يهود مغاربة يرفضون التطبيع ويعتبرونه «مؤامرة» عليهم

طائرة إسرائلية تستعد للذهاب مباشرة من «إسرائيل» إلى المغرب. 22 ديسمبر 2020. (الإنترنت)

عندما أعلن الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب، في العاشر من شهر ديسمبر العام الماضي، اتفاق المغرب وحكومة دولة الاحتلال الإسرائيلي على إقامة «علاقات دبلوماسية كاملة»، كانت ردات فعل على هذا الاتفاق شبه طبيعية، حيث قابله ترحيب دبلوماسي وحكومي من مختلف دول العالم ورفضه الكثير من المنظمات العربية والإسلامية والحركات الرافضة التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

المثير هو وجود رفض لجزء من اليهود المغاربة لهذا الاتفاق، واعتبار أن التطبيع مجرد «تبرير لجريمة اقتلاع بعض المغاربة اليهود من أرضهم ليصبحوا بين عشية وضحاها جنوداً صهاينة يدافعون عن احتلال فلسطين»، على حد تعبير الناشط في حركة «بي دي إس» لمقاطعة دولة الاحتلال الإسرائيلي، السيد، سيون أسيدون، وهو مغربي من أصول يهودية، وفقًا لتصريحاته إلى «فرانس برس».

وتقول المغربية اليهودية، فاني ميركي، (76 عاما) «لا يمكن إلا أن نفرح بأي خطوة باتجاه السلام»، مضيفة «على يهود العالم والإسرائيليين الديمقراطيين دعم قيام دولة فلسطينية»، مشيرة إلى أنها هاجرت إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي في سن 16 قبل أن تغادرها بسبب حرب 1967، مضيفة: «لم أتقبّل أن تصبح الدولة اليهودية المثالية التي آمنت بها تحتل أراضي كان يعيش فوقها فلسطينيون».

التطبيع يسهل الرحلات الجوية المباشرة
لسنوات طويلة ظل السفر من المغرب إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي متعبا ومكلفا بالنسبة للمغاربة اليهود الذين يرتبط أغلبهم بأقارب هاجروا إلى هناك بعد تأسيس الدولة العبرية، إذ  يلزم التوقف في إحدى العواصم الأوروبية قصد الحصول على تأشيرة دخول إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي، قبل مواصلة الرحلة.

وتؤكد فاني ميركي، أن «حقائب السفر جاهزة منذ الآن» في بيوت الكثير من المغاربة اليهود استعدادا لزيارة أقاربهم في دولة الاحتلال الإسرائيلي بمجرد بدء الرحلات المباشرة المرتقبة بين البلدين اللذين استأنفا علاقاتهما أخيرا، وتقول فاني مبتهجة وسط متجرها للملابس النسائية في الدار البيضاء «لدي الكثير من الأقارب في إسرائيل بمن فيهم أبناء أخي الذين لم أرهم يكبرون سأكون سعيدة برؤيتهم بعد رحلة تستغرق خمس ساعات فقط»، وتضيف فاني «كانت بيننا اتصالات قليلة، لم يكن الأمر سهلا».

لم يكن الأمر سهلا أيضا بالنسبة لحوالي 50 إلى 70 ألف سائح إسرائيلي، غالبيتهم من أصول مغربية، يزورون المغرب سنويا، لكن تطبيع العلاقات بين المملكة المغربية دولة الاحتلال الإسرائيلي سيختصر الرحلة، وهو يثير «سعادة غامرة لدى غالبية الإسرائيليين من أصول مغربية»، كما يقول رجل الأعمال أفرهام أفيزيمير (69 عاما) من مدينة قيسارية في فلسطين المحتلة، ويضيف أفرهام الذي ولد في الدار البيضاء قبل أن يرحل رفقة عائلته إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي «سيغير الخط المباشر أشياء كثيرة سيمكننا من توفير الوقت والمال».

ولم يعلن بعد عن أي جدول للرحلات أو تاريخ بدئها، ويندرج الخط المرتقب في إطار الاتفاق الثلاثي الذي وقع في 22 ديسمبر العام الماضي، وينص على استئناف العلاقات بين المغرب ودولة الاحتلال الإسرائيلي من جهة واعتراف الولايات المتحدة الأميركية من جهة ثانية بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية التي تطالب جبهة «البوليساريو» مدعومة من الجزائر باستقلالها.

وتحتفظ المغنية سوزان هاروش (67 عاما) بذكريات سيئة عن آخر رحلة لها إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي، حيث اضطرت للانتظار 14 ساعة في أحد مطارات باريس للحصول على تأشيرة. لكنها لن تضطر للقيام بذلك بعد الآن، بفضل «هذه المعجزة التي احتفلنا بها في أجواء عائلية»، وتضيف سوزان التي تحب تقديم فواكه مجففة وحلويات من المطبخ المغربي اليهودي لضيوفها «معظم أفراد عائلتي يعيشون في إسرائيل، سأكون سعيدة برؤيتهم أكثر».

ويقول بروسبير بنسيمون (72 عاما) في بهو كنيس «إمها بانيم» في الدار البيضاء بعد أداء صلاة المساء، إن فكرة زيارة دولة الاحتلال الإسرائيلي تثير أيضا «حماسة أربعة من جيراني المسلمين الذين يؤكدون رغبتهم في مرافقتي في أول رحلة»، ويخيم الهدوء على محيط هذا الكنيس الواقع بين مبان سكنية ويؤدي فيه سكان الحي من اليهود الصلوات الثلاث يوميا، في سكون يخرقه أحيانا الآذان الذي يرتفع من المساجد القريبة.  

وفي منطقة قريبة من الحي الواقع وسط  الدار البيضاء العاصمة الاقتصادية للمملكة، يتابع شبان، أغلبهم إسرائيليون من أصول مغربية، محاضرة يلقيها حاخام مغربي داخل قاعة تزين جدرانها نقوش على الطريقة المغربية في كنيس بيت إيل، ويعوّل هؤلاء أيضا على الرحلات المباشرة لتسهيل تنقلاتهم، كما يقول إيلان (34 عاما) الذي انتقل للعيش في الدار البيضاء منذ نحو عام لمتابعة دروس دينية.

والحدود مغلقة حاليا في المغرب منذ إعلان حال الطوارئ الصحية بسبب جائحة «كوفيد-19» في مارس العام الماضي، والسفر إلى المملكة ومنها مشروط بحيازة فحص سلبي للفيروس.

وشكلت المغرب موطنا لأكبر جالية يهودية في شمال أفريقيا منذ العصور القديمة، وكان يقدّر عددهم بحوالي 250 ألفًا في أواخر أربعينات القرن الماضي، وكانوا يشكلون عشرة بالمئة من السكان. ولم يبق منهم حاليا سوى قرابة ثلاثة آلاف، بينما يقيم 700 ألف يهودي من أصل مغربي في دولة الاحتلال الإسرائيلي.