إطاحة الباءات الثلاث.. الجزائريون يواصلون الاحتجاج خوفًا من ضياع الحلم

تظاهرات الجزائر (الإنترنت)

احتشد آلاف الجزائريين في شوارع ومدن البلاد الجمعة، للضغط على أعمدة نظامه، الذين يديرون المرحلة الانتقالية، مخافة سرقة حلمهم في انتقال ديمقراطي حقيقي، وسط مواصلة حكومة تصريف الأعمال المناورات لمواجهة السيناريوهات المحتملة.

توحد المتظاهرون الذين كانوا يملئون العاصمة، خلف مطالبات إقصاء رموز النظام من إدارة المرحلة الانتقالية وعلى رأسهم من يوصفون بالباءات الثلاث: رئيس مجلس الأمة (الغرفة الثانية في البرلمان) عبدالقادر بن صالح، ورئيس المجلس الدستوري الطيب بلعيز، ورئيس الوزراء المعين حديثًا نور الدين بدوي.

وبات بن صالح الذي يرأس مجلس الأمة منذ 17 عامًا بدعم من بوتفليقة، مكلفًا بأن يحل مكان الرئيس لمدة ثلاثة أشهر يجري خلالها التحضير لانتخابات رئاسية. أما الطيب بلعزيز الذي ظل وزيرًا لمدة 16 عامًا شبه متواصلة، فيرأس للمرة الثانية في مسيرته المجلس الدستوري المكلف التأكد من نزاهة الانتخابات.

اقرأ أيضًا: في أول جمعة بعد استقالة بوتفليقة.. الحشود الضخمة تعود لوسط العاصمة الجزائرية

رحيل بوتفليقة ليس كافيًا
ويعترض الشارع على أي دور لأعمدة نظام بوتفليقة في المشهد السياسي ففي حال سارت الأمور طبقًا للدستور، فإن بن صالح الذي بقي في منصبه مدة 17 عامًا سيكون الرئيس المؤقت لمدة تسعين يوما، وإذا تعذر عليه ذلك لأي سبب يتولى المنصب بلعيز.

أما نور الدين بدوي قبل ترأسه الحكومة في 11 مارس فكان يشغل على مدى أربع سنوات منصب وزير الداخلية وكُلف بتنظيم انتخابات اعتبرتها المعارضة «مزورة».

دفعت تلك الأسباب، الأحزاب والحركات السياسية المنضمة للتظاهرات على وصف استقالة بوتفليقة بـ«غير الكافية»، رافضة عملية انتقالية تكون في صُلب النظام نفسه، ودعت للتظاهر مجددًا لتحقيق تغيير ديمقراطي حقيقي.

وقال المحامي والحقوقي الجزائري مقران آيت العربي، في نداء إلى الجزائريين، أمس، «بعد رحيل بوتفليقة يطالب الشعب برحيل النظام وبناء الجزائر الجديدة ولكن النظام لا يزال قائمًا ويخطط للبقاء».

ويرى العربي -وهو واحد من قادة الحراك الشعبي- في تصريحات مصورة، أن «المرحلة المقبلة على حسب ما يقال وما هو خطط له ستسير من طرف رئيس مجلس الأمة الذي خدم بوتفيلقة منذ 20 سنة، وتسير أيضًا عن طريق الوزير الأول الذي خدم أيضًا النظام ورئيس المجلس الدستوري أيضًا».

وأضاف: «هم مهندسون وخبراء في التزوير فقد زوروا الانتخابات الرئاسية وتركوا بوتفليقة يحكم لوحده طيلة 20 عامًا، وكانوا يعلمون كل العلم أن رئاسة الجمهورية تحكمها عصابة غير دستورية»، داعيًا الشعب الجزائري إلى الخروج بقوة للاحتجاج ضدهم.

غير أن مراقبين يحذرون من أن يؤدي تنحية هؤلاء الثلاثة إلى فراغ دستوري، رغم أن الجيش الجزائري حريص على أن تتم عملية الانتقالي السياسي في الإطار الدستوري.

مناورة قد تعيد تجربة الحزب التحرير الوطني؟
ومع استقالة بوتفليقة المنتمي لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم، يتطلع الشارع الجزائري للقيام بانتخابات تأخذهم بعيدًا عن حزب الجبهة وأعضائه، واعتماد آليات انتخابية مغايرة.

في وقت يطالب حزب جبهة التحرير، وغيره من أحزاب الائتلاف الحاكم بـ«التمسك بالطريقة الدستورية»، التي تنص على أن يترأس رئيس مجلس الأمة المرحلة الانتقالية لمدة 90 يوما، ليتم خلالها تنظيم انتخابات لاختيار رئيس آخر للبلاد.

وبعد يوم واحد من استقالة الرئيس الجزائري تحت ضغوط الحراك الشعبي والمؤسسة العسكرية، ثبّت المجلس الدستوري شهادة الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية ثم اجتمع مكتب البرلمان الجزائري، تحسبًا لانعقاد الجلسة العلنية لإعلان الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية وتفعيل أحكام المادة 102 من الدستور.

وتبرز معضلة أخرى لدى أحزاب المعارضة والمطالب الشعبية في الوقت الذي لن يكون في صالحهم تهيئة الظروف للتوصل لنظام انتخابي جديد، والابتعاد تمامًا عن أعضاء النخبة الحاكمة في الانتخابات المقبلة، لاختيار رئيس جديد.

وبدت دعوة الحكومة الجديدة جميع المواطنين والمواطنات الذين تتوفر فيهم الشروط إلى إيداع ملفات تأسيس أحزاب سياسية أو جمعيات لدى وزارة الداخلية كمناورة من جانبها للدفع نحو إنشاء تشكيلات أخرى موالية بديلة عن أحزاب السلطة التي سحبت منها الثقة على المستوى الشعبي تحسبا لخوض غمار انتخابات الرئاسة.

ويتذكر الجزائريون، ظروف تأسيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي الموالي للسلطة عام 1997 إبان العشرية السوداء حين فاز في الانتخابات البرلمانية متفوقًا على الحزب الحاكم رغم أنه لم يمض على نشأته سوى 3 أشهر فقط لامتصاص غضب الشارع من استمرار الحزب الحاكم في قيادة البلاد.

وعلى ضوء التطورات اللاحقة يضغط حقوقيون وسياسيون على الجيش لدعم المسار الانتقالي للسلطة عبر عدة سيناريوهات متاحة.

سيناريوهات بديلة لإنجاح المسار الديمقراطي
اقترح الناشط مقران آيت العربي، فتح باب الحوار بين كل أطياف المجتمع، لطرح مشاكل المرحلة والتوصل إلى حلول منها التوصل لتنسيقية وطنية تقدم باسم الشعب وبعد عدة أشهر تتوصل إلى انتخابات حقيقية منبثقة عن إرادة الشعب وليس النظام -وفق قوله.

أما المحامي والنشاط الجزائري مصطفى بوشاشي، دعا إلى أن يتولى رئاسة الدولة شخصية سياسية متوافق عليها من كل الأطراف، وتتمتع بالقبول لدى الشعب لإدارة المرحلة الانتقالية في مدة 6 أشهر، وتعمل على صياغة تشريعات لضمان شفافية الانتخابات الرئاسية المقبلة.

في حل ثان يقترح بوشاشي، تعيين رئاسة جماعية تختار رئيس حكومة توافقيًا لا يكون متحزبًا أو من رموز النظام السابق، يتشاور مع الطبقة السياسية والمجتمع المدني لتشكيل حكومة مهمتها الأساسية تنظيم انتخابات وتصريف الشأن العام.

اقرأ أيضًا: الجزائريون يتظاهرون للجمعة السابعة على التوالي رغم استقالة بوتفليقة

وحسب مراقبين فإن تلك السيناريوهات لن تتجسد إلا عبر التوأمة بين الحلين الدستوري والسياسي من خلال استقالة بن صالح وتعيين شخصية توافقية بين كل الأطياف ومؤسسة الجيش.

وأخيرًا رفض الرئيس الأسبق اليمين زروال بين العامين 94 و99، الذي يحظى باحترام لدى محتجين في الجزائر ورئيس الحكومة السابق مولود حمروش قيادة المرحلة الانتقالية.

وبينما يتواصل الحراك الشعبي والمطالبة بمحاسبة المحيط الرئاسي والتحقيق مع رجال أعمال للتورط في قضايا فساد خلال حقبة بوتفليقة، ظهر الأمين العام لوزارة التكوين المهني ناصر بوتفليقة شقيق الرئيس الجزائري المستقيل في صور أخرى للتأكيد على أنه لا يزال يمارس مهامه بصفة عادية، بخلاف ما جرى تداوله حول وضعه وشقيقه السعيد قيد الإقامة الجبرية.

وهو ما اعتبره نشطاء استفزاز للشارع بسبب ما يعرف بقيادتهما البلاد من خلاف ستار مستغلين ختم الرئاسة ومرض عبدالعزيز بوتفليقة.