أزمة قمح تلوح في الأفق بعد دمار صوامع ميناء بيروت

مخازن الحبوب بميناء بيروت عقب الانفجار. 5 أغسطس 2020. (فرانس برس)

في ميناء بيروت، امتزجت أطنان من القمح والذرة المخزّنة في الإهراءات مع الأتربة والركام، بعدما دمّر الانفجار الضخم جزءا منها، ما يثير خشية اللبنانيين من انقطاع الخبز في بلد يعاني أساسا من غلاء الأسعار، ويُعقّد الانفجار الضخم وصول المواد الغذائية في بلد يستورد أكثر من 85% منها، لا سيما القمح لإنتاج الخبز، في وقت ارتفع سعر كيس الخبز جراء الأزمة الاقتصادية خلال الأسابيع الماضية من 1500 إلى ألفي ليرة لبنانية.

ويقول رئيس مجلس إدارة أفران «وودن بايكري» غسان أبو حبيب لوكالة «فرانس برس» عندما رأينا الصوامع «أصبنا بالذعر»، وتناثر 15 ألف طن من القمح والذرة والشعير من إهراءات مرفأ بيروت، التي تضررت مع الطاحونة القريبة منها بشكل كبير وانهارت أجزاء كبيرة منها.

ويفاقم تضرر الإهراءات التي تتسع لـ120 ألف طن من الحبوب، مخاوف اللبنانيين الذين يخشون منذ أشهر انقطاع القمح أو ارتفاع سعره أكثر في ظل الأزمة الحادة في السيولة، باعتبار أن هذه المادة الأساسية مدعومة من الدولة، وبينما كانوا يتابعون بعجز انهيار الاقتصاد في بلدهم ويعيشون تبعات هذا الوضع الهش وتفاقمه مع تفشي وباء «كوفيد-19»، أتى انفجار مرفأ بيروت، الذي أسفر عن مقتل 154 شخصا على الأقل وإصابة أكثر من خمسة آلاف آخرين، ليشكل أكبر كارثة عرفها اللبنانيون.

ويتخبّط لبنان في أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه الحديث، وخسر عشرات آلاف اللبنانيين وظائفهم أو جزءًا من رواتبهم وتآكلت قدرتهم الشرائية، فيما ينضب احتياطي الدولار لدى مصرف لبنان لاستيراد مواد حيوية مدعومة كالقمح والأدوية والوقود. كما فرضت المصارف قيودًا على سحب الدولار ومنعت عمليات تحويله إلى الخارج، ما عقد العمليات التجارية.

وتراجعت حركة حاويات البضائع بنسبة 45% في النصف الأول من العام 2020 مقارنة مع العام الماضي، وفق تقرير صادر عن «بلوم إنفست»، في وقت أسهم تدهور قيمة الليرة اللبنانية بنسبة 80% بارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية تخطى 70%.

 ويقول أبو حبيب: «منذ ما قبل الانفجار، نواجه صعوبات بالنسبة إلى القمح والطحين، إذ ليس لدى المطاحن كميات كافية، كما ليس لديهم المازوت» الضروري للتشغيل.

وحده الخبز يُشبعنا
وتحتاج أفران «وودن بايكري» التي توزع منتجاتها في المناطق كافة إلى ما بين 60 و70 طنا من الطحين يوميا، غير أنه لم يكن بمقدورها الحصول خلال الفترة الماضية إلا على 70% من حاجاتها، ويقول أبو حبيب: «مطبخنا الرئيسي غير قادر على تلبية الطلبات الضرورية لتعبئة الرفوف»، غداة الانفجار، توافد مئات الزبائن إلى فرن الكبوشية الصغير في شارع الحمرا في بيروت خشية انقطاع الخبز في السوق.

ويقول أحد عاملي الفرن حيدر الموسوي: «انتهى المخزون لدينا جراء التهافت على الخبز والطحين»، مشيرا إلى أن الشخص الواحد كان يشتري خمسة أكياس من الخبز إثر وقوع الانفجار، ويضيف: «الخبز هو الشيء الوحيد الذي يُشبع الفقير، فنحن لا نجلس في مطاعم مار مخايل لنأكل اللحمة بالشوكة والسكين».

وسارع مسؤولون غداة الانفجار إلى التخفيف من وطأة المخاوف، وطمأنوا إلى وجود مخزون من القمح يكفي لشهر، كما أن شحنات جديدة ستصل إلى مرفأي طرابلس شمالا وصيدا جنوبا، لكن المرفأين غير مجهزين مثل مرفأ بيروت المدمر ولا يوجد فيهما إهراءات للتخزين، وفق ما يقول مدير إهراءات بيروت السابق موسى خوري لـ«فرانس برس».

ويوضح: «لا مثيل لمرفأ بيروت. كانت عمليات إفراغ البواخر ونقل الحمولة إلى الصوامع أو تفريغ الصوامع لإرسال الحبوب إلى المطاحن تتواصل على مدى 24 ساعة في اليوم»، ومن المرجّح ألا تشهد أفران ومتاجر لبنان نقصا في الخبز سريعا، لكن «المشاكل الكبيرة» ستظهر خلال الأشهر المقبلة، ويقول: «موانئ طرابلس وصيدا أصغر حجما، وبالتالي ستحتاج عملية تفريغ الحبوب ونقلها وقتا أطول وسيرتفع سعرها».

زادت الطين بلة
أمام الواقع الجديد فسارع أصحاب المطاحن إلى تقدير كلفة نقل القمح من طرابلس، التي تبعد 80 كيلومترا عن بيروت، فاتضح أنها ستكلفهم ستة دولارات إضافية للطن الواحد، وفق ما يقول مدير مطاحن منطقة الدورة رسلان سنو لـ«فرانس برس»، ويتساءل سنو: «من سيدفع ثمنها؟ نحن؟»، مشيرًا إلى أن كميات القمح القليلة التي كانت موجودة في إهراءات بيروت كما في المطاحن كانت مرتبطة بتأخر المصرف المركزي في دفع المستحقات للمزودين.

ودقت الأمم المتحدة أيضًا ناقوس الخطر، إذ حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من أن يؤدي الانفجار إلى «تفاقم الوضع الاقتصادي والغذائي المتردي بالفعل في لبنان» و«ارتفاع أسعار المواد الغذائية لتكون بعيدة عن متناول الكثيرين»، ومنذ أشهر، يلجأ عدد متزايد من اللبنانيين إلى المنظمات الإنسانية مثل «بنك الطعام في لبنان»، والتي كانت خدماتها مكرسة بشكل أساسي لمساعدة نحو مليوني لاجئ سوري وفلسطيني في لبنان.

ودأبت المنظمة على وضع أكياس من الخبز في سلّتها الغذائية من تبرعات أفران ومطاحن، ومنذ وقوع التفجير، يوزع متطوعو المنظمة السندوتشات والوجبات الخفيفة على السكان الذين طالت الأضرار منازلهم، وتقول المديرة التنفيذية للمنظمة سهى زعيتر: «ليس لديهم وقت للطبخ لأنهم ينظفون منازلهم».

وتلقت المنظمة حتى الآن تبرعات على موقعها الإلكتروني من أكثر من عشرة آلاف شخص، وأرسل آخرون مبالغ نقدية أو مساهمات عينية، وتخشى زعيتر ألا تتمكن منظمتها من تقديم ما يكفي، إذ إن أحد الأفران، الذي كان يتبرع بـ500 كيس خبز، أبلغها أنه لن يستطيع زيادة الكمية خشية من نقص في القمح، وتقول زعيتر: «كنا نواجه أساسا وباء كوفيد-19 والأزمة الاقتصادية، ثم وقعت هذه الحادثة الكارثية لتزيد الطين بلّة».

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط