الجزائريون يصوتون على تعديلات دستورية تتيح للجيش مهام خارج الحدود

ناخب جزائري يصوت في الاستفتاء على التعديلات الدستورية، الأول من نوفمبر 2020 (وكالة الأنباء الجزائرية)

بدأ الجزائريون اليوم الأحد، التصويت على تعديل الدستور، في استفتاء شعبي هو الأول من نوعه منذ 25 عاما، إذ دعي أكثر من 24 مليون مواطن للتصويت في الاقتراع الذي يجرى وسط حالة من القلق حول تطور الوضع الصحي للرئيس عبدالمجيد تبون، وفي خضم جدل السماح لأول مرة في تاريخ البلاد المستقلة للقوات المسلحة القيام بمهمات خارج الحدود، مع استمرار أزمتي ليبيا ومالي.

وتهيمن حالة من الشد والجذب في الشارع الجزائري بين الرفض والتأييد والمقاطعة للاستفتاء على الدستور الذي تقول المعارضة السياسية إنه أعطى صلاحيات ضخمة للرئيس دون أن ينهي الغموض بشأن طبيعة النظام السياسي وتجاهله الضمانات فيما يخص وضع الحريات.

وبغض النظر عن الانقسام السياسي حيال التصويت على تعديل الدستور، فإن السلطات الجزائرية أصدرت تعليمات للتعاطي مع عامل جديد طرأ على أجواء الاستفتاء يتعلق بالوضع الصحي للرئيس تبون الذي يخضع للعلاج في ألمانيا، إذ نبهت وسائل الإعلام المحلية والقنوات التلفزيونية العمومية والمستقلة إلى عدم التركيز على الوضع الصحي للرئيس مع الاقتصار على بيانات الرئاسة من دون استفاضة في الملف، لتفادي أية تحاليل بشأنه عشية الاستفتاء الشعبي.

حالة الرئيس الصحية
وفي آخر بيان صادر عنها، مساء الخميس الماضي، أشارت الرئاسة الجزائرية إلى بدء تلقي تبون العلاج وتفاؤل الأطباء الألمان بحالته، من دون أن تخوض في تفاصيل مرضه، وهو ما أثار قلقا في البلاد حول تطورات وضعه الصحي.

ونشرت الرئاسة اليوم الأحد رسالة لعبدالمجيد تبون، دعا فيها الجزائريين إلى التصويت في خامس استفتاء شعبي حول الدستور، لمناسبة الاحتفال بثورة أول نوفمبر (1954)، وعشية الاستفتاء الشعبي حول الدستور الجديد، مشيراً إلى أنّ هذا الدستور يهدف إلى «التأسيس لعهد جديد يحقق آمال الأمة وتطلعات شعبنا الكريم إلى دولة قوية عصرية وديمقراطية».

مفاجأة في تصويت البدو الرحل
واستبق موعد الاستفتاء العام، تصويت البدو الرحل الخميس الماضي المنتشرين على 9 ولايات جزائرية أغلبها حدودية مع دول ليبيا والنيجر ومالي وموريتانيا، وتقع في الجنوب الجزائري، وهي أدرار، الأغواط، بشار، تمنراست، ورڨلة، إليزي، تندوف، الوادي والنعامة.

وفي السياق ذاته، كشف رئيس السلطة المستقلة لمراقبة الانتخابات بالجزائر، محمد شرفي عن نسبة المشاركة في الاستفتاء على مشروع تعديل الدستور بالنسبة للبدو الرحل، والتي لم تتجاوز 11%.

واعتبرت النسبة مفاجأة للمتابعين، خصوصا وأن كل الاستحقاقات الانتخابية السابقة شهدت نسب إقبال كبيرة للبدو الرحل منذ أول أيام التصويت.

كما واجهت السلطات تحديا بشأن تصويت الجالية بالمهجر، حيث تزامن موعد استفتاء الجزائريين المقيمين في عدد من العواصم خصوصاً الأوروبية مع قرار إعادة الإغلاق الشامل نتيجة عودة تفشي فيروس كورونا، لكن شرفي صرح بأن الجزائر لم تتلق أي طلبات من الدول المعنية بمنع تنقل رعاياها إلى مراكز الاقتراع امتثالاً لقرارات الحجر الصحي الشامل.

وأكد أن بلاده تلتزم وتحترم سيادة الدول في حال اتخذت هذه القرارات، لكنه أشار إلى أن عملية التصويت تجري بشكل عادي.

مواد خلافية
وتضمن مجموع مواد الدستور الجديد 223 مادة، كان بضعها محل خلافات وسط الطبقة السياسية، ومن أبرزها المادة الثانية التي تنص على أنّ الإسلام دين الدولة، والمادة الرابعة التي تنص على «ترسيم اللغة الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية»، والمادة 42 والتي تنص على حرية ممارسة العبادات، والمادة 65 والخاصة بـ«تحييد المدرسة عن التأثير السياسي»، والمادة 110 وهي عن طبيعة تشكيل الحكومة، إضافة للمادة 91 التي تنص على إمكانية خروج الجيش للقتال في الخارج.

وركزت الديباجة الخاصة بمراجعة دستور على سبب تعديله، والذي جاء بعد 20 سنة من حكم الرئيس السابق المخلوع عبدالعزيز بوتفليقة في أبريل 2019 تحت ضغط من احتجاجات غير مسبوقة.

وجاء في الديباجة: «يعبّر الشعب عن حرصه على ترجمة طموحاته في هذا الدستور بإحداث تحولات اجتماعية وسياسية عميقة من أجل بناء جزائر جديدة، طالب بها سلميا الحراك الشعبي الأصيل» الذي بدأ في 22 فبراير 2019.

أما العنصر الجديد في دستور 2020 هو إتاحة لأول مرة في تاريخ الجزائر المستقلة للقوات المسلحة القيام بمهمات خارج الحدود في بلد أصبح الأكبر مساحة في أفريقيا، ومحاط بمناطق نزاع سواء في ليبيا أو بمنطقة الساحل الأفريقي المجاورة.

الجيش خارج حدود الجزائر
وتنص المادة 91 في فقرتها الثانية على أن «يقرر رئيس الجمهورية إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى خارج الوطن بعد مصادقة البرلمان بأغلبية ثلثي أعضاء كل غرفة (مجلس النواب والشيوخ)».

وحدّد الدستور مجالات تدخل الجيش الجزائري خارج حدوده «في إطار احترام مبادئ وأهداف الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، أن تشارك في حفظ السلم».

وبعدما أثار التعديل الجديد نقاشا واسعا حول تغيير العقيدة العسكرية للجيش، أكد الرئيس الجزائري في مقابلة تلفزيونية في يونيو الماضي أن الجزائر ليس في واردها على الإطلاق التدخل عسكريا في ليبيا، لافتا إلى أن «التعديل الدستوري المقترح، لا علاقة له البتة بما يحدث في هذا البلد».

صلاحيات الرئيس
وفي وقت روج تبون لتقليص صلاحيات الرئيس وحماية البلد من الحكم الفردي، خلال خطاب القسم في ديسمبر 2019 ، إلا أن التعديلات تؤكد أن هذه الصلاحيات لم تتقلص خصوصا في ما يتعلق بالتعيينات من رئيس الحكومة إلى كل الوظائف المدنية والعسكرية وحتى القضاة.

كما نص التعديل على تحديد الولايات الرئاسية في اثنتين (متصلتين أو منفصلتين) ضمن المواد الصمّاء، غير القابلة للتعديل، مما يمنع الرئيس من إعادة فتح الولايات بتعديل آخر، كما سبق أن فعل بوتفليقة في 2008 حتى يترشح لولاية ثالثة في 2009.

أما أبزر التعديلات في الجهاز التنفيذي هي إلزام رئيس الجمهورية بتعيين رئيس الحكومة من الأغلبية البرلمانية، لكن هذا الإجراء يسقط في حال فازت أغلبية موالية للرئيس. وعلى إثره «يقود الحكومة إما وزير أول في حال أسفرت الانتخابات التشريعية عن أغلبية رئاسية، أو رئيس حكومة في حال أسفرت الانتخابات التشريعية عن أغلبية برلمانية»، بحسب نص المادة 103. ويبقى رئيس الدولة هو رئيس مجلس الوزراء في جميع الحالات، مع إمكانية تفويض بعض صلاحياته للحكومة.

وفي باب الحقوق والحريات منعت مواد الدستور وقف أي وسيلة إعلامية أو حل أي حزب أو جمعية إلا بقرار قضائي. ورحبت منظمة العفو الدولية التي قدمت اقتراحات حول مسودة الدستور، ببعض المواد التي اتسمت بصياغات قوية بشأن حقوق المرأة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

المزيد من بوابة الوسط