المتظاهرون الجزائريون متمسكون بإسقاط النظام في الذكرى الأولى لحراكهم

طلاب جزائريون يتظاهرون في العاصمة الجزائر، 18 فبراير 2020. (فرانس برس)

استبق الجزائريون ذكرى مرور عام على حراكهم الشعبي، التي توافق غدًا السبت، وذلك لإبقاء جذوة احتجاجهم غير المسبوق حية، بعد إرغام عبدالعزيز بوتفليقة على الاستقالة عقب 20 عامًا من الحكم، لكن دون النجاح في «تغيير» النظام الحاكم منذ الاستقلال.

ومنذ بداية الظهيرة، تجمع متظاهرون بعدد أكبر من الجمعات الماضية، قرب مبنى البريد المركزي، الذي صار على مدى عام نقطة تجمع رمزية، والتحق بالتجمع موكب احتجاجي كبير من حي باب الواد الشعبي، حسب وكالة «فرانس برس».

ونادى المتظاهرون ومن بينهم عائلات، في ظل حضور بارز لشرطة مكافحة الشغب، «لم نأت لنحتفل، بل جئنا لإزاحتكم» و«الشعب يريد إسقاط النظام» و«العصابة يجب أن ترحل»، فيما دعت عدة منظمات وأحزاب إلى «التعبئة الشعبية لإحباط أجندة تجديد النظام ووضع أسس الجمهورية الجديدة».

مواصلة التجنيد السلمي
ومنذ مساء الخميس نصبت حواجز أمنية في مداخل المدينة؛ لتعقيد وصول متظاهرين قادمين من مناطق أخرى للاحتفال بالذكرى، وذلك وفق وسائل التواصل الاجتماعي في الجزائر التي أشارت إلى انتظام مظاهرات حاشدة في المدن الكبرى خارج العاصمة.

وقبل عام، في 22 فبراير 2019، خرج آلاف الجزائريين  في مسيرات عارمة، ضد ترشح عبدالعزيز بوتفليقة، الذي كان مشلولًا وعاجزًا عن الكلام، لولاية خامسة، وبعد نجاحهم في إسقاط الولاية الخامسة واستقالة بوتفليقة في أبريل الماضي، تستمر التظاهرات كل أسبوع من أجل «تغيير النظام».

وبعد أقل من ستة أسابيع من الاحتجاجات والمسيرات الأسبوعية بأعداد متزايدة، أجبرت قيادة الجيش، العمود الفقري للنظام، بوتفليقة على الاستقالة في 2 أبريل، غير أن رئاسة أركان الجيش التي أصبحت تمثل السلطة الفعلية، مسحت كل مطالب الحراك، بشأن «تغيير» النظام، وشنت حملة اعتقالات لمسؤولين ومتظاهرين، حسب «فرانس برس».

وفي حوار أجراه، الجمعة، مع عدد من وسائل الإعلام المحليّة، وجه الرئيس عبدالمجيد تبون، الذي كان مقربا من بوتفليقة وانتخب في ديسمبر في اقتراع شهد مقاطعة واسعة، تحية للحراك الذي أوقف «انهيار الدولة الجزائرية».

لكن نشطاء وفعاليات قريبة من الحراك دعت في بيان نشروه الخميس، ووزعه، الجمعة، متظاهرون، إلى «مواصلة التجنيد السلمي»، وأشاروا إلى أن شعاراتهم كانت دوما راهنة: «يتنحاو قاع» (أن يرحلوا جميعا) تعبر عن «إرادة القطيعة مع المؤسسات الحالية من حيث مكونها وأدائها وممارساتها ومخرجاتها» وعن «رفض الشعب إسناد مسار التغيير إلى السلطة القائمة».

ويدين البيان أيضا تواصل «الضغوطات والقيود» على الصحفيين والنشطاء والمتظاهرين، وذكر أن الجزائريين يريدون «أن يحكم ويسير البلد في ظل الشفافية والوضوح»، وشدد على أن الشعب يريد «مسؤولين يخضعون للمساءلة، وقضاء مستقلا وبرلمانا شرعيا لا يكون فقط غرفة تسجيل».

اختبار للحراك الشعبي
ويبدو حجم التظاهرات، الجمعة، اختبارًا حقيقيًّا، اذ يواجه الحراك العديد من التحديات في الوقت الذي يسترجع فيه النظام قواه.

وقالت الباحثة في مركز «كارنيغي» للشرق الأوسط في بيروت، داليا غانم: «لقد عاد الجنود إلى ثكناتهم، والمدنيون في السلطة، وبالتالي هناك واجهة دستورية وديمقراطية، ولكن في الواقع هذا هو بالضبط ما كانت عليه الأمور عليه من قبل. تبون ليس سوى الواجهة المدنية للنظام الذي يتحكم فيه العسكر».

وتابعت «إن قدرة النظام على التبديل دون تغيير وسيتم اختبار صموده في السنوات القادمة»، لافتة إلى أن  النظام سيوزع بعض «المكتسبات السياسية» في شكل إصلاحات محدودة، لكن الأزمة الاقتصادية العميقة التي تلوح في الأفق في الجزائر مع انخفاض أسعار المحروقات، ستمنعه من ريع النفط لشراء السلام الاجتماعي كما فعل في السابق.

ويبقى حراك الجزائر بلا قيادة ولا هيكل منظم وهو يدخل عامه الثاني، ما قد يدفع الى إعادة التفكير في منهاجه حتى لا يتعرض للاختناق، وستكون التعبئة في هذه الجمعة الـ53  اختبارًا لحجمه الحالي.

هل عليه أن يقبل «اليد الممدودة» من قبل الرئيس تبون مع ما يمثله ذلك من خطر ابتلاعه من قبل النظام؟ هل ينبغي عليه تنظيم نفسه للمشاركة في الانتخابات المقبلة، مع احتمال ظهور انشقاقات داخله؟ حسب الباحثة.

وضع جديد
وفي جميع الأحوال فإن الحراك نجح في تغيير اللعبة السياسية في الجزائر، بعد 20 عامًا من رئاسة بوتفليقة، شهدت خلالها إغلاقا محكما، وتم إحباط المعارضة الحقيقية بشكل ممنهج، أو عرقلتها، أو تكميمها.

واعتبرت غانم أن الحراك وحد الجزائريين الذين تجاوزوا اختلافاتهم الثقافية واللغوية والدينية، وأعلن ظهور «جيل جديد على درجة عالية من التسييس ويعرف ما يريد».

وتشير المؤرخة كريمة ديريش، مديرة البحوث في المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا، إلى أن الحراك نجح بسلميته في تفادي «مواجهة دموية أو قمع وحشي»، لافتة إلى أن هذه السنة الثانية، ستسمح للجزائريين بشكل جماعي في «تحديد ما يريدونه بخصوص حاضرهم ومستقبلهم. وسيستغرق ذلك الوقت اللازم».

وأضافت أن البعض «يريدون رؤية الأمور تسير بشكل أسرع وأسرع بكثير، لكنني أعتقد أن هذه الوتيرة مناسبة جدا لهذه الحركة الاحتجاجية غير المسبوقة»، وأضافت «قد تكون الجزائر حالة فريدة يتم تدريسها» وستخبرنا السنة الثانية من الحراك.