آلاف اللبنانيين يحتفلون شعبيا بذكرى الاستقلال ويطالبون باستقلال جديد

متظاهرون يرفعون الأعلام اللبنانية في ساحة الشهداء في وسط بيروت 22 نوفمبر 2019 . (فرانس برس)

أحيا اللبنانيون، الجمعة، الذكرى السادسة والسبعين لاستقلال الجمهورية، وسط أجواء احتفالية وحماسية لم تعهدها هذه المناسبة الوطنية سابقا، يحدوهم الأمل باستقلال جديد، على وقع الاحتجاجات غير المسبوقة التي تعم البلاد منذ أكثر من شهر، مطالبة برحيل الطبقة السياسية.  

وبينما اقتصر الاحتفال الرسمي على عرض عسكري رمزي في مقر وزارة الدفاع، ملأ عشرات الآلاف من اللبنانيين وبينهم مغتربون عادوا خصيصا للمشاركة في الذكرى، الشوارع، ونظموا في وسط بيروت عرضا مدنيا بعد وصول مسيرات من مناطق عدة رافعة الأعلام اللبنانية ولافتات تطالب بمحاسبة الفاسدين وبحياة كريمة.

وانتظم المتظاهرون في مجموعات متعددة في ساحة الشهداء في بيروت، عمال ومهندسون وأطباء ومدرسون وطلاب وأمهات وبيئيون وموسيقيون، وتقدم كل مجموعة حملة الرايات، وسارت المجموعات تباعا أمام الجمهور الذي احتشد على ضفتي شارع تم استخدامه كمنصة على وقع التصفيق وأغان وطنية.

وقالت جلنار مخيبر (16 عاما) لوكالة «فرانس برس»: «أهمية ما يحصل اليوم هو أن لبنان يتوحد مجددا. ينسى اللبنانيون اليوم سنوات الحرب الأهلية ويتابعون ولادة لبنان الجديد».

وتابعت: «عرض الاستقلال المدني هو للتأكيد أنه من حق كل مواطن المشاركة فيه»، بعدما كان يقتصر منذ عقود على العسكريين وأركان السلطة، ووصل كارل في الأربعينات إلى ساحة الشهداء بثياب رياضية على دراجته الهوائية التي زينها بعلم لبنان. وقال لـ«فرانس برس» بفخر: «كلنا هنا يد واحدة لنبني لبنان الجديد».

ونال لبنان في 22 نوفمبر 1943 استقلاله عن الانتداب الفرنسي منذ العام 1920، قبل أن يتم جلاء آخر القوات الفرنسية من البلاد في العام 1946، ليشكل ذلك آخر محطة يجمع اللبنانيون على رواية موحدة لها.

وجراء الانقسامات السياسية الحادة منذ قيام الجمهورية، لا يتفق اللبنانيون على رؤية موحدة للأحداث الكبرى التي طبعت مسار الحياة السياسية على مدى عقود، لا سيما الحرب الأهلية (1975-1990) التي تربع العديد من أمرائها على مقاعد السلطة، ويطالب المتظاهرون اليوم برحيلهم.

وجدنا كرامتنا
في موازاة الأجواء الاحتفالية في بيروت، أقيم صباحا عرض عسكري مختصر في مقر وزارة الدفاع قرب بيروت، بمشاركة رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة المستقيل تحت ضغط الشارع سعد الحريري، إلى جانب عدد من الوزراء وقادة عسكريين وأمنيين.

ويشهد لبنان منذ 17 أكتوبر تظاهرات غير مسبوقة بدأت على خلفية مطالب معيشية. ويبدو الحراك عابرا للطوائف والمناطق، ويتمسك بمطلب رحيل الطبقة السياسية بلا استثناء، إذ يأخذ عليها المحتجون فسادها ويتهمونها بنهب الأموال العامة.

وأجمع العديد من المتظاهرين على أن لعيد الاستقلال نكهة خاصة هذا العام. وقال وجد عواد (28 عاما) نريد أن «نأخذ استقلالنا من سلطات فاسدة تتحكم بنا منذ سنوات وسنوات».

واعتبر أن ما شهده الشارع اليوم هو «انتصار» حقيقي للمتظاهرين الذين ملؤوا الساحات والشوارع خلال الأسابيع الماضية، وتمكنوا من منع البرلمان من عقد جلستين تشريعيتين على جدول أعمالهما مشاريع قوانين مثيرة للجدل. وأثمر حراكهم فوز محام مستقل بوجه أحزاب السلطة على رأس نقابة المحامين في بيروت.

وبعد أسابيع من استقالة الحريري، لم يحدد رئيس الجمهورية بعد موعدا لبدء استشارات نيابية لتسمية رئيس حكومة جديد، في ظل انقسام بين أركان السلطة حول شكل هذه الحكومة التي يريد المتظاهرون أن تضم اختصاصيين مستقلين لتتمكن من حل الأزمات الاقتصادية والمالية الخانقة.

واستفاق المتظاهرون صباحا على إقدام مجهولين على إحراق مجسم لقبضة عملاقة في وسط بيروت رفعت قبل أسابيع، وتعتبر بمثابة «رمز الثورة» فتم مساء إحضار مجسم جديد إلى الساحة تمهيدا لرفعه، بعدما تطوعت شركة خاصة لإنجازه بسرعة قياسية.

وتحولت التظاهرة في بيروت مساء إلى احتفال في الهواء الطلق على وقع موسيقى عربية وغربية ألهبت حماسة المتظاهرين من مختلف الأعمار والمناطق.

لستم وحدكم
ورغم سعي السلطة إلى الالتفاف على مطالبهم، يحتفظ المتظاهرون بأملهم بالتغيير. على هامش مشاركتها في مسيرة خاصة بالفنانين والعازفين انطلقت من الحمرا، قالت ليلى، سيدة في الخمسينات، وهي تطرق طبقين معدنيين أحدهما بالآخر، لـ«فرانس برس»، كانت «أقدام السياسيين على رؤوسنا» قبل التظاهرات، لكن اليوم «وجدنا كرامتنا، مع أن جيوبنا ما زالت فارغة».

وأضافت: «آمل أن يشكل يوم الاستقلال في العام 2019 تحولا» في حياة اللبنانيين.

وليست هذه المرة الأولى التي يتظاهر فيها اللبنانيون بحماسة. ففي العام 2005، شهد وسط بيروت تظاهرات شارك فيها مئات الألوف أعقبت اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، وأدت إلى خروج القوات السورية من لبنان، لكنها جاءت تجاوبا مع نداءات أحزاب سياسية.

وتقول دينا أبو ضهر (55 عاما): «هذه أول مرة يعني لي عيد الاستقلال. نشعر بإحساس مختلف هذا العام»، وجذبت احتفالات الاستقلال لبنانيين مغتربين قرروا المجيء إلى بيروت، بعضهم بمبادرة فردية وآخرون ضمن حملة أطلقتها مجموعة ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي.

ووصل العشرات مساء إلى مطار بيروت الدولي قادمين من دول عدة أبرزها فرنسا، وقالت ماري القادمة من باريس في باحة المطار بينما وضعت العلم اللبناني حول عنقها لقناة المؤسسة اللبنانية للإرسال «جئنا هذه المرة نصنع وطنا يشبهنا».

وقالت سيدة أخرى: «نحن مغتربون في الخارج لكن قلوبنا مع أبناء بلدنا، جئنا لندعمهم ونقول لهم: لستم وحدكم».

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط