بيروت: خلية أزمة من متطوعين تغيث الأحياء المتضررة

مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد هيل يستمع لمتطوع من منظمة غير حكومية أثناء زيارته موقع انفجار مرفأ بيروت. 13 أغسطس 2020. (فرانس برس)

خلال تفقده أحد أحياء بيروت المنكوبة، أنصت مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون السياسية ديفيد هيل، بإمعان إلى شرح عن عمليات مسح الأضرار وتوزيع المساعدات، لا من مسؤولين لبنانيين رسميين بل من «خلية أزمة» شكلها مهندسون وطلاب.

في حي مار مخايل، وضع متطوعون قبل أيام خيما في مبادرة بعنوان «من تحت الردم» لينظموا عملية تنظيف وتصليح وإيصال المساعدات إلى الأحياء المتضررة جراء انفجار مرفأ بيروت الذي حوّل العاصمة في الرابع من أغسطس إلى مدينة منكوبة، ومنذ وقوع الانفجار، تطوّع طلاب وشبان من مختلف الاختصاصات لمساعدة الأحياء المتضررة في غياب ملحوظ لمؤسسات الدولة، وشكل هؤلاء ما يشبه خلية أزمة لتوزيع المهام في ما بينهم.

في خيم مبادرة «من تحت الردم» المتمركزة في مقر محطة القطار القديمة، يقول وسيم بو ملهم «33 عاما»، المسؤول عن فريق يتولى تغذية قاعدة بيانات: «لم يأت أي مسؤول حكومي أو ممثل عن الحكومة ليسألنا إن كنا بحاجة إلى شيء ما»، مضيفًا: «من المضحك أن يكون ديفيد هيل أول من يزورنا».

وبعد تجوله في المكان، تحدث هيل للصحفيين عن سعي الشباب «من أجل إنجاز المهمة» مقابل نظام «غير فاعل ووعود فارغة» من طبقة سياسية يطالب لبنانيون منذ أشهر برحيلها مجتمعة ويتهمونها بالمسؤولية عن انفجار بيروت نتيجة الإهمال والتقصير، وسبق هيل بأسبوع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي تفقد شارع الجميزة المتضرر واستمع إلى السكان الغاضبين الذين ناشدوه عدم تقديم مساعدات إلى الدولة، التي يتفشى الفساد في مؤسساتها.

وحين حاول مسؤولون لبنانيون، بينهم وزيران، زيارة المنطقة لتفقد الأضرار لم يسمح لهم الشبان بذلك، وطلبوا منهم الرحيل.

كل شيء يحصل هنا
ليس بو ملهم بخبيرٍ في أنظمة قاعدة البيانات لكنه راكم خبرة كافية خلال عمله في جمع بيانات الزبائن في اثنين من أكبر ملاهي بيروت الليلية، وبعد الانفجار، الذي أودى بحياة أكثر من 170 قتيلا و6500 جريح، كان لا بد له من توظيف خبراته، وضع بو ملهم، الذي شرح لهيل آلية عملهم، نظاما إلكترونيا لتوثيق البيانات، وبات فريقه مسؤولا عن تنظيم وتوزيع مساعدات لآلاف المتضررين جراء الانفجار.

ويقول: «لا أعرف لماذا سيلتقي هيل السياسيين»، مضيفا: «الدعم يحصل هنا، وتوثيق قاعدة البيانات يحصل هنا، والتنظيف يحصل هنا، وإعادة الإعمار تحصل هنا»، ويناقش المتطوعون من مختلف الاختصاصات الخطوات التي يجدر بهم اتخاذها، ويشرحون وكأنهم خبراء في هذا المجال منذ سنوات إجراءات التنظيف والتوثيق والإغاثة لإزالة فوضى يرون أن الدولة تسببت بها.

وغداة الانفجار، توزع الشبان والشابات المتطوعون في مجموعات صغيرة، منهم من أزال الزجاج من الطرقات، ومنهم من جال على المنازل لمساعدة أصحابها على التنظيف، ومنهم من تولى توزيع الطعام، ومنذ ذلك الحين، توسّع عمل المتطوعين أكثر وانضمت إليهم منظمات غير حكومية دولية ومحلية لتقديم المساعدة وحتى من أجل الدعم النفسي.

وتلقى متطوعو «من تحت الردم» أكثر من 200 اتصال بعد ساعتين فقط من تفعيل رقم هاتف للطوارئ. وقد تفقدوا حتى الآن نحو 1200 منزل ووضعوا 600 باب خشبي على الأقل، وتقول بشرى «37 عاما»، إحدى المتطوعات: «عملنا سيتكلم عن نفسه».

دولة غائبة
في بيروت نفسها، فتح سكان أبواب منازلهم لاستقبال أقاربهم أو أصدقائهم أو حتى غرباء عنهم ممن تضررت منازلهم وباتت غير قابلة للسكن، وقدّر محافظ بيروت أن نحو 300 ألف شخص باتوا مشردين بعدما أصبحت منازلهم غير صالحة للسكن، وفاقم انفجار بيروت معاناة اللبنانيين الذين يشكون منذ أشهر من انهيار اقتصادي خسر جراءه عشرات الآلاف رواتبهم أو جزءا منها بعدما فقدت الليرة نحو 80% من قيمتها.

وفجّر الانفجار غضب اللبنانيين الذين يطالب مئات الآلاف منهم منذ أشهر برحيل الطبقة السياسية التي يتهمونها بالفساد وإهدار المال العام، ويحملونها اليوم مسؤولية ما حصل لعاصمتهم، وفي مؤتمر نظمته فرنسا بعد الانفجار، تعهّد المجتمع الدولي بتقديم مبلغ 252.7 مليون يورو من مساعدات فورية للبنان على أن تصل مباشرة إلى الشعب برعاية الأمم المتحدة.

كما أكد مدير الوكالة الأميركية للتنمية الدولية بالوكالة جون بارسا الخميس أن المساعدات الأميركية «لن تذهب بالطبع إلى الحكومة»، مشيرا إلى أن منظمته «ستزيد الدعم المالي لمجموعات المجتمع المدني في لبنان بنسبة 30% أي إلى 6.627 مليون دولار».

في خيم المتطوعين، يصل زياد الزين قبل المتطوعين الذين يبدأ دوامهم عند الساعة التاسعة صباحا، ويقول الزين: «لسنا خبراء في إدارة الكوارث. نتعلم ونحن نمضي قدما»، مضيفًا: «ما من دولة، ولن نتخلى عن اللبنانيين في هذه الظروف».

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط