«فرانس برس»: السودان تحرر من البشير لكنه لا يزال أسير القائمة الأميركية السوداء

عامل ينظف ماكينة في مصنع زيوت في الخرطوم في 24 نوفمبر 2019.

داخل مصنع للزيوت في الخرطوم، تقف سارة الفاتح أمام أحد عمالها وهو ينهال بمطرقته على قطعة معدنية محاولًا تصليحها، قائلة بحسرة: «نحن لا نستطيع أن نستورد قطع غيار بسبب العقوبات الأميركية على السودان لذلك نشتغل بما توافر لدينا».

وبعد مرور عام على بدء حركة احتجاجية ضد الرئيس عمر البشير الذي حكم البلاد طوال 30 عامًا بقبضة من حديد وأطاحه الجيش في أبريل الماضي، يسعى السودان اليوم إلى فتح صفحة جديدة، لكن اقتصاده لا يزال غير قادر على النهوض، حسب وكالة «فرانس برس».

اقرأ أيضا عقوبات أميركية على وزيرين في جنوب السودان

ومع أن الولايات المتحدة رفعت في 2017 الحظر الاقتصادي الذي فرضته طوال عقدين على السودان، حيث عاش مؤسس تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن من 1992 ولغاية 1996، إلا أن هذا البلد لا يزال مدرجًا على القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب.

تقول الفاتح، المديرة العامة لشركة زيوت تمتلكها عائلتها، لـ«فرانس برس»، إنه طالما أن السودان مدرج على القائمة الأميركية السوداء «فأنا لا أستطيع إضافة استثمار على ماكيناتي، لأن ما من بنك في السودان يسمح لي بأن أفتح اعتمادًا ماليًّا»، ما يمنعها من القيام بأي تحويل مصرفي دولي، ويحرم البلد الغني بالموارد الطبيعية من استثمارات أجنبية هو اليوم أحوج ما يكون إليها.

لا تحويلات إطلاقًا
ويشرح الخبير المالي، عثمان التوم، إلى أن «رفع الحظر الأميركي كقرار تم، لكن البنوك الأجنبية ما زالت ترفض التعامل مع البنوك السودانية»، مشيرًا إلى أن «البنوك الأجنبية تقول لنا إذا نحن تعاملنا مع السودان وهو مصنف من الإدارة الأميركية كدولة راعية للإرهاب فقد تتعرض مصالحنا للخطر». ويجزم المدير السابق لمصرف «النيلين» الحكومي أنه «اليوم لا توجد إطلاقًا تحويلات من بنك داخل السودان إلى دولة خارج السودان بعملة أجنبية، حسب «فرانس برس».

وكانت الأزمة الاقتصادية التي يعانيها السودان منذ سنوات أحد أبرز الأسباب التي دفعت بالسودانيين إلى الخروج في تظاهرات ضخمة ضد البشير، والسبت الماضي قضت محكمة في الخرطوم بإيداع الرئيس السابق «دارًا للإصلاح الاجتماعي لمدة عامين» بعد إدانته بتهم فساد مالي.

وإلى جانب إطاحة البشير، نجحت حركة الاحتجاج في التوصل لاتفاق مع الجيش ينص على تقاسم السلطة بينهما في مجلس سيادي مشترك بين المدنيين والعسكريين شُكِّل في أغسطس الماضي، وأعقبه في سبتمبر تشكيل حكومة مدنية برئاسة عبد الله حمدوك.

اقرأ أيضا عمر البشير من رئيس متسلط إلى محكوم بتهمة فساد

وفي ظل معدل تضخم سنوي يناهز 60% بحسب الأرقام الرسمية، واحتياطي من العملات الصعبة يكاد يقارب الصفر وعد حمدوك، الخبير الاقتصادي الدولي، بحزمة إصلاحات، لكنه لم يعلن حتى اليوم أي خطة اقتصادية.

وخلال زيارته التاريخية إلى واشنطن في مطلع ديسمبر الجاري، حمل حمدوك معه مطلبًا أساسيًّا هو شطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب المدرج عليها منذ 1993، لكن مصادر دبلوماسية عديدة أكدت أن تحقيق ذلك سيستغرق وقتًا. وتسعى واشنطن بشكل خاص إلى التأكد من أن نظام البشير فُكِّك بالفعل.

وفي هذا السياق أصدرت السلطات الانتقالية في نوفمبر الماضي قانونًا حلت بموجبه حزب البشير، وأتبعته السبت الماضي بقرار حلت بموجبه النقابات التي تأسست في عهد الرئيس المخلوع وكانت تشكل إحدى دعائم حكمه.

كما بدأ حمدوك محادثات سلام مع الجماعات المتمردة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، الولايات الثلاث التي كانت مسرحًا لنزاعات دموية في عهد البشير.

تحديات متداخلة تواجه السودان
وبالنسبة إلى الباحث في مجموعة «نوريا» الباريسية، كليمان ديزاي، فإن السودان يواجه «تحديات متداخلة»، موضحًا أن «الأزمة الاقتصادية هي التحدي الأول الذي يتعين مواجهته، وبناء على هذا سيتم الحكم على الحكومة».

ويضيف أن «الأزمة الاقتصادية لن تحل إلا إذا جرى إصلاح مؤسسات الدولة، وتمت تسوية النزاعات في البلاد». لكن شطب السودان من القائمة الأميركية السوداء لن يحدث إلا بإيجاد حل لقضية التعويضات المالية لأسر ضحايا الاعتداءات التي شنها تنظيم «القاعدة» على سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا في 1998 وعلى المدمرة الأميركية «يو إس إس كول» في 2000، وهي هجمات أكد القضاء الأميركي وجود ضلع للخرطوم بها.

اقرأ أيضا «يا ماشي لبيتك شيل معك نفرين».. مبادرة شبابية لمواجهة أزمة المواصلات في السودان

وبانتظار تسوية هذه القضية وإزالة السودان من القائمة الأميركية السوداء فإن رجال وسيدات الأعمال السودانيين، من أمثال الفاتح، يلجؤون إلى وسائل بديلة عن النظام المصرفي لإجراء تحويلاتهم المالية التي غالبًا ما تحصل عن طريق شركات تحويل أو صرافة خارج السودان، مما يكبد الاقتصاد السوداني خسائر كبيرة.

أسباب متعددة لتعثر الاقتصاد
والعقوبات الأميركية ليست السبب الوحيد لاعتلال الاقتصاد السوداني، فالبلاد خسرت ثلاثة أرباع احتياطاتها النفطية منذ انفصل الجنوب في 2011، والرئيس المخلوع هو أيضًا، في نظر صناعيين من أمثال الفاتح، مسؤول عن «تدمير» الاقتصاد الوطني.

وتقول مديرة المصنع الذي ينتج الزيت من أربعة محاصيل سودانية هي الفول السوداني وبزر القطن وعباد الشمس والسمسم الأحمر ويشغل 400 عامل، فضلاً عن 150 موسميين إن «النظام السابق لم يقم بأي تنمية، ومن غير تنمية لا إنتاج. لم يستثمر في الزراعة. لم يستثمر في الصناعة».

وتضيف أثناء وقوفها أمام ماكينة ضخمة لتقشير الفول السوداني، غطت القسم الأكبر من زواياها شباك عناكب؛ لخروجها من الخدمة منذ فترة طويلة إن «النظام السابق دمر الصناعة في السودان، ببساطة»، حسب «فرانس برس».

المزيد من بوابة الوسط