كيف تختبر أزمة إدلب السورية العلاقة بين إردوغان وبوتين؟

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب إردوغان، إسطنبول، 8 يناير 2020. (أ ف ب)

تهدد المعارك الدموية التي دارت بين الجيش التركي والقوات السورية في شمال غرب سورية بوضع حد لـ«شهر العسل» بين تركيا وروسيا الداعمة لدمشق، ولو أنه يتوقع أن تتجنب الدولتان الوصول إلى حالة الطلاق.

وكان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان اقترب من روسيا وأنشأ مع رئيسها فلاديمير بوتين علاقة شخصية وثيقة عقب نجاته من محاولة انقلاب في 2016 تلاها قمع واسع انتقده الغرب.

في خضم ذلك، تحوّلت سورية حيث تدعم موسكو نظام الرئيس بشار الأسد، فيما تولي أنقرة دعمها لبعض فصائل المعارضة، إلى ملف بارز لتعزيز التعاون بين العاصمتين برغم المصالح المتباينة. بيد أنّ هذه العلاقة التي يصفها إردوغان بـ«الاستراتيجية» تختل منذ عدة أسابيع نتيجة تدهور المشهد في شمال غرب سورية، ولكن أيضاً نتيجة خلافات أنقرة وموسكو في ليبيا حيث تدعم العاصمتان أطرافا متنازعة.

تصعيد متبادل
وازداد التوتر، الإثنين، حين استهدفت المدفعية السورية مواقع تركية في محافظة إدلب، ما أسفر عن ثمانية قتلى. وردّت أنقرة فورا بقصف قوات النظام، في تطور أودى بحياة 13 جنديا سوريا على الأقل.

وبينما وجّه إردوغان إنذاره إلى دمشق، فإنّه حثّ روسيا على بذل المزيد من الجهود للجم النظام السوري، كما حذّر، الأربعاء، من أنّ أنقرة ستردّ على أي اعتداء جديد من دون تنبيه موسكو. ويرى إمري كايا، الباحث في مركز «إدام» في اسطنبول في حديث إلى «فرانس برس» أنّ «التصعيد في إدلب سيختبر متانة العلاقات بين إردوغان وبوتين... لم يعد بمقدورنا الحديث عن شهر عسل بين هذين الرجلين النافذين». ويعتبر كايا أنّه حتى لو كان إردوغان يهاجم دمشق بشكل خاص «فالبصمات الروسية حاضرة ميدانيا»، مشيرا إلى أنّ وحدات سورية تقود الهجوم في إدلب «درّبتها وأعدّتها» موسكو.

السياسة الواقعية
ستكون مسألة إدلب أشبه بمعادلة عصية على الحل طالما يتعذر التوفيق بين مصالح موسكو وأنقرة. وفي الواقع، يظهر النظام السوري مصمما على استعادة آخر معقل متمرد على سلطته، في وقت أنّ أنقرة تعارض أي هجوم واسع النطاق من شأنه إثارة موجة هجرة جديدة باتجاه تركيا.

والأربعاء، أمهل إردوغان النظام حتى نهاية فبراير للانسحاب من بعض المواقع ضمن إدلب، مهدداً باللجوء إلى القوة في حال عدم امتثاله. ويذكّر هذا المشهد بتعقيدات العلاقة بين تركيا وروسيا اللتين قامتا على أنقاض إمبراطوريتين لطالما كانتا متنافستين واتصفت علاقاتهما تقليديا بالريبة المتبادلة.

واندلعت أزمة دبلوماسية خطيرة بينهما في 2015 حين أسقطت مقاتلات تركية مقاتلة روسية فوق الحدود مع سورية. غير أنّ المحللين يستبعدون أزمة مماثلة طالما أنّ المصالح المتبادلة متينة في عدة مجالات، من الطاقة إلى الدفاع والتجارة.

وتقول جنى جبّور، الخبيرة في السياسة الخارجية التركية في معهد العلوم السياسية بباريس، إنّ «أنقرة وموسكو مضطرتان إلى التعاون والحفاظ على علاقات جيدة، لأّن الدولتين مترابطتان اقتصاديا». وتعتبر جبّور أنّ «الدولتين ستعرفان كيفية التفريق بين توترات موضعية وبين الحفاظ على تعاونهما في مجالات رئيسة، خصوصا الطاقة والدفاع»، مشيرة إلى أنّ أنقرة وموسكو «تفضّلان السياسة الواقعية والبراغماتية على صعيد إدارة علاقاتهما».

مواجهة واسعة النطاق
وعلى أي حال، فإن إردوغان لفت، الثلاثاء، إلى أنه لا يرى مصلحة في «الشروع بمواجهة واسعة النطاق مع روسيا»، مشددا على «عدة مبادرات (روسية - تركية) استراتيجية». واستبعد الرئيس التركي بشكل خاص أي إعادة نظر في صفقة شراء أنقرة منظومة إس - 400 الروسية، وهي عملية أغضبت شركاءها ضمن حلف شمال الأطلسي.

والخميس، دعت تركيا روسيا إلى التحرك لوقف هجوم القوات السورية على محافظة إدلب «في أسرع وقت ممكن». وصرّح وزير خارجيتها مولود تشاوش أوغلو للصحفيين في باكو عاصمة أذربيجان أن وفدا من روسيا سيزور تركيا لإجراء مزيد من المحادثات.

كما أشار إلى أن الرئيس التركي ونظيره الروسي يمكن أن يلتقيا «إذا لزم الأمر»، مضيفا: «يجب أن نواصل العمل مع روسيا. إذا كنا سنحل المشاكل هناك، فسنحلها معا». ولكن برغم المسافة المأخوذة مع الغرب والتقارب مع روسيا، فإن أنقرة ترفض أي اصطفاف إلى جانب موسكو، وتؤكد رغبتها في اتباع سياسة خارجية مستقلة بمقدورها التأرجح بين معسكر وآخر وفقاً للمصالح.

وفي أعقاب المواجهات في إدلب، أتت واشنطن بدعم نادر لصالح أنقرة، وهو ما رأى فيه مراقبون دعوة ضمنية لتركيا للعودة إلى حظيرة الغرب. ويعتبر إمري كايا أن التصعيد الأخير «يقدّم فرصة مهمة للتقارب بين تركيا والولايات المتحدة، وربما للتقارب مع حلفاء آخرين في حلف شمال الأطلسي».

لكن برغم ذلك، «ثمة أيضا تباين في الرؤى بين أنقرة وواشنطن بشأن مصير المنطقة»، وفق كايا الذي يوضح أنه «في الوقت الذي يقوم هدف أنقرة الرئيسي على تجنب تدفق موجة جديدة من اللاجئين (باتجاهها)، فإنّ واشنطن تعطي الأولوية لإنهاء الكيانات الإرهابية» في إدلب.

المزيد من بوابة الوسط