبين اقتحام مبنى السراي، مقرّ محافظ المدينة، بينما تجمّع آخرون في ساحة «النور»، أحد أبرز ميادين الاعتصام خلال الاحتجاجات الضخمة التي شهدها لبنان بطوله وعرضه ضدّ الطبقة الحاكمة في خريف 2019.

سماع دوي رصاص حي رقم موقع التظاهرة
وعند المساء سمع مراسل «فرانس برس» إطلاق أعيرة نارية حيّة مجهولة المصدر في منطقة موقع التظاهرة، بينما أشعل المتظاهرون النار في مدخل مبنى للشرطة.

وقال محمّد (25 عامًا)، المتظاهر الملثّم الذي فقد عمله أخيرًا في تصليح السيارات: «اتخذنا قرارًا بمواصلة تحركاتنا مهما كلّف الثمن (...) لأنّه لم يبق لنا ما نخسره في البلد»، وأضاف: «نحن نعيش في المدينة بظروف بائسة، لم أترك بابًا إلا طرقته لكنّني لم أجد فرصة عمل تؤمّن قوتنا اليومي». بدوره قال محمد عز الدين (20 عامًا)، الذي يعمل في متجر لبيع المنظّفات: «نحن هنا لنطالب بالأكل، الناس جاعوا»، مشيرًا تحديدا إلى الأحياء الشعبية والفقيرة في مدينة طرابلس.

- لبنان: 45 جريحًا حصيلة المواجهات بين محتجين وقوات الأمن
-
مواجهات بين محتجين وقوى أمنية في شمال لبنان تسفر عن إصابات

وبعد ساعات عدة من الاشتباكات، نشرت قوات الأمن الداخلي والجيش اللبناني تعزيزات حول مبنى السراي وفي ساحة النور لتفريق المتظاهرين ومنعهم من اقتحام مقرّ المحافظة. لكنّ المتظاهرين تراجعوا إلى الأزقة المجاورة حيث تحصّنوا لتستمرّ الاشتباكات حتى وقت متأخر من المساء.

وأسفرت مواجهات مشابهة لكن أقلّ حدّة، الثلاثاء، عن إصابة 45 شخصًا، مقارنة بـ30 شخصًا أصيبوا في المواجهات التي دارت يوم الإثنين، وفقاً للصليب الأحمر اللبناني.

وطرابلس، ثاني كبرى مدن لبنان كانت أصلًا إحدى أفقر مدن البلاد حتّى قبل أن يتفشّى فيروس «كورونا المستجدّ»، وتضطر السلطات لفرض تدابير إغلاق عام في محاولة لوقف تفشّي الجائحة، في إجراءات أدّت إلى تدهور الظروف المعيشية في البلاد.

امتداد شرارة الاحتجاجات إلى عديد المدن اللبنانية
ووجد قسم كبير من سكّان المدينة، ولا سيّما منهم العمال المياومون، أنفسهم دون أي مدخول منذ دخلت حيّز التنفيذ إجراءات الإغلاق العام.

وبالإضافة إلى الوضع الصحّي شبه الكارثي، غرق لبنان في أسوأ أزمة اقتصادية منذ نهاية الحرب الأهلية (1975-1990)، إذ انخفضت قيمة عملته إلى مستوى غير مسبوق وتضاعفت معدّلات التضخّم في البلاد واضطرت شركات عديدة إلى القيام بعمليات تسريح جماعية لموظفيها. وبات نصف سكان لبنان الآن يعيشون تحت خط الفقر، في حين أن الطبقة الحاكمة متّهمة بعدم الاكتراث بمشاكلهم.

وبعدما كانت حركة الاحتجاج ضدّ تدابير الإغلاق العام تقتصر على مدينة طرابلس لوحدها، امتدّت شرارة الاحتجاجات يومي الثلاثاء والأربعاء إلى مدن أخرى حيث قطع متظاهرون بعض الطرق.

وفي العاصمة بيروت، أضرم متظاهرون النار في إطارات سيارات أمام جدار يفصل ساحة «رياض الصلح» في وسط المدينة عن مقرّ البرلمان، فيما أغلق آخرون طريق المدينة الرياضية بحاويات القمامة والإطارات المشتعلة، حسب ما ذكرت الوكالة الوطنية للإعلام.

ويشهد لبنان منذ نحو أسبوعين إغلاقًا عامًّا مشدّدًا مع حظر تجول على مدى الساعة يعدّ من بين الأكثر صرامة في العالم، لكنّ الفقر الذي فاقمته أزمة اقتصادية لا تنفكّ تتفاقم يدفع كثيرين إلى عدم الالتزام سعيًا إلى الحفاظ على مصدر رزقهم.

أكثر من نصف سكان طرابلس عند أو تحت خط الفقر
ولا يمنع تشدّد السلطات في تطبيق الإغلاق العام الذي يستمر حتى الثامن من فبراير وتسجل قوات الأمن يوميا آلاف محاضر الضبط بحق مخالفي الإجراءات، كثيرين ولا سيّما في الأحياء الفقيرة والمناطق الشعبية من الخروج لممارسة أعمالهم، خصوصًا في طرابلس حيث كان أكثر من نصف السكان يعيشون منذ سنوات عند أو تحت خط الفقر، وفق الأمم المتحدة، ويرجّح أن تكون النسبة ارتفعت على وقع الانهيار الاقتصادي.

وذكرت وسائل إعلام محليّة أنّ أبًا يعمل سائق أجرة أقدم على ترك طفلته التي تبلغ بالكاد عامين مع أحد ضباط الجيش ليلًا في طرابلس لعدم قدرته على إطعامها. وتولى الصليب الأحمر الكشف عن صحتها قبل أن يصار إلى توقيف الأب ثم تسليمه الطفلة.

ولبنان البالغ عدد سكّانه ستة ملايين نسمة سجّل منذ مطلع العام معدّلات إصابة ووفيات قياسية، بلغت معها غالبية مستشفيات البلاد طاقتها الاستيعابية القصوى. وارتفع عدد الإصابات منذ بدء تفشي الفيروس إلى أكثر من 289 ألفًا و660، بينها 2553 وفاة.

وشهد لبنان حركة احتجاج غير مسبوقة في خريف 2019 ضدّ الطبقة الحاكمة المتّهمة بالفساد وانعدام الكفاءة وعدم الاكتراث. وخفّت حدّة الحركة الاحتجاجية تدريجيا قبل أن تتلاشى تمامًا مع تفشّي «كوفيد-19» وتدابير الإغلاق العام المتتالية التي فرضتها السلطات.
ولا يزال لبنان من دون حكومة منذ أغسطس، بسبب عدم توصل الأحزاب الحاكمة إلى اتفاق، على الرّغم من تعرّضها لضغوط محليّة وإقليمية ودولية قوية.