حافلات تتحول إلى «مدارس متنقلة» في سورية

أطفال يقفون أمام حافلة تحولت إلى مدرسة متنقلة في مخيم بإدلب السورية، 15 سبتمبر 2019، (ا ف ب)

بين أشجار الزيتون يركض عدد من الأطفال وهم يحملون الكتب والحقائب، ما إن يلمحوا حافلة ملونة، لكنها ليست مثل أي حافلة، فقد تحولت إلى قاعة تدريس لعشرات الطلاب النازحين جراء التصعيد الأخير في شمال غرب سورية.

وقالت وكالة الأنباء الفرنسية إن عشرات المدارس في محافظة إدلب ومحيطها خرجت من الخدمة قبل بدء العام الدراسي، وقد تضرر بعضها من القصف، وتحولت أخرى إلى مراكز إيواء لنازحين فروا جراء المواجهات التي اندلعت جنوب المحافظة، بالتحديد في خان شيخون والمناطق المحيطة بها، بين قوات النظام والمعارضة.

يشكل مخيم عشوائي جديد قرب قرية حزانو في ريف إدلب الشمالي محطة يومية لهذه الحافلة «المدرسة المتنقلة». وأمامها يقف فتيان وفتيات بشكل منظم ثم يصعدون الواحد تلو الآخر إليها بعدما يخلعون أحذيتهم.

الدراسة داخل الحافلة
داخل الحافلة المزينة برسوم متحركة وعليها شعار «العلم نور»، تتوزع طاولات برتقالية بينما تغطي أرضيتها سجادة كبيرة. يأخذ الأطفال أماكنهم قرب النوافذ التي علقت عليها ستائر وبالونات ملونة بانتظار بدء الدرس.

ويقول الفتى حسن عزكور (11 عاما)، وهو نازح من ريف حماة الشمالي، «حين نزحنا إلى هنا، لم يكن هناك مدارس، أحضروا لنا الباصات. وإن ذهبت، نبقى من دون تعليم». ويضيف ببراءة وهو يرتدي قميصا أصفر اللون: «ثمة مكيفات في الحافلات، ولذلك فهي أفضل ألف مرة من المدرسة».

والحافلة غير مخصصة لمراحل دراسية معينة، بل لأطفال تتراوح أعمارهم بين الخامسة والـ12 عاما، يدرسون اللغة العربية والحساب وأحيانا اللغة الإنجليزية والعلوم، لضمان معرفتهم بالمبادئ الأولية علهم يلتحقون بالمدارس لاحقا.

وكان من المفترض أن تفتح مدارس إدلب أبوابها في 21 سبتمبر، إلا أنه مع تخطي أعداد النازحين عتبة 400 ألف، وفق الأمم المتحدة منذ بدء التصعيد، يبدو أن عشرات آلاف الأطفال سيحرمون من التعليم في العام الدراسي الحالي.

وللحؤول دون بقاء الأطفال من دون تعليم، ومع ارتفاع عدد الطلاب النازحين في المخيمات أو المدن أو حقول الزيتون، بادرت منظمة «سيريا ريليف» غير الحكومية، ومقرها بريطانيا، إلى تنفيذ مشروع الحافلات المتنقلة.

نريد مدرسة
يوضح مسؤول التعليم في مشروع الحافلات، فريد باكير، للوكالة، أن المبادرة «مخصصة للأطفال الذين نزحوا أخيرا ولم يتمكنوا من الوصول إلى المدارس بسبب بعدها عن أماكن نزوحهم، إذ إنها عبارة عن حقول زيتون وليست مراكز مدن أو قرى».

وتتنقل حافلاتان حاليا بين بضعة مخيمات عشوائية جديدة في ريف إدلب الشمالي. ومنذ مايو الماضي، استفاد أكثر من ألف طفل من هذا المشروع.

وحذرت منظمة «سايف ذي شيلدرن» (أنقذوا الأطفال) الشهر الجاري من أن آلاف الأطفال يواجهون خطر عدم الالتحاق بالعام الدراسي الجديد، خصوصا أن 87 منشأة دراسية تضررت أو تأثرت جراء القصف، وتحولت 205 مدارس إلى مراكز إيواء للنازحين.

ولا تزال 635 مدرسة فقط من أصل 1193 قيد الخدمة، وفق المنظمة، التي أشارت إلى أن تلك المدارس المتبقية قادرة على استيعاب «300 ألف من أصل 650 ألف طفل في سن الدراسة».

وتؤوي إدلب ومحيطها، التي تسيطر عليها هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا) وتنتشر فيها فصائل معارضة أقل نفوذا، نحو ثلاثة ملايين نسمة، نصفهم تقريبا من النازحين. ومنذ نهاية أبريل، قتل نحو ألف مدني جراء التصعيد، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.

اقرأ أيضا: موسكو وبكين تستخدمان حق النقض ضد مشروع قرار لوقف النار في إدلب بسورية

ليست بديلا
على لوح أبيض صغير، يشرح المعلم درس الحساب، وبعد الانتهاء تبدأ التسلية. ينهمك الطلاب في الرسم والتلوين، ثم يستمعون إلى الأغاني، يرددونها ويصفقون معها.

ومع انتهاء الدروس، يعود الأطفال أدراجهم، بينما تغادر الحافلة على أن تعاود المجيء صباح اليوم التالي. ويعرب راغب حسون، وهو أب لثلاثة أطفال، عن ارتياحه لهذا المشروع ويعتبره «بادرة جميلة»، لكنه ليس بديلا عن المدارس.

ويقول الوالد، الذي نزح أكثر من مرة خلال عامين ونصف العام: «نريد أكثر، نريد خيما للأطفال تصبح مدارس دائمة. لا نريد أن يأتي الباص كل يوم أو يومين، نريد مدرسة على الأراضي التي نعيش فيها».

لا يتمنى حسون المستحيل، فما يريده يطبق في مخيمات أخرى مثل خيمتي الدراسة في مخيم شرق مدينة الدانا في ريف إدلب الشمالي. تتسع الخيمة الواحدة لعدد يتراوح بين ثلاثين وخمسين تلميذا كحد أقصى، إلا أن العدد تخطى أخيرا 375 نتيجة موجة النزوح الأخيرة، وفق ما يقول مسؤول المخيم حمود الصياح لـ«فرانس برس».

ولتوفير التعليم لهذا العدد الكبير، جرى اعتماد دوامين يوميا في الخيمتين، واحدة مخصصة للإناث وأخرى للفتيان. ويوضح الصياح: «أصبح الضغط كبيرا، والوضع التعليمي سيئا»، معقبا: «لا نستطيع أن نقدم لهم المياه ولا الحمامات ولا الإضاءة ولا حتى ساحة للاستراحة».

المزيد من بوابة الوسط