«مافيا الرمال» تستنزف السواحل المغربية

مغربي يصطاد السمك على شاطئ في مدينة المحمدية في 22 ايار/مايو 2019.

بات شاطئ مونيكا القريب من الدار البيضاء، عاريًا إلا من كثيب رملي وحيد لم تطله بعد أيادي ما يعرف بـ «مافيا الرمال» التي تنهب رمال السواحل المغربية، بينما يشهد قطاع البناء نموًّا مطردًا.

وأشار برنامج الأمم المتحدة للبيئة في تقرير حول الاستغلال المفرط للرمال عبر العالم إلى دور «مافيا الرمال» في اختفاء شواطئ مغربية، في سياق تزايد مشاريع البناء على السواحل، ويكشف التقرير، الصادر في مطلع مايو، أن نصف حجم الرمال المستعملة كل سنة في البناء بالمغرب، أي ما يعادل 10 ملايين متر مكعب، يتم جلبها بشكل غير قانوني.

ويتحسر الناشط في مجال حماية البيئة جواد حاضي (33 سنة) على «اختفاء الكثبان الرملية من ساحل المحمدية»، المدينة المحاذية للدار البيضاء، حيث يقع شاطئ مونيكا، وفي خلفية المشهد مبانٍ سكنية مطلة على البحر، ويضيف رفيقه في الجمعية الوطنية لحماية البيئة والسواحل عدنان أفوس: «إذا استمرت الأمور على هذه الوتيرة فلن تبقى سوى الصخور».

ويذكر تقرير الأمم المتحدة أن الرمال هي المورد الطبيعي الأكثر استغلالًا في العالم بعد المياه، وهي مكون أساسي لصناعة الخرسانة. ويتم جرفها من الوديان والشواطئ في مختلف أنحاء العالم، سواء بطريقة قانونية أو غير قانونية، ويقصد ناهبو الرمال شاطئ مونيكا «تحت جنح الظلام ليلًا، خصوصًا خارج موسم الاصطياف» بحسب سيدة تقيم في بيت فاخر قرب الشاطئ. وتضيف: «لكن عددهم تضاءل مع تزايد عدد السكان في المنطقة، وفي كل الأحوال لم يبقَ لهم الكثير لينهبوه هنا».

«شواطئ منهوبة»

وتستهلك مشاريع البناء «المرتبطة بالمنشآت السياحية» الرمال التي يتم جرفها أو اقتلاعها في المغرب، بحسب التقرير الأممي. وينتج عن هذا الاستغلال المفرط استنزاف السواحل وتقلص مساحات الشواطئ. ويحذر التقرير من أن الاستمرار في هذا النوع من المشاريع السياحية يمكن أن يؤدي إلى «تخريب أهم عامل جذب طبيعي للسياح، أي الشواطئ نفسها».

ويعاقب القانون المغربي بالحبس من عام إلى خمسة أعوام على استغلال الرمال بشكل غير قانوني. لكن نهب الشواطئ لا يزال مستمرًّا على طول السواحل المغربية الممتدة على 3500 كيلومتر (بما فيها سواحل الصحراء الغربية) المنطقة المتنازع عليها مع جبهة البوليساريو

وينبه ناشط في جمعية بيئية إلى أن «الرمال تكاد تختفي بالكامل من بعض شواطئ الشمال»، مسجلًا «وجود ضغط كبير على شواطئ طنجة جراء تكاثر المشاريع العقارية». ويورد تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة نموذج شاطئ واسع ما بين مدينتي آسفي والصويرة جنوبًا، حولته «مافيا الرمال» إلى بساط صخري.

ويميز جواد حاضي بين «عمليات النهب الصغيرة كما في المحمدية والتهريب الكثيف الذي يتم عبر شبكات منظمة تستفيد من تواطؤ بعض المسؤولين». وتختلف وسائل نقل الرمال المنهوبة باختلاف مستوى النهب، بين من ينقلها على ظهور الحمير أو الدراجات ثلاثية العجلات أو الشاحنات.

ولا يقتصر نهب الرمال على «المافيات» العاملة خارج القانون، بل يطال كذلك بعض «الأعيان أو البرلمانيين أو العسكريين المتقاعدين الذين يتوفرون على تراخيص قانونية لكنهم يتجاوزون الأحجام المسموح بها»، بحسب حاضي.

خلاء قاحل


يتحدث مدير مقاولة متخصصة في جرف الرمال، رافضًا كشف اسمه عن «مافيا جد منظمة لا تدفع أية ضرائب»، منبهًا إلى أنها تبيع رملًا «لا يخضع للمعالجة والتصفية من الملح»، ولا يطابق بذلك المعايير الضرورية في مواد البناء. ويتابع موضحًا: «تستفيد عناصر هذه المافيا من الحماية على كل المستويات، لا يدفعون شيئًا وكل تعاملاتهم تجري نقدًا دون أي أثر، يتم تبييض الكثير من الأموال في هذه التجارة غير القانونية».

ويكفي إلقاء نظرة من خلال تطبيق على هاتف نقال للوقوف على حجم الكارثة، كما يقول عدنان أفوس، مشيرًا إلى غابة أجهز عليها ناهبو الرمال أو كثبان رملية تحولت إلى خلاء قاحل.

يركز هذا المدافع عن البيئة نظره على شاشة هاتفه ليضرب مثلًا بفضاء في ساحل آسفي (250 كيلومترًا جنوب الدار البيضاء) ويقول متحسرًا: «لقد نهبوا الرمال هنا على امتداد 7 كيلومترات. كان هذا مقلعًا يستغله جنرال متقاعد، لم يعد فيه ما يقتلع».

ولا يخفي نشطاء حماية البيئة قلقهم من حجم هذه الظاهرة، رغم أن السلطات المغربية تجعل حماية البيئة من بين أولوياتها. كما أنها كثفت سياسة التواصل حول هذا الموضوع، خصوصًا منذ استضافة المملكة مؤتمر الأطراف الثاني والعشرين حول المناخ في 2017.

وتؤكد كاتبة الدولة المكلفة التنمية المستدامة، نزهة الوافي، لوكالة «فرانس برس»: «وجود مخطط وطني لحماية السواحل قيد التفعيل»، وتعد كذلك بتبني «آليات تقييم، مع برامج حماية وتثمين الموارد»، دون كشف مزيد من التفاصيل.