السودانيات.. شاركن في إطاحة البشير ويطلبن التخلص من عقوبة الجلد وقيود السلطة

سودانيات يتظاهرن ضد السلطة ويطلبن مزيدا من الحرية. (أرشيفية: الإنترنت).

بعد أن شاركت السودانيات في التظاهرات التي أطاحت الرئيس السابق عمر البشير، وتصدرن الصفوف بهتافاتهن وحضورهن القوي، بِـتن يحلمن بعصر جديد في السودان يضمن لهن مزيدًا من الحقوق ويقضي على العنف الممارس ضدهن.

وكالة «فرانس برس» رصدت في تقرير لها المآسي التي تعانيها السودانيات ومحاولتهن لإقرار تشريع يمنع العنف ضدهن، ويضمن لهن حياة كريمة، تلك التي حلمن بها حينما بُحت أصواتهن في الهتاف برحيل البشير ونظامه في أوائل العام الجاري.

يتقطَّع صوت السودانية حليمة عبد الله ثم تتوقف عن الكلام... عيناها اللتان هما بلون شعرها الأسود القصير تأخذان بالاحمرار، فتشد عليهما لكي تحبس دموعها كما فعلت قبل تسع سنوات حين حكم عليها القاضي بمئة جلدة، لكنهما تخذلانها، كما خذلتها عائلتها حينذاك.

اليوم، وبعد إطاحة البشير وإرساء بداية مسار ديمقراطي في البلاد، تأمل حليمة بأن القانون والذهنيات ستتغير أيضًا.

كسر في الشخصية
وتقول حليمة (اسم مستعار) لـ«فرانس برس» إن عقوبة الجلد «تكسر شيئًا في داخلك (...) أصبحتُ أكثر عدوانية وأكثر عنفًا، صار لدي جانب عنيف في شخصيتي وسببه ما حصل لي».

وحليمة (41 عامًا) ناشطة نسوية متحدرة من أسرة يسارية وتحمل درجة ماجستير في دراسات الجندر والتنمية. واُعتُقلت في 2010 بتهمة شرب الخمر، فعلمت على الفور أن عقوبتها ستكون الجلد 40 جلدة.

لكن ما لم تكن تعلمه، بحسب ما تقول، هو أن شخصيتها القوية التي ورثتها عن والدتها، وشعرها القصير غير المستور بمنديل، ولباسها الغربي المختلف في حينه عن هندام عموم السودانيات، ستستفز القاضي لدرجة أن يشدد العقوبة إلى مئة جلدة وأن يصر على أن تنفذ أمامه.

مئة جلدة
وتسترجع حليمة ذات الشعر الأجعد ما حدث معها يومذاك، فتقول: «جلدت مئة جلدة أو ربما أكثر، فبعضها أُعيدَ وأنا لم أكن أعدها». وتضيف: «القاضي كانت لديه مشكلة شخصية معي، مع شكلي... حتى إنه قال لي +نحن (الإسلاميين) في الحكم منذ أكثر من عشرين سنة ولسه في بنات كده؟!».

وتتابع: «قالي لي القاضي أخبريني أنك لست مسلمة لأعطيك ردة». وعقوبة الردة الإعدام. وأدانها القاضي بتهمة إضافية لم تكن في القرار الاتهامي هي الزي الفاضح وحكم عليها بمئة جلدة وغرامة.

وسرعان ما أمر القاضي بإخلاء قاعة المحكمة لتنفيذ العقوبة أمامه، بينما أصر محامي حليمة على أن تنفذ الجلد امرأة مستعينًا بمادة في القانون تنص على ذلك. وكان القاضي يأمر بإعادة الجلدات الخفيفة، ليسمع من بعيد صوت السوط وهو يلسع بعنف ساقي المدانة، كما تروي حليمة.

قانون حسب المزاج
وبحسب منظمات حقوقية، تعرضت آلاف من النساء للجلد بموجب «قانون النظام العام» المطبق في السودان منذ 1996، الذي يقيد الحريات العامة والفردية، وبالأخص حرية المرأة، وينص على عقوبات مشددة مثل الجلد والسجن لفترات تصل لخمس سنوات وغرامات مالية كبيرة.

وتقول المديرة العامة لوحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل في السودان سليمى إسحق شريف (44 عامًا) لوكالة «فرانس برس»: نحن لدينا أصلًا عنف كثير ممنهج ممارَس على النساء للحد من مشاركتهن السياسية والاجتماعية. ولدينا حتى قوانين تلزم أو تحث على ممارسة العنف على النساء، بالقانون.

وتوضح أن قانون النظام العام لا يتضمن ثوابت معروفة معمولًا بها، وليس قانونًا واضحًا بل يطبق وفق مزاج من ينفذه.

وقالت حليمة: «حتى لو كان ما تقوله (الدولة) مجرد كلام لجهة أن هذا القانون سيلغى بكامله وكل القوانين المقيدة للحريات ستلغى وسنصبح جزءًا من المجتمع الدولي والمواثيق الدولية، حتى لو كان هذا مجرد إرادة سياسية من الدولة، أعتقد أنه انتصار لنا».

وشاركت آلاف النساء في التظاهرات التي اندلعت ضد نظام البشير منذ ديسمبر 2018؛ احتجاجًا على ارتفاع سعر الخبز، ثم تحولت إلى مطالبة بسقوط النظام الذي أطاح به الجيش في أبريل الماضي. وتواصلت الحركة الاحتجاجية بعد ذلك إلى حين التوصل إلى اتفاق بين منظميها والمجلس العسكري الذي تسلم الحكم بعد البشير في إطار مرحلة انتقالية تنتهي بانتخابات وحكم مدني.

وتزامنًا مع اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة الذي يصادف، اليوم الإثنين، يعلق كثيرون آمالًا على إحداث تغييرات سياسية واجتماعية في هذه المرحلة.

محاكمة أكثر قسوة
أكثر آلم حليمة أكثر من الجلد في ذلك الوقت هو المحاكمة الثانية التي خضعت لها أمام أسرتها، إذ كانت «أصعب وأقسى». فبعد جلدها، فقدت حليمة الأمل بإمكانية التغيير في السودان، فسافرت إلى الخارج، حيث كانت تعتزم الاستقرار نهائيًّا، لكن الحراك الشعبي الذي طاح البشير أعاد إليها الأمل بإمكانية أن يصبح السودان دولة مدنية، فأعادت فتح مركز للدراسات النسوية كانت اُضطرت لإغلاقه في 2014.

مأساة بائعات الشاي
وتعتبر بائعات الشاي اللواتي ينتشرن في معظم أنحاء الخرطوم، حيث يبعن الشاي والأطعمة على الأرصفة، بدورهن من أبرز ضحايا قانون النظام العام؛ لأن الشرطة تستخدمه لملاحقتهن.

وتؤكد عوضية محمود كوكو (56 عامًا)، التي تنشط في الدفاع عن حقوق بائعات الشاي والأطعمة لـ«فرانس برس» أن حملات الشرطة لا تزال مستمرة ضد «ستات الشاي» اللواتي رفعن قضيتهن لرئيس الوزراء عبد الله حمدوك.

وتقول الناشطة التي منحتها واشنطن في 2016 جائزة «المرأة الشجاعة»: «لغاية الآن هناك كشات (حملات أمنية) وبالأمس اشتكينا لحمدوك أن الشرطة ما زالت تطارد ستات الشاي، لماذا؟ ألم نقل (إن السلطة أصبحت) مدنية؟ ألم نقل إن الكشة، وهذه الأمور انتهت؟».

وتضيف كوكو الملقبة بـ«ماما عوضية»، كما يناديها الناشطون الشبان: «هناك جذور، وهذه الجذور يجب أن تقتلع، يجب أن نقتلعها نحن. هذه الثورة ملكنا نحن النساء»، في الوقت ذاته كانت تسكب الشاي من إبريق ضخم تحت شجرة تقيها شمس الخرطوم الحارقة.

المزيد من بوابة الوسط