لبنان ينتفض من أجل «الاستقلال الحقيقي» بعد 76 عاما من ولادة الجمهورية

صبية لبنانية تهتف خلال تظاهرة في وسط بيروت، 20 أكتوبر 2019 (فرانس برس).

يحتفل اللبنانيون، اليوم الجمعة، بالذكرى السادسة والسبعين لاستقلال الجمهورية، لكن للمناسبة هذه المرة نكهتها الخاصة على وقع الاحتجاجات غير المسبوقة التي تعم البلاد، مطالبة برحيل الطبقة السياسية مجتمعة.

وتقول تمارا الطالبة الجامعية، البالغة 21 عاما، لوكالة «فرانس برس» في وسط بيروت إن هذه هي المرة الأولى التي يتظاهر فيها اللبنانيون من جميع المناطق من دون دعوة وجهها إليهم حزب ما، وضد الأحزاب مجتمعة، مضيفة: «هذا هو الاستقلال الحقيقي، الاستقلال النابع من الداخل».

ومنذ خمسة أسابيع، يتظاهر مئات آلاف اللبنانيين في الشوارع والساحات ضد الطبقة السياسية، التي يتهمونها بـ« الفساد والعجز عن معالجة الأزمات السياسية والاقتصادية المتلاحقة»، في بلد صغير يقوم نظامه السياسي على المحاصصة الطائفية.

اقرأ أيضا «الثورة أنثى».. نساء لبنان يرفعن مطالب خاصة وسط زخم السياسة

ونال لبنان في 22 نوفمبر 1943 استقلاله عن الانتداب الفرنسي منذ العام 1920، قبل أن يتم جلاء آخر القوات الفرنسية من البلاد في العام 1946، ليشكل ذلك المحطة الأخيرة التي يجمع اللبنانيون على رواية موحدة لها.

وجراء الانقسامات السياسية الحادة منذ قيام الجمهورية، لا يتفق اللبنانيون على رؤيا موحدة للأحداث الكبرى التي طبعت مسار الحياة السياسية على مدى عقود، لا سيما الحرب الأهلية «1975-1990» التي تربع العديد من أمرائها على مقاعد السلطة، ويطالب المتظاهرون اليوم برحيلهم.

ويرى وجد عواد، البالغ 28 عاما، أن لعيد الاستقلال معنى جديدا اليوم، قائلا: «نريد أن نأخذ استقلالنا من سلطات فاسدة تتحكم بنا منذ سنوات وسنوات».

وضع غير تقليدي
وبخلاف السائد خلال السنوات الماضية، لم يستضف وسط بيروت العرض العسكري التقليدي بمناسبة عيد الاستقلال، وتمت الاستعاضة عنه بعرض آخر مختصر في مقر وزارة الدفاع على مشارف بيروت شارك فيه الرؤساء الثلاثة رئيس الجمهورية، ورئيس البرلمان، ورئيس الحكومة المستقيل، إلى جانب وزراء وقادة عسكريين وأمنيين.

وأعلنت المديرية العامة للمراسم والعلاقات العامة في رئاسة الجمهورية أنه نظرا إلى الأوضاع الراهنة في البلاد، لن يقام حفل الاستقبال التقليدي السنوي في القصر الجمهوري في بعبدا بمناسبة عيد الاستقلال بعد انتهاء العرض العسكري.

واستفاق المتظاهرون صباحا على إقدام مجهول على حرق مجسم لقبضة عملاقة وضعت في وسط بيروت بعد انطلاق الحراك الشعبي في 17 أكتوبر، إلا أن ذلك لن يثنيهم على ما يبدو من الاحتفال على طريقتهم عبر تنظيم «عرض مدني» في مسيرات ونشاطات متنوعة في المناطق.

وتمكن المتظاهرون من منع البرلمان من عقد جلستين تشريعيتين على جدول أعمالهما مشاريع قوانين مثيرة للجدل، وأثمر حراكهم عن فوز محام مستقل بوجه أحزاب السلطة على رأس نقابة محامي بيروت، وهم يطالبون اليوم بتشكيل حكومة «تكنوقراط» يمكنها أن تبلور حلولا للأزمات الاقتصادية والمالية الخانقة.

ورغم سعي السلطة للالتفاف على مطالب المحتجين، يحتفظ المتظاهرون بأملهم في التغيير، وإن كانت وتيرة التظاهرات تراجعت في الأيام الأخيرة.

احتفالات ومسيرات
وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي دعوة للمواطنين كي يضيئوا ما لديهم من أنوار وشموع في ساحة الشهداء في بيروت وعلى شرفات منازلهم، احتفاء بالاستقلال عند السادسة مساء. وفي مدينة صيدا جنوبا، ينظم المتظاهرون تحركات عدة تحت شعار «الاستقلال ليس فقط عن الانتداب، الاستقلال أيضا عن الظلم والسرقة والفساد والفقر».

ليس بعيدا عن مسجد الأمين في وسط بيروت، انهمك يوسف الغرز البالغ 26 عاما مع ناشطين آخرين في عقد اجتماعات في خيم عدة لتنسيق النشاطات وبينها جلسات يوغا، وأوضح: «بدأ الناس يغيرون عاداتهم وهم يريدون تغيير الأمور من جذورها»، حسب «فرانس برس».

المغتربون يحتفلون
وليست هذه المرة الأولى التي يتظاهر فيها اللبنانيون بحماسة، ففي العام 2005، شهد وسط بيروت تظاهرات مليونية، تلبية لنداءات سياسية، أعقبت اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري، وأدت إلى خروج القوات السورية من لبنان.

وجذبت احتفالات الاستقلال لبنانيين مغتربين قرروا المجيء إلى بيروت للمشاركة، بعضهم بمبادرة فردية وآخرون ضمن حملة أطلقتها مجموعة من الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتقول ترايسي سعد البالغة 23 عاما، من منسقي الحملة وهي مقيمة في أمستردام: «نظمنا أنفسنا في مجموعات للتفاوض على أسعار مخفضة»، لافتة إلى انخفاض أسعار بطاقات السفر من دبي إلى بيروت من 400 إلى 215 دولارا، حسب «فرانس برس».

ومن المتوقع وصول قرابة 600 لبناني في وقت لاحق اليوم، قادمين من دول عدة في الخليج وأوروبا وحتى من أستراليا، على أن يتوجهوا من المطار إلى وسط بيروت للمشاركة في مسيرة جامعة بعد الظهر.

المزيد من بوابة الوسط