طواقم طبية بمستشفيات بيروت يشبهون الانفجار بـ«يوم القيامة»

إحدى المصابات لدى انتظارها أمام مستشفى ببيروت. 4 أغسطس 2020. (فرانس برس)

تشبه المشاهد التي رآها الجراح أنطوان قربان على الطرق وعند أبواب المستشفيات بعد الانفجار الضخم الذي وقع في بيروت، الثلاثاء، تلك التي عاشها في أفغانستان قبل سنوات، ويقول الطبيب الذي أصيب في رأسه: «ما رأيته أمس.. كان شبيها بيوم القيامة».

وخرج قربان من المستشفى في بيروت مضمّد الرأس، وقال لوكالة «فرانس برس» ما رأيته أمس «مصابون تسيل منهم الدماء على قارعة الطريق وآخرون ممدّون على الأرض وفي باحة المستشفى»، وقربان واحد من أكثر من أربعة آلاف شخص أصيبوا في انفجار الثلاثاء الضخم، الناتج، حسب السلطات، عن تخزين 2750 طنا من مادة نيترات الأمونيوم الشديدة الانفجار في مرفأ بيروت، مضيفًا: «ذكرني ذلك بما اعتدت مشاهدته خلال مشاركتي في مهمات مع منظمة أطباء بلا حدود في أفغانستان قبل سنوات طويلة».

وأصيب الطبيب، وهو أستاذ محاضر في كلية الطب في «جامعة القديس يوسف»، في رأسه بينما كان يحتسي القهوة مع زميله في مقهى في وسط بيروت، بسبب الذعر في الطرق وزحمة السير، لم يتمكن من الوصول الى مستشفى «أوتيل ديو» في الأشرفية حيث يعمل، فنقله سائق دراجة نارية إلى مستشفى «الجعيتاوي» القريب، ويقول: «خاط الطبيب جرحي وأنا أجلس على قارعة الطريق بعد انتظار لساعات».

كما لو أنها قنبلة هيروشيما
داخل أروقة مستشفى «أوتيل ديو»، توزعت الأربعاء عائلات في مجموعات صغيرة، كانت هناك أمهات قلقات على مصير أولادهن الجرحى، يسأل رجل مسنّ عن زوجته التي تم نقلها من مستشفى آخر. لا تتوقف هواتف بعضهم عن الرنين، وتتكرر رواية ما حصل معهم خلال كل اتصال.

وتقول سيّدة لمحدّثها: «عجيبة بقائه على قيد الحياة»، بينما يوكل مصاب ضُمّدت قدمه شقيقته بالإجابة على اتصالات لا تتوقّف على هاتفه، قائلا: «لست قادرا على الكلام»، وتقول سيدة أخرى تلازم ابنها البالغ أربعين عاما والذي أصيب إصابة بالغة في عنقه وتهشم جسده بعد سقوط المبنى حيث يعمل قرب المرفأ: «نزف كثيرا وخضع لعملية أمس وهو الآن في العناية الفائقة»، وتضيف بحسرة: «ما حدث أمس كان أفظع من الحرب الأهلية، لثوان شعرت أن قلبي خرج من صدري وأنني فقدت وعيي. كما لو أنها قنبلة هيروشيما. لن أنساها ما حييت».

طواقم طبية مرهقة
واستقبل المستشفى 300 مصاب على الأقل. كما وصل إليه 13 قتيلا، وفق ما يقول مديره الطبي الدكتور جورج دبر لـ«فرانس برس»، ويضيف الطبيب الذي غزا الشيب شعره وقد ارتدى ثوبه الأبيض وجلس وراء حاسوبه: «خلال الحرب الأهلية كنت تلميذا متمرنا في هذا المستشفى، ولم أر شيئا مماثلا».

ويضيف بتأثّر بالغ لم تخفه كمامته الطبية: «كان الأصعب إخبار عائلات جاءت بحثا عن أبنائها أنهم توفوا، ولسنا قادرين على فعل أي شيء لهم، وتكرر ذلك أكثر من مرة ليلا، من الصعب جدا أن تبلغ أبا يحمل طفلته الصغيرة ويحاول إنقاذها أنها فارقت الحياة».

ولم تسلم المستشفيات على غرار الأبنية كافة في بيروت ومحيطها من تداعيات الانفجار، وتعرّض مرضى وزوارهم وأفراد من الطاقم الطبي لإصابات جراء تصدّع السقوف أو الجدران أو تناثر الزجاج عليهم من شدة الانفجار، وتوفيت أربع ممرضات في مستشفى «القديس جاورجيوس» في الأشرفية، وخامسة في مستشفى «الوردية» في الجميزة.

وجاءت هذه المحنة على الطواقم الطبية التي وصلت ليلها بنهارها لمواجهة فيروس تفشي فيروس «كورونا »، في خضم أزمة اقتصادية غير مسبوقة تشهدها البلاد، ويقول دبر: «الفرق الطبية مرهقة من كل ما يحصل في البلد ومن كورونا، لكن في مواجهة أزمة أمس كان التكاتف عظيما»، موضحا أن عمال المطبخ والصيانة تطوعوا للمساعدة.

فوضى وذهول
في مستشفى القديس «جاورجيوس» في الأشرفية، انهمك الطاقم الطبي والإداري في مهمة شاقة أخرى: نقل ما تبقى من معدات وأدوات جراحية بعد إجلاء جميع المرضى وبينهم عشرون مصابا بـ«كوفيد-19» في مهمة شاقة استمرت حتى الفجر.

صباحا، بدت أروقة المستشفى ساحة حرب، سقوف تضرّرت وتدلّت منها أشرطة الكهرباء والإنارة، ركام وقطع زجاج محطّم في كل مكان، مصاعد التوت أبوابها من شدّة الانفجار وموظفون مصدومون خصوصا بعد وفاة أربع ممرضات من زميلاتهم.

ويقول مدير الطاقم الطبي الدكتور عيد عازار لـ«فرانس برس» إن المستشفى حيث يعمل 1200 موظف، «بات اليوم خارج الخدمة ولا أعلم كم يحتاج إصلاحه وقتا».

وخرج كذلك مستشفى «راهبات الوردية» كليا من الخدمة، بينما توقفت أقسام في مستشفيين آخرين، أحدهما حكومي، عن العمل، بحسب وزارة الصحة، وأوضح عازار: «أخلينا المستشفى أمس وهذا أمر نادر الحصول، يذكرنا بإخلاء مستشفيات إثر إعصار كاترينا» العام 2005 الذي يُعد أحد أعنف خمسة أعاصير في تاريخ الولايات المتحدة.

ولم يكن ذلك سهلا، وفق عازار، الذي يضيف: «ما من شيء أصعب من إخلاء مستشفى يغصّ بالمرضى، فيما يتوافد مصابون إليه»، مضيفا: «أصبحنا مستشفى مجروحا».

وتحدّث ممرضان لـ«فرانس برس» عن ساعات مرهقة أمس مع تحول باحة المستشفى وحديقته مستشفى ميدانيا نُقل المرضى المذهولون تباعا إليه من الطوابق العليا، عبر السلالم بعد توقّف المصاعد عن العمل وانقطاع الكهرباء كليا، وتقول الممرضة لارا ضاهر بتأثر: «كان علينا أن نخيط جروح المصابين ونعالجهم على ضوء الهواتف الخلوية».