«فرانس برس»: حج صحي أكثر من أي وقت مضى بسبب فيروس كورونا المستجد

حجاج يحملون مظلات بألوان مختلفة على مسافة من بعضهم البعض مع بدء مناسك الحج في 29 يوليو 2020.(فرانس برس)

قد يكون فيروس كورونا المستجد مصدر تهديد فعلي للحجّاج في مكة المكرمة، لكن للمفارقة يبدو الحج هذا العام صحيّا جدا مقارنة بما كان عليه في السابق بعدما تقلّصت أعداد المشاركين بشكل دراماتيكي وفرضت السلطات إجراءات وقائية صارمة، والحج من أكبر التجمعات البشرية السنوية في العالم وبؤرة رئيسية محتملة لانتشار الأمراض، ويمثل تنظيمه في العادة تحدّيا لوجستيا كبيرا، حيث إن ملايين الحجاج من حول العالم يتدفّقون على المواقع الدينية المزدحمة.  

وغالبا ما كان يعاني الحجاج لدى عودتهم إلى ديارهم بعد نهاية مشاعر الحج من أمراض تنفسية عدّة بسبب الازدحام الشديد أثناء أداء المناسك وعدم وجود أي قيود للتباعد الجسدي أو إلزام بارتداء الكمامات، وأكّدت الكويتية عالية الدليمي (60 عاما) التي أدّت فريضة الحج في 2003 إنّها عانت من سعال شديد استمرّ لثلاثة أشهر بعد عودتها، مما أدّى إلى إصابتها بالربو فيما بعد، وأوضحت «لم أتمكّن من الاقتراب من الكعبة ولا تقبيل الحجر الأسود في ذلك الوقت».

لكن مناسك حج 2020 مختلفة تماما وغير مسبوقة، من توفير حصى الجمرات المعقّمة إلى العزل الفندقي والمسافة الإجبارية بين الأشخاص لدى أداء الصلوات وغيرها، ما جعل مكة تبدو وكأنها أحد أكثر المدن أمانا على مستوى الصحة في المنطقة، وحمل الحجاج في بداية الشعائر الأربعاء مظلات ملّونة وقاموا بالطواف في حركة متناسقة حول الكعبة بالمسجد الحرام مع إبقاء مسافة محددة بشعارات على الأرض البيضاء، في مشهد تاريخي غير مألوف في أقدس أماكن المسلمين الذي بدا كرواق مستشفى ضخم، وبدا المشهد مختلفا جدا عما كان عليه في السنوات الماضية، حين كان يحتشد مئات الآلاف من الحجاج قرب الكعبة ويدورون حولها وهم يتسابقون ويتدافعون أحيانا للاقتراب من البناء.

آمنة وصحية
وقبل أن تعلن السعودية أن الحجاج سيكونون من داخل المملكة فقط، تمنّت الدليمي على غرار ملايين الأشخاص حول العالم، أن تشارك في مناسك هذا العام رغم تهديد فيروس كورونا المستجد، بفضل قرار تقليص الأعداد وإجراءات الوقاية، وقالت الدليمي المقيمة في الكويت لوكالة «فرانس برس» تمنّيت لو كنت هذه السنة في مكة لأشهد الإجراءات الجديدة ومنها إلزام الجميع بارتداء الكمامات لتفادي انتقال أي عدوى.

وأعلنت السلطات أنّ ألف شخص فقط يشاركون في المناسك، لكنّ وسائل الإعلام المحلية ذكرت أنّ الأعداد قد تصل إلى نحو عشرة آلاف حاج، مقارنة بنحو 2,5 مليون مسلم شاركوا في الحج العام الماضي وقدموا من كل أنحاء العالم، وكان الحجاج بدؤوا بالوصول إلى مكة خلال عطلة نهاية الأسبوع، وخضعوا لفحص لدرجة الحرارة وُوضعوا في الحجر الصحي في فنادق المدينة.

وتم تزويدهم بمجموعة من الأدوات والمستلزمات بينها إحرام طبي ومعقّم وحصى الجمرات وكمّامات وسجّادة ومظلّة، بحسب كتيّب «رحلة الحجاج» الصادر عن السلطات التي طالبتهم بعدم المصافحة ومنعتهم من لمس الكعبة، وتوجّب إخضاع الحجاج لفحص فيروس كورونا المستجد قبل وصولهم إلى مكة، وسيتعين عليهم أيضا الحجر الصحي بعد الحج.

وقال الناطق الرسمي لصحة منطقة مكة المكرمة حمد بن فيحان في مقابلة تلفزيونية «يتم تطبيق الإجراءات الوقائية بشكل مستمر، وبمشيئة الله ستكون مناسك الحج آمنة وصحية»، وبحسب وزارة الحج والعمرة، فإنها أقامت العديد من المرافق الصحية والعيادات المتنقلة وجهّزت سيارات الإسعاف لتلبية احتياجات الحجاج.

فرصة حقيقية
تحدّدت نسبة غير السعوديين من المقيمين داخل المملكة بـ70% من إجمالي حجاج هذا العام، ونسبة السعوديين 30% فقط وهم من الممارسين الصحيين ورجال الأمن المتعافين من فيروس كورونا المستجد، وكانت السعودية علّقت في مارس الماضي أداء العمرة على خلفية فيروس كورونا المستجد وفرضت حظر تجوّل في مكة لأسابيع، انتشرت خلاله صور للكعبة في وسط المسجد الحرام وحيدة من دون مصلّين.

وعادة ما كانت تكتظ المنطقة المحيطة بالكعبة على مدار العام بآلاف المسلمين الذين يرتدي غالبيتهم لباس الإحرام الأبيض وهم يدورون حول البناء المغلّف بقماش أسود مطرّز بالذهب، ما يزيد من إمكانية انتقال الأمراض وبينها التهاب السحايا والأنفلونزا.

وبحسب استشاري الأمراض السارية الطبيب غانم الحجيلان، فإنّ موسم الحج الحالي فرصة حقيقية للسلطات السعودية لمعرفة تأثير وأهمية ارتداء الكمامات للحد من انتشار الكثير من الأمراض الفيروسية والبكتيرية في المستقبل وليست الأمراض وحدها ما يقلق الحجاج عادة.

فقد شهدت المناسك في العقود الماضية حوادث وكوارث غالبا بسبب الأعداد الكبيرة وبينها تدافع في 2015 أثناء طقوس رجم الشيطان في منى بالقرب من مكة الأمر الذي تسببّ بوفاة نحو 2300 من المصلين في أسوأ كارثة على الإطلاق في موسم للحج.

ويرى البروفسور آصف أحمد مستشار رئيس جامعة ساوثهامبتون ومؤسس كلية أستون الطبية في بريطانيا أن موسم الحج هذه السنة «آمن جدا» في المملكة على الرغم من تهديد فيروس كورونا المستجد الذي أودى بحياة أكثر من 2700 من بين نحو 270 ألف إصابة مسجلة في السعودية، وقال إن «نتائج الإجراءات التي تطبّق خلال فترة الحج ستعرف في غضون شهر من الآن».

كلمات مفتاحية