في جولة بين أحيائها من الجميزة إلى البسطة.. منازل بيروت بلا أبواب ولا نوافذ وماجدة الرومي تكنس الشارع

بيروت مدينة أصبح كثير من منازلها بلا شرفات، وتتدلى منها عناقيد الخراب بعد أسوأ انفجار تشهده في تاريخها. (رويترز)

تتطاير الستائر خارج المباني في هواء بيروت الطلق، وقد تحررت من الزجاج الذي تطايرت منه شظايا في شوارع وبيوت مدينة أصبح كثير من منازلها بلا شرفات، وتتدلى منها عناقيد الخراب بعد أسوأ انفجار تشهده في تاريخها.

ويشعر سكان العاصمة المنكوبة بأن مدينتهم نامت بين الألغام لتستيقظ على كابوس ترك ندوبًا وشقوقًا في عمرانها. فبخلاف تدمير مرفأ بيروت بشكل شبه كامل، تسبب الانفجار الذي وقع الثلاثاء الماضي بانهيار أحياء قريبة بأكملها وتضرر المناطق الأخرى، حيث شعر كل مواطن في العاصمة اللبنانية بأن التفجير وقع في منزله.

وأودى الانفجار المروع بحياة 158 شخصًا وأصاب أكثر من ستة آلاف آخرين، وما زال 21 شخصًا في عداد المفقودين. ووعدت الحكومة بمحاسبة المسؤولين عن الانفجار. وقال مسؤولون لبنانيون إن 2750 طنًّا من مادة نترات الأمونيوم شديدة الانفجار، وهي مادة تستخدَم في صناعة الأسمدة والقنابل، كانت مُخزَّنة لست سنوات في مستودع بالمرفأ دون إجراءات للسلامة.

أبنية كالهياكل العظمية
في جولة ميدانية قام بها فريق «رويترز» بين أحياء متداعية من الجميزة إلى الباشورة ومنطقة المرفأ وزقاق البلاط وبرج أبو حيدر والأشرفية والبسطة وبشارة الخوري، بدت النوافذ عارية من زجاجها، والأسقف من قرميدها وتدلت من بعضها أسياخ معدنية ملتوية وتطايرت أسطح بعض الشقق السكنية فأصبحت مكشوفة للسماء.

في أحد الأبنية في شارع عكاوي، بالأشرفية على مقربة من وزارة الخارجية، ما زالت الدماء تغطي الدرج فيما غرفة المصعد فارغة وكأن المصعد وأبوابه في الطوابق قد طارت من أماكنها. وكلما اقترب فريق «رويترز» من منطقة المرفأ اشتد هول المشهد، حيث بدت الأبنية كالهياكل العظمية فيما الزجاج المهشم والأثاث وبقايا الدمار مكومة على جوانب الطرقات. وينتشر رجال الشرطة في المكان ويمنعون الناس من الاقتراب أو المرور بجانب الأبنية الآيلة للسقوط.

عندما طارت الأشجار والسيارات
ومنذ الكارثة لا تزال الأشجار التي اقتلعها الانفجار، والسيارات التي يغطيها الركام حبيسة الطرقات. وتعجز آليات إزالة الركام عن دخول بعض الطرقات في الجميزة وشارع مار مخايل والعكاوي التي يسدها بالكامل ركام الأبنية.

  وبينما تتضح يومًا تلو الآخر معالم الكارثة التي اخترقت المنازل البيروتية، يجوب شوارع العاصمة المكلومة متطوعون يحملون الجواريف للمساعدة في إزالة الحطام، بينما يشارك آخرون في حملات لإزالة حطام الزجاج ورفع الأسقف المنهارة وهياكل الألومنيوم والحديد الملتوية والحجارة المهدمة من الشوارع، فيما تتناثر في الطرقات كتب وأدوية وملابس وأثاث وأسقف قرميدية أثرية منهارة. يحاول المواطنون إنقاذ ما يمكن إنقاذه من محلاتهم ومنازلهم فيما نصبت الخيام على الأرصفة في محاولة لإيجاد مأوى للناس الذين فقدوا منازلهم بالكامل.

شهادات مَن عاشوا الصدمة
شهادات تقطر مرارة يحكيها من عاشوا الصدمة وهم يستعيدون هول ما حدث. يقف جوزيف الجبيلي (60 عامًا) الذي يعمل في شركة لبيع الأدوات المنزلية مذهولًا مما شاهده لحظة الانفجار. ويشير الجبيلي إلى منزله قائلًا: «بيتي على الطابق السادس على السطح.. عندما سمعنا الصوت الأول خرجت مع زوجتي إلى الشرفة المطلة على البحر، طلع الانفجار الثاني، عصف الانفجار دفع بي إلى الداخل مع الزجاج والأبواب والألومنيوم، وغبت عن الوعي».

ويتابع: «عندما فقت رحت أصرخ لزوجتي ولم أجدها لأكتشف لاحقًا أنها سقطت من الشرفة في الطابق السادس لتقع عند شرفة الجيران في الطابق الرابع.. إصابتها بليغة ولكن حالتها مستقرة ولا زالت على قيد الحياة وهذه معجزة فعلًا».

الشاب السوري مؤمن دركزنلي قال لـ«رويترز» وهو يلملم ما تبقى من أشيائه في الشارع: «أتيت من سورية قبل أربع سنوات هربًا من الحروب هناك، واشتغلت في فرن قريب من هنا. آخر ما أذكره يوم الثلاثاء أني شاهدت كتلة نار بحجم نحو عشرة طوابق دفعتني على مسافة أمتار.. غبت عن الوعي وعندما استعدت وعيي وجدت أن الجدران فتحت على بعضها، بيني وبين الجيران، وكأننا في منزل واحد».

كأن الكون كله اهتز
وتستعيد إلسا سعادة التي تعمل في صيدلية بشارع مار مخايل اللحظة بكل تفاصيلها قائلة: «في البداية سمعنا صوتًا عميقًا، ثم زمجرة وكأنه تسونامي لثوانٍ قليلة، ومن ثم اهتز المبنى مع صوت قوي، وكأن الكون كله اهتز فوق رؤوسنا وكنا متأكدين أنه زلزال سيهد الكون بأكمله. إنها نهاية العالم فعلًا».

وتقول: «كنا شخصين هنا، السقف وقع علينا والأدوية والطاولات والأشياء الأخرى غطتنا، ولكننا لم نصب والحمد لله.. وكأن العناية الإلهية تدخلت لإنقاذنا». وبدأ عدد قليل من السكان إصلاح ما تهدم، فيما آثر آخرون الانتظار وذلك بعد خمسة أيام على الانفجار الذي أصاب مدينة لا تزال تعاني ذكريات حرب أهلية وتئن تحت وطأة أزمة اقتصادية طاحنة وارتفاع في معدلات الإصابة بفيروس «كورونا».

لورا تفقد بيتها ودكانها وقطتها
تملك لورا محلًا لبيع الملابس التراثية في الجميزة وتحكي بأسى ولوعة قائلة: «أنا فقدت بيتي ومحلي وانجرحت، لكني أبكي على قطتي التي قضت بين الزجاج والحديد». وأضافت لـ«رويترز» قائلة: «المؤسف أن الناس ماتت ببيوتها.. يعني المكان اللي المفروض نشعر فيه بالأمان متنا فيه. ما عندنا درج (سلالم) نصعد عليه إلى بيتنا لنرى ماذا حل به، ولم يبقَ عندنا لا شباك ولا باب ولا سقف ولا شرفة».

وتشهد الجميزة المعروفة بحاناتها وأماكن السهر يوميًّا توافد شخصيات من المتطوعين والفنانين والإعلاميين بعد أن زارها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وتفقد سكانها وأوضاعهم عن كثب. وفي هذا الحي ذي الطابع الأثري في معظمه رفضت روز (90 عامًا) الرحيل عن منزلها يوم الكارثة، وجلست على كرسي أبيض قديم في شرفتها الآيلة للسقوط معلنة أنها ترفض المغادرة. وأضحت روز مقصدًا للزوار ورمزًا للصمود في الجميزة وأدلت بتصريحات عدة لوسائل إعلام محلية وأجنبية مرددة «أيعقل هذا!»، وتحولت تلك العبارة إلى شعار في المنطقة المنكوبة.

ماجدة الرومي تكنس الشارع
وفي شارع الجميزة نفسه جالت الفنانة اللبنانية ماجدة الرومي بهدف مساعدة السكان على تنظيف وكنس شوارعهم. وخلال تجوالها كانت جموع المواطنين تتحلق حولها لتردد على مسامعها مقطع «قومي من تحت الردم» من أغنية «ست الدنيا يا بيروت».

وتوجهت الرومي إلى السكان قائلة: «جيبوا مكانسكم وتعالوا ننظف بيوتنا. هذا وطننا... كل الطوائف تساوت اليوم في الموت والألم والمصائب. نحن تعرضنا لغدر. نحن محاطون بخونة». ويتنامى الغضب في لبنان على السلطات التي سمحت بتخزين كميات ضخمة من المادة الكيماوية قرب منطقة سكنية لسنوات.

على مقربة من الجميزة يعمل نسيب الدنا في دكان تجاري صغير في حي مار مخايل، ويتمتم وهو يحاول تنظيف ما تبقى من المحل «هذا هو الجحيم بعينه!».

البحر أمامنا والدمار وراءنا
وقال: «لا يكفي أننا نعيش أزمة اقتصادية واجتماعية وحالتنا بالويل.. أتت هذه المصيبة لتكفي (لتقضي) علينا. هذا لا يمكن أن يسمى إهمالًا. هذه جريمة موصوفة. نحن متنا. متنا خلص، الله يرحمنا».

«نحن عشنا كل فترات الحرب الأهلية وغيرها من الحروب بين الأحزاب والحروب الإسرائيلية، ولا مرة وصلنا إلى هذا الدرك من المأساة. كنا في كل مرة نلجأ من منطقة إلى منطقة ومن حي إلى حي في بيروت. ولكن هذه المرة خلص، وصلنا إلى طريق مسدود. البحر أمامنا والدمار وراءنا».

وبمرارة شديدة يضيف الدنا: «الطبقة الحاكمة والمسؤولون سفكوا دمنا على مدى سنوات. تقاتلوا وتصالحوا، ومن ثم تخاصموا ومنحوا أنفسهم عفوًا عامًا عن كل الجرائم. ولكن هذه الجريمة لن تمر».

منذ الكارثة لا تزال الأشجار التي اقتلعها الانفجار والسيارات التي يغطيها الركام حبيسة شوارع بيروت. (رويترز)

المزيد من بوابة الوسط