شهدت سقوط 27 قتيلا بين المتظاهرين.. القصة الكاملة للمواجهات الدامية في جنوب العراق

إطارات مشتعلة في كربلاء جنوب بغداد، 26 نوفمبر 2019 (أ ف ب)

شهدت مدن في جنوب العراق مواجهات دموية بين المحتجين وقوات الأمن العراقية سقط خلالها 27 قتيلا بين المتظاهرين الذين شيعوا جثامين الضحايا متحدين حظر التجوال الذي فرضته السلطات.

ووفق «فرانس برس»، أعلنت السلطات المحلية في مدينة الناصرية الحداد ثلاثة أيام. ويأتي ذلك غداة قيام متظاهرين بإضرام النار في القنصلية الإيرانية في مدينة النجف المقدسة لدى الشيعة.

بدأ إطلاق النار منذ الصباح الباكر في الناصرية وأدى إلى مقتل 25 شخصا وإصابة أكثر من 200 آخرين بجروح بحسب مصادر طبية، عند محاولة القوات الأمنية تفريق التظاهرات. فيما قتل متظاهران بنيران القوات الأمنية خلال اشتباكات وقعت قرب القنصلية الإيرانية التي أضرمت فيها النيران الأربعاء.

وعلى إثر الأحداث الدامية قرر رئيس الوزراء إقالة القائد العسكري الفريق جميل الشمري بعد ساعات من تعيينه مسؤولا عسكريا على هذه المدينة التي تشهد منذ أيام احتجاجات متواصلة. واتهمت منظمة العفو الدولية القوات العراقية باستخدام العنف المفرط على مدى شهرين ودعت المجتمع الدولي إلى التدخل لوقف «سفك الدماء».

نصيحة بالاستقالة
وأصدر الزعيم الشيعي مقتدى الصدر بيانا دان فيه عمليات القتل، وقال «أنصح الحكومة بالاستقالة وإن لم تفعل فهذه بداية نهاية العراق». وشيع المتظاهرون الغاضبون جثامين الضحايا بعد أن تمكنوا من إضرام النيران بمقر قيادة الشرطة والسيطرة على جسرين رئيسيين. بعد ذلك، حاصر المتظاهرون المقر العسكري الرئيسي في الوقت الذي انتشر فيه أفراد مسلحون من أبناء القبائل المؤثرة في المنطقة على طول الطرق السريعة الرئيسية لمنع وصول تعزيزات عسكرية إلى المدينة.

وجاءت عملية القمع الواسعة التي شهدتها هذه المدينة مسقط رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي بعد ساعات من إعلان تشكيل خلية أزمة عسكرية في المحافظات الجنوبية المنتفضة لإدارة الملف الأمني فيها، واستعادة النظام. وتسلم الفريق جميل الشمري الذي كان قائدا لعمليات البصرة خلال تظاهرات صيف 2018 الدامية، مسؤولية الملف الأمني في الناصرية.

إصلاح النظام
وكان محافظ ذي قار عادل الدخيلي طالب رئيس الوزراء بإبعاد الفريق جميل الشمري لإخلاله بأمن المحافظة، كما دعا إلى «تشكيل لجنة تحقيق ومعاقبة كل من تسبب بسقوط دماء أبناء المحافظة». وفي واحدة من أكثر دول العالم ثراءً بالنفط ومن أكثرها فسادا، يطالب المحتجون منذ الأول من أكتوبر بإصلاح النظام السياسي وتغيير كامل طبقتهم الحاكمة التي يعتبرونها فاسدة. كما يهاجم متظاهرون إيران التي يتهمونها بدعم الحكومة والطبقة السياسية.

370 قتيلا
وارتفعت حصيلة الضحايا في هذه التظاهرات منذ أوائل أكتوبر إلى نحو 370 قتيلا وأكثر من 15 ألف جريح، حسب حصيلة أعدتها وكالة «فرانس برس» بينما لا تصدر السلطات أرقاما محدثة أو دقيقة.

ويقوم المحتجون بإحراق الإطارات وإلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة على القوات العراقية التي ترد عليهم بقنابل مسيلة للدموع ورصاص مطاطي وحي. واندلعت الصدامات الأخيرة الخميس قرب ساحة الاحتجاج في الناصرية حيث قامت قوات الأمن بتفريق المتظاهرين وطردهم من جسرين رئيسيين كانوا يحتلونهما منذ أيام.

وبحسب شهود فإن المتظاهرين الغاضبين أضرموا النار كذلك في فوج المهمات الخاصة بعد سقوط قتلى بين صفوفهم. وبعد ساعات، أعلنت السلطات المحلية حظر تجول. وشوهدت تعزيزات عسكرية منتشرة حول أطراف المدينة فيما كان يجري تفتيش جميع السيارات والأشخاص الداخلين إلى الناصرية.

وقامت السلطات باتخاذ خطوة مشابهة في مدينة النجف، التي بدت شوارعها شبه مقفرة صباح الخميس إثر الحظر المفروض فيما أعلنت الإدارة المحلية عطلة رسمية للموظفين. من جهة أخرى، طالبت إيران العراق الخميس باتخاذ «إجراءات حازمة ومؤثرة» ضد «العناصر المعتدية» على قنصليتها في مدينة النجف الشيعية المقدسة.

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية عن المتحدث باسم وزارة الخارجية، عباس موسوي «استنكاره الاعتداء» على القنصلية الإيرانية، موضحة أنه «تم إبلاغ السفير العراقي في طهران رسميا بشأن احتجاج إيران الشديد في هذا الخصوص».

إيران بره
وفي وقت متأخر من ليل الأربعاء، أحرق متظاهرون إطارات وأشياء أخرى مما تسبب بسحب دخان. وقبل ذلك، اقتحم المتظاهرون المبنى الذي أخلي من موظفيه الدبلوماسيين مسبقا، وسط هتافات «إيران بره بره، بغداد تبقى حرة». وتعرضت القنصلية الإيرانية في مدينة كربلاء المقدسة في العراق في وقت سابق من هذا الشهر لهجوم مماثل من قبل المحتجين. لكن قوات الأمن المسؤولة عن حمايتها أطلقت النار عليهم، مما أسفر عن مقتل أربعة منهم.

وتربط إيران والعراق علاقات وثيقة لكن معقدة. فقد تواجه البلدان في حرب مدمرة بين عامي 1980 و 1988 لكن إيران لديها الآن نفوذ كبير بين القادة السياسيين والعسكريين العراقيين. وعقد قائد فيلق القدس الإيراني الجنرال قاسم سليماني المسؤول عن الملف العراقي عدة اجتماعات في بغداد والنجف لإقناع الفصائل السياسية برص الصفوف ودعم حكومة عبدالمهدي.

وقد مهدت تلك الاجتماعات في السابق الطريق لقمع محدود للتظاهرات في بغداد والجنوب. ويبدو أن الرد الأمني الخميس كان منسقا في جميع المحافظات التي تشهد تظاهرات. فقد أعلنت القيادة العسكرية أنه «تم إنشاء خلية أزمة تحت إشراف المحافظين» من أجل «فرض الأمن واستعادة النظام».

وفي مدينة كربلاء الواقعة على بعد 100 كيلومتر جنوب بغداد، اندلعت اشتباكات بين مجموعة تضم نحو 200 متظاهر مع قوات الشرطة قرب مقر الحكومة المحلية. إلى ذلك، واصل المتظاهرون اعتصاماتهم في الكوت والعمارة والحلة -جنوب العاصمة- وسط إجراءات أمنية غير مسبوقة. وفي مدينة البصرة الغنية بالنفط، أعيد فتح معظم الدوائر الحكومية لكن ظلت أبواب المدارس مغلقة مع انتشار قوات الأمن في الشوارع.

المزيد من بوابة الوسط