في انتظار محاسبة «رأس النظام».. ابتهاج جزائري بالحرب على الفساد

مظاهرات حاشدة بالجزائر تطالب بمحاسبة رموز «نظام بوتفليقة» (ا ف ب)

استقبل الجزائريون بحفاوة شديدة في تظاهراتهم الشعبية، سجن «أباطرة» الفساد من المسؤولين الكبار والأثرياء، رافعين سقف مطالبهم إلى ضرورة إلحاق «رأس النظام» عبد العزيز بوتفليقة بحبس 5 نجوم، في وقت استمروا في الضغط أكثر رفضًا للحوار مع رئيس الدولة المؤقت.

ورفع المتظاهرون الذين احتشدوا بداية من الرصيف المقابل لساحة البريد المركزي وساحة أول مايو بالجزائر العاصمة، في جمعتهم الـ17، جملة من الشعارات والهتافات العاكسة لفرحتهم بالمستجدات المتسارعة في الساحة السياسية خلال الساعات الماضية بعد «الإنزال الحكومي» الذي شهده سجن الحراش، وشددوا على أن فرحتهم لن تكتمل إلا بمحاسبة رأس النظام، الرئيس المستقيل تحت الضغط الشعبي عبد العزيز بوتفليقة، باعتباره المسؤول عن تفشي الفساد في الجزائر طيلة عقدين.

هل من مزيد
وأمام انتشار أمني مكثف وسط العاصمة، طالبت المسيرات الحاشدة بضرورة محاسبة «أفراد عصابة بوتفليقة»، والتسريع بمحاكمتهم، وخاصة رئيس الحكومة السابق أحمد أويحيى المتورط في قضايا فساد بعدما زج به في الحبس المؤقت إلى جانب الوزيرين عبد المالك سلال وعمارة بن يونس.

وفي محيط ساحتي البريد المركزي و موريس أودان احتفى مواطنون بتوزيع علب «الياوورت-الزبادي» مجانًا على المتظاهرين نكاية في أويحيى صاحب مقولة «ليس مطلوبًا من عامة الشعب أكل الياوورت».

اقرأ أيضًا: الجزائر.. هيئات مدنية تطالب بـ«مرحلة انتقالية» لا تتجاوز 12 شهرًا

كما حمل متظاهرون آخرون لافتات كُتب على بعضها «سجن الحراش يقول: هل من مزيد؟»، و«بنيتو الحباس.. تدخلو قاع» أي بنيتم السجون والآن تدخلونها جميعًا.

واستطاع الحراك الشعبي للأسبوع السابع عشر، الحفاظ على سلميته في كل ولايات البلاد إذ يتم تنظيم المسيرات بطريقة محكمة من حي لآخر، فلم يتغاضى المتظاهرون تجديد العهد مع المطالبة بضرورة رحيل «الباءات» بشعار «لا حوار مع العصابة، بن صالح ليس رئيسًا»، وذلك ردًا على عرض الحوار الذي أطلقه رئيس الدولة عبد القادر بن صالح في خطاب، من أجل التوصل إلى توافق لتنظيم الانتخابات الرئاسية.

كما رفض الجزائريون في تظاهرتهم بقاء بن صالح في الرئاسة بعد الفترة الانتقالية المحدّدة في الدستور بتسعين يومًا والتي تنتهي في 9 يوليو بعدما ألغى المجلس الدستوري تنظيم انتخابات الرابع من يوليو على أن يبقى الرئيس الانتقالي في الحكم حتى تسليم السلطة إلى الرئيس المنتخب، علمًا بأن الموعد الجديد للانتخابات لم يتم تحديده بعد.

وعلى مدار الساعات الثماني والأربعين الماضية شهد ما بات يُعرف اليوم بـ«سجن خمس نجوم» أو «سجن الحراش» توافد أسماء وازنة لم يكن الوصول إليها بالأمر الهين، كان أبرزهم رئيسا الوزراء السابقان أحمد أويحي وعبد المالك سلال وأيضًا وزير التجار الأسبق عمارة بن يونس المتهمين بتبديد أموال عمومية وعقد صفقات مشبوهة والإضرار بالاقتصاد الوطني إضافة إلى حبس الجنرال المتقاعد على غديري بتهم تقليد أختام وتزوير استمارات الانتخابات الرئاسية التي ترشح لها في أبريل الماضي قبل أن يُلغيها الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة. ليلتحقوا برجال الأعمال البارزين، منهم علي حداد، وأسعد ربراب، الإخوة كونيناف، محي الدين طكوت، ومراد عولمي.

سجن 5 نجوم
ورافقت مواكب زج أويحيى وسلال ووزير التجارة الاسبق عمارة بن يونس ومتهمون آخرون الحبس المؤقت بسجن الحراش طقوس احتفالية أمام بوابة السجن الرئيسية وبهتافات «كليتوا البلاد يا السراقين» في إشارة إلى تهم الفساد التي يواجهها هؤلاء وأمام احتمال تحويل مئات من الفاسدين، يتساءل الشارع عن مدى قدرة السجن الواسع على استيعاب جميع من جرّتهم التحقيقات في قضايا الفساد.

ويعد سجن الحراش الأكبر من نوعه في الجزائر، وافتتح عام 1915 إبان فترة الاحتلال الفرنسي، وشهد اعتقال كبار الرموز من الحركة الوطنية، من مصالي الحاج، وصولاً إلى عبان رمضان، وجميلة بوحيرد، ورابح بيطاط وحرمه زهرة ظريف، مرورًا بالشاعر الكبير مفدي زكرياء، والشهيد العربي بن مهيدي قبل أن يتحول في سنوات حكم بوتفليقة إلى سجن للصحفيين والسياسيين المعارضين لحكمه.

ولأول مرة في تاريخها تطلق الجزائر أكبر عملية مكافحة الفساد، لاستعادة ثقة الشعب في العدالة بعدما استهدفت كبار المسؤولين السابقين والحاليين.

اقرأ أيضًا: إيداع وزير النقل الجزائري السابق في الحبس المؤقت في قضية فساد

حملة تمهد لحل سياسي
وتمهد عملية مكافحة الفساد الطريق لوضع حل سياسي للأزمة، إذ يتوقع أن يكون هناك حوار يستند إلى خريطة طريق، يتم التفاوض عليها، من شأنها أن تؤدي إلى تنظيم انتخابات رئاسية، ومن ثم عقد مؤتمر وطني مشترك لوضع رؤية لجزائر جديدة.

وقال المحامي والناشط الحقوقي الجزائري حسان براهمي أن إيداع أحمد أويحيى وعبد المالك سلال وعمارة بن يونس السجن والذين سيروا عشر حكومات في ظرف ربع قرن وبميزانية دولة وصلت إلى 600 مليار دولار هو حدث تاريخي في مسار العدالة الجزائرية.

وأشار براهمي في تصريح إذاعي له إلى أن التحقيقات في جرائم الفساد ستطول لأن الجرائم الاقتصادية متعلقة بالصفقات العمومية والمبالغ المالية الضخمة التي نهبت من الخزينة العمومية.

ومن المرتقب أن تجر الحملة أيضًا وزراء ومسؤولين في النظام السابق إلى السجن ذاته مع مثول أمام المحكمة العليا، الأسبوع المقبل، لوزراء النقل السابقون على غرار عمار تو وبوجمعة طلعي وعمار غول وهو رئيس حزب تجمع أمل الجزائر، ووزير المالية السابق كريم جودي ووزير الفلاحة عبد القادر بوعزقي، ووزير الموارد المائية السابق حسين نسيب، بتهم منح امتيازات غير مبررة وإساءة استغلال الوظيفة، واستعمال أموال عمومية على نحو غير مشروع، الى جانب ولاة سابقون.

وكان قائد أركان الجيش الجزائري، الفريق أحمد قايد صالح، سبق له وأن صرح بأن الجيش يحوز على ملفات فساد ثقيلة «أبطالها» مسؤولون سامون ووزراء، وأنه أعطى لجهاز العدالة ضمانات من أجل آداء مهامها في كنف الاستقلال والموضوعية. وأكد قايد صالح في حديثه في 30 أبريل الماضي أن الأمر لا يتعلق «بانتقائية ولا بتصفية حسابات».