«فرانس برس»: التحول الديمقراطي في تونس.. ثورة لم تكتمل

تونسيون يحيون ذكرى الثورة. 14 نوفمبر 2016 في تونس.(أ ف ب)

تخلصت تونس من نظام زين العابدين بن علي الديكتاتوري قبل عشر سنوات، لكن لم يجر إصلاح النظام القضائي، ولا الجهاز الأمني، فيما يبقى الاقتصاد الوهن تاريخيا، تحت سيطرة بعض المجموعات، وعندما غادر بن علي البلاد في 14 يناير 2011 بعد تظاهرة ضخمة غير مسبوقة طالبت بإسقاطه، لم يترك السلطة معه إلا عدد قليل من أفراد الأسرة والمستشارين المباشرين.

ورغم أن الشرطة كانت الدعامة الأساسية للنظام، جرى «فصل 54 مسؤولا كبيرا فقط في وزارة الداخلية العام 2011»، ثم مجموعة أخرى في العام 2013، وفق ما توضح علا بن نجمة، نائبة رئيس منظمة الإصلاح الجنائي والأمني التي قادت تحقيقات «العدالة الانتقالية»، وهي عملية فتحت خلالها كل ملفات الديكتاتورية بعد الثورة.

وتضيف بن نجمة: «لم يحاكم الذين فصلوا ولم يعاقبوا، فيما تطورت حياة الآخرين المهنية، ومن بينهم أولئك الملاحقين من العدالة المتخصصة في جرائم ارتكبت في عهد بن علي».

عقب الثورة، أدين بعض الأشخاص الذين مارسوا التعذيب، وحُل جهاز أمن الدولة الذي اعتمد التعذيب في سجون وزارة الداخلية، وأعاد دستور 2014 المشاد به دوليا، تحديد دور الشرطة بوضوح في النظام الديمقراطي.

لكن سهام بنسدرين، الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة، وهي مؤسسة أنشئت بعد الثورة للتحقيق في جرائم حدثت في ظل الحكم الديكتاتوري، تقول إن «شياطين من الماضي عادت للظهور» بعد فترة من الانفتاح.

لقد أحيت آفة الإرهاب الميل إلى اعتماد الأسلوب الأمني وأبطأت الجهود الرامية إلى احترام حقوق المتقاضين، مع ضعف الإشراف على الإجراءات، إضافة إلى حالة الطوارئ المستمرة منذ وقوع سلسلة الهجمات في العام 2015.

نقابات الشرطة في تونس
وأصبحت بعض نقابات الشرطة التي تشكلت بعد العام 2011 أدوات للضغط السياسي مع تدخلات قوية في بعض الأحيان في المحاكم لمنع أي ملاحقات في حق القوى الأمنية، ورغم أن التعذيب لم يعد موجودا في النظام، لم تمح الريح الديمقراطية هذه الممارسة، فمنذ العام 2013، أخذت المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب على عاتقها مسؤولية الدفاع عن 500 ضحية، ودانت «الإفلات شبه الكامل من العقاب» لممارسي التعذيب.

عندما بدأت المحاكم المتخصصة في 2018 محاكمة جرائم القتل والاغتصاب والتعذيب التي ارتكبت بين العامين 1955 و2013، عرقلت السلطات الأمنية العملية ورفض عناصر الشرطة الشهود أو المتهمون جميعهم تقريبا المثول أمام هذه المحاكم، وبهدف ضمان عدم تكرار تجاوزات النظام المخلوع، أوصت هيئة الحقيقة والكرامة التي انتهت ولايتها في العام 2018، بإنشاء «هيئة مراقبة للشرطة» وجهاز استخبارات خاضع للرقابة البرلمانية، إلا أن التوصيات بقيت حبرا على ورق.

والأسوأ من ذلك هو أنه بدلا من تحسين تدريب عناصر الشرطة وظروف عملهم، حاولت السلطات مرارا إصدار قانون يمنحهم فرصة أكبر للإفلات من العقاب لدى استخدامهم العنف. لكنها اضطرت للتخلي عنه في ظل رفض المجتمع المدني له، ويرى الخبير في الشؤون السياسية سليم خراط أن «الأمر يتطلب شجاعة سياسية تكاد تكون انتحارية» لإصلاح  قطاعي الشرطة والقضاء اللذين لديهما روابط سياسية عميقة، داخل الجسم القضائي الذي تم استغلاله إلى حد كبير لخدمة مصالح النظام المخلوع، فُصل أبرز القضاة الذين كانوا يعملون في عهد بن علي، لكن لم يحصل أي شيء لمحاسبة القضاة الفاسدين.

وأوصت هيئة الحقيقة والكرامة في تقريرها النهائي العام 2019، بتعزيز استقلالية القضاة والمحاكم الإدارية، لكن هذه المرة أيضا لم تنفذ توصياتها، وفي هذه الديمقراطية التي ينظر إليها على أنها النجاح الوحيد للربيع العربي، مع دستور جديد وانتخابات حرة وحرية تعبير، تكمن الورشة الكبرى التي لا يزال مطلوبا القيام بها، في الإصلاح الاقتصادي، ويوضح سليم خراط بالقول: «جعلنا الحقوق المدنية والسياسية أولوية، لكننا أهملنا الحقوق الاقتصادية والبيئية».

ويشير بارتياح الى أن عنصرا أساسيا في المشكلة يتمثل بـ«رأسمالية المحسوبيات» التي تنتهجها الدولة «وتكتلات عائلية تسيطر» على أجزاء من الاقتصاد، أصبح جزءا من النقاش العام منذ سنتين، وخلال عهد بن علي، تضخم هذا النوع من الاقتصاد الزبائني الذي ولد خلال الاستعمار، وكان بموجبه يتم منح امتيازات الاستثمار لعائلة معينة، هي عائلة الرئيس الأسبق. ولا يزال هذا الاقتصاد حكرا إلى حد بعيد على المقربين من دوائر الحكم، على حساب تنمية البلاد.

ومن الأمثلة على ذلك، أن «الدولة تفرض على شركات النقل البري أن تكون لديها إما شاحنة واحدة أو أكثر من 18 شاحنة، ما يضمن للاعبين الكبار الموجودين تشارك السوق من دون منافسة»، وفق ما يقول لؤي الشابي، رئيس منظمة «أليرت» غير الحكومية التي أنشئت أخيرا لمكافحة هذه الآفة.

كذلك، هناك وكيل حصري لاستيراد كل نوع من أنواع السيارات، ما يضمن عائدات دسمة لمجموعة تجارية كان يملكها لوقت طويل أحد أصهار بن علي، واشترتها لاحقا عائلة مقتدرة.

وفي دليل على أن سقوط النظام لم يضع حدا للممارسات والعادات السيئة، ارتفع حجم الفساد منذ سقوط بن علي: فقد خسرت تونس 15 مرتبة بين العامين 2010 و2017 في ترتيب منظمة «ترانسبرانسي» للشفافية، وتعقد الحيازات المتقاطعة لعدد من التكتلات والدولة للمصارف عملية الوصول إلى الاقتراض بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا ينتمون إلى الشبكات الموجودة.

وأبعد فرض وجود رأس مال إلزامي لا يقل عن خمسة ملايين دينار «1.5 مليون يورو»، الشركات الناشئة التي كانت أطلقت أنظمة الدفع عبر الهواتف الذكية، علما بأن قيمة رأس المال هذه أعلى من المبالغ المعتمدة في دول أخرى، وكان هذا الإجراء لصالح اللاعبين المتمرسين، وفق الشابي.

ونظام التراخيص هذا موجود من أعلى المنظومة حتى أسفلها، ما يرسخ المحسوبية التي تستبعد قطاعات كاملة من المجتمع، ومع ذلك، فإن الركود الاجتماعي «التضخم وارتفاع معدلات البطالة» الذي زادته حدة التداعيات المدمرة لوباء «كوفيد-19» يقوّض الديمقراطية، حتى إنه يغذي الحنين إلى النظام القديم الذي كان يعنى بصورته على أنه حقق نجاحا اقتصاديا، وحذّر رضوان أرغيز من مركز «جسور» للدراسات من أن هذا السياق ينطوي على خطر «التشكيك في كل ما حققناه على المستوى السياسي».

المزيد من بوابة الوسط