من المخيمات إلى المجهول.. العراق يعيد نازحي الحرب مع«داعش» إلى مناطقهم

طعمة العويسي يحمل طفله الرضيع أمام خيمته في مخيم في مدينة بلد العراقية في صورة بتاريخ الثالث من ديسمبر 2020. (رويترز)

أمهلت السلطات العراقية في الشهر الماضي عائلات النازحين، الذين فروا من الحرب مع تنظيم «داعش»، 48 ساعة فقط لحزم أمتعتها ومغادرة مخيم الإسحاقي قبل إغلاقه.بعد انقضاء المهلة، وصلت شاحنات صغيرة وعربات عسكرية لإعادة حوالي 200 شخص إلى مسقط رأسهم.

لم يكن طعمة العويسي يرغب في الرحيل هو وآخرون غيره ممن عاشوا لسنوات بالمخيمات، لكنهم يقولون إنهم أُرغموا على ذلك. عادوا وفي انتظارهم مستقبل غامض، ومدن محطمة بلا خدمات، تحت حصار فصائل مسلحة تنظر للعائدين بعين الريبة، لا لشيء سوى أنهم ظلوا على قيد الحياة في ظل سيطرة تنظيم «داعش».

وفر مئات الآلاف خلال سنوات الصراع الذي بدأ في شمال العراق عام 2014 عندما استولى التنظيم على مناطق شاسعة وفرض حكمه الذي انتهى عام 2017 بالهزيمة على يد قوات عراقية مدعومة بنيران سلاح الجو الأميركي. وتحولت المدن والبلدات والقرى إلى أطلال بما فيها الموصل، التي أعلنها التنظيم عاصمة لدولة خلافة.

يعيش العويسي الآن خارج محطة مهجورة للسكك الحديدية في بلد، على بعد 90 كيلومترا شمالي بغداد. يقع منزله على بعد حوالي ثلاثة كيلومترات، لكنه لا يجرؤ على عبور نقاط التفتيش التي تحرسها الفصائل المسلحة للوصول إليه.

الكاظمي يلاحق الجناة
وينحي سكان محليون باللائمة على فصائل شيعية مسلحة تهيمن على المنطقة ذات الأغلبية السنية في خطف ثمانية رجال وقتلهم في أكتوبر. وقال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي حينها إن حكومته تلاحق الجناة وإن على العراق تجنب «التناحر الطائفي». رغم ذلك تعقد حكومته العزم على إغلاق المخيمات في معظم محافظات العراق بحلول نهاية العام، وهي خطوة تقول جماعات حقوقية إنها قد تؤدي إلى تشريد 100 ألف إنسان، لن يجدوا من يساعدهم.

وتقول وزارة الهجرة إن عمليات الإغلاق تأتي في إطار برنامج للعودة الآمنة والطوعية، لكن منتقدين يقولون إنها تتم بتنسيق ضعيف وسابقة لأوانها لأن الكثير من المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية صارت خرابا، أو تحت سيطرة جماعات معادية للعائدين. والعويسي واحد من حوالي 23000 شخص جرى نقلهم من المخيمات الرسمية التي تتمتع بالخدمات الأساسية إلى مخيمات غير رسمية منذ منتصف أكتوبر تشرين الأول، حسبما تقول وكالة الهجرة التابعة للأمم المتحدة.

وقال لهيب هيجل، وهو كبير محللين في مجموعة الأزمات الدولية، إن الحكومة «تعتمد على طرف آخر للاعتناء بالأمر، وأقصد بذلك المجتمع الدولي». ونفت وزيرة الهجرة إيفان فائق جابرو إرغام أي نازح على العودة من المخيمات. وقالت لـ«رويترز» إن العائدين يحصلون على الدعم والمساعدة.

لكن أكثر من عشرة نازحين في أجزاء من شمال العراق منها بلد والموصل والخازر والقيارة قالوا لـ«رويترز» إنهم لم يحصلوا على أي دعم من الحكومة. وقال العويسي إنه عندما أنزلته الشاحنات هو وحوالي 40 عائلة أخرى في موقع جديد في بلد، كان المكان خاليا من كل شيء. لم يتم تسوية الأرض، ولا إزالة الأنقاض، ولم يكن هناك ماء ولا كهرباء.

ضربت الأسر خيامها وأنشأت مخيما خاصا بها، حسبما قال سبعة جرت مقابلتهم هناك. وصلت مجموعات الإغاثة الدولية فيما بعد وقدمت لهم الطعام والماء. لم يتوافر الصرف الصحي على مدى أسبوعين تقريبا. ولم يكن بمقدور النساء الذهاب إلى المراحيض المقامة في العراء سوى في ساعات الليل تحت ستر الظلام الذي يمنحهن بعض الخصوصية.اشتكت أمهات من إصابة أطفالهن بالأمراض بسبب البرد. فليس لديهم كهرباء لتشغيل أجهزة التدفئة.

مكشوفون ومذعورون
هناك مشاعر عميقة بالريبة والاستياء إزاء من تمكنوا من البقاء على قيد الحياة في ظل تنظيم «داعش»، في مجتمعاتهم وقبائلهم، وبشكل خاص بين الفصائل الشيعية التي ساعدت في إلحاق الهزيمة بالتنظيم، ثم بقت في تلك المناطق. تنفي الفصائل المسلحة أي دور لها في أعمال القتل غير المشروعة. لكن عمار حكمت محسن نائب المحافظ بمحافظة صلاح الدين قال إن مقتل الرجال الثمانية يكشف سبب شعور الناس بالقلق من العودة إلى ديارهم.

قال مهاوش محسن رئيس بلدية بلد إن الحكومة لم تفعل شيئا يذكر للتحضير لعودة السكان. ونفى الناطق باسم وزارة الهجرة أن تكون المناطق التي عاد إليها النازحون غير آمنة، قائلا «الشعور بالأمان هي حالة نفسية». وقال قريب لقتلى حادثة بلد «إحنا هسه هيج وضعيتنا (هذا حالنا الآن) بالعراق -أبو عضلات يعيش (الأقوياء هم الذين يعيشون)».

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط