محاكمات وفعاليات ساخرة.. كل الطرق تؤدي إلى تنحية بوتفليقة وحاشيته

تظاهرات الجزائر (أرشيفية: الإنترنت)

رافقت احتجاجات ضخمة بالجزائر العاصمة وباقي الولايات، في الجمعة «السادسة» منذ بدء الحراك الشعبي، طرق أكثر تعبيرًا عن رفض استمرار رموز النظام الحالي، فوجد المتظاهرون في الرسائل الساخرة والمسرح والمحاكمات الافتراضية فرصة لإظهار مطالب التغيير الجذري.

وأظهر مئات الآلاف من الجزائريين إصرارًا على تغيير النظام الحالي ورفض تطبيق المادة 102 من الدستور التي تنص على شغور منصب رئيس الجمهورية واستخلافه برئيس مجلس الأمة، فاحتشدوا بميادين وساحات العاصمة في وقت مبكر من صبيحة سادس جمعة من الحراك الشعبي، بل أن عدد كبير منهم فضّل المبيت ليلة الخميس إلى الجمعة في ساحة البريد المركزي، حاملين شعارات تطالب بتغيير جذري للنظام وإجراءات تسبق أي حديث عن إقرار حالة الشغور، في رد صريح على تصريحات رئيس أركان الجيش الجزائري أحمد قايد صالح، المنادية بتفعيل المادة 102 من الدستور والمتعلقة بإقرار شغور منصب الرئيس بسبب المرض.

اقرأ أيضًا: أول تعليق من الجامعة العربية على مطلب الجيش الجزائري عزل بوتفليقة

نهاية الصلاحية
ونزل المحتجون إلى الشوارع وسط العاصمة الجزائرية في أكبر تظاهرة على الإطلاق منذ ستة أسابيع، للمطالبة باستقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة فورًا، وخلال ذلك وصف المتظاهرون في هتافاتهم المسؤولين والوزراء بأنهم لصوص دمروا الجزائر.

وكان حمل شعارات جديدة ساخرة في ساحة البريد المركزي أبرز ما ميز التظاهرات الحاشدة؛ ففي رسالة إلى عدم أهلية بوتفليقة بالحكم منذ عام 2013 تاريخ تعرضه لجلطة دماغية حمل محتجون لافتات كُتب عليها باللغة الفرنسية «المادة 102 من الدستور تاريخ الصلاحية 1999 ونهاية الصلاحية 2013.. يستحسن استهلاكه قبل فوات الآوان»، أما آخرون فشددوا في شعارات أخرى على مصدر السلطة «102، هذا الرقم ليس في الخدمة يرجى الاتصال بالشعب»، فيما كانت اللافتات أكثر إصرارًا على مطالبهم بالتغيير «نطالب بتطبيق المادة 2019 تتمحوا قاع» أي اذهبوا كلكم باللغة الجزائرية.

ولم يفوت الجزائريون في مسيراتهم بتطبيق المادة 7 من الدستور الجزائري، والتي تنص على أن «الشعب هو مصدر كل السلطة» في تأكيد أن الشعب الجزائري وحده هو صاحب القرار الأول والأخير وهو صاحب السيادة والسلطة والكلمة الأقوى.

وحول الجزائريون لحم «الكاشير» وهي وجبة تقليدية منتشرة في الجزائر تشبه «السجق» إلى رسائل سياسية ضمنية أخرى، إذ حمل المتظاهرون بساحة البريد المركزي صنارات للصيد وضعت عليها حبات من الكاشير، للإيحاء بأنه سيتم اصطياد كل رموز النظام.

وطغت أجواء البهجة والتضامن على تظاهرات الحاشدة بعدما وزعت عائلات جزائرية التمور والماء وحضرت وجبات الكسكسي لتقديمها للقادمين من ولايات أخرى.

محاكمات افتراضية
ونظم جزائريون محاكمات افتراضية لرموز النظام «الفاسدين» في قلب العاصمة، فوضعت صور رئيس الوزراء السابق أحمد أويحيى، ورجل الأعمال علي حداد، ورئيس أكبر تكتل عمالي نقابي سيدي السعيد، وشخصيات أخرى فوق وجوه محتجين كان أحدهم يساءل أويحيى حول أسباب تكلمه باسم الرئيس بوتفليقة الذي كان هو الآخر حاضرًا افتراضيًا وجالس على كرسي متحرك ليختتم العرض برفض الجزائريين الصفح عنهم وأن مصيرهم السجن.

أما في ساحة الشهداء وسط العاصمة، فنظم فنانون وشباب مسرحية شخصوا فيها حالة الجزائر خلال حكم بوتفليقة، حيث لاقى العرض تفاعلاً من طرف بقية المتظاهرين الذين التفوا حول الفنانين الشباب وتابعوا تشخيصهم باهتمام.

ويبرز المحتجون الجزائريون من خلال شعاراتهم رفضًا لإشراف رموز النظام الحالي على المرحلة الانتقالية، لاسيما رئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح، ورئيس الحكومة نور الدين بدوي، ورئيس المجلس الدستوري الطيب بلعيز الذي لم يتحرك بعد لتفعيل المادة 102 من الدستور.

ففي خضم الجدل واصرار الحراك على تنحي بوتفليقة من الحكم، كلفت رئاسة الجمهورية الجزائرية عبد القادر بن صالح، رئيس مجلس الأمة، بالمشاركة في أعمال القمة الـ30 لجامعة الدول العربية المزمع تنظيمها في العاصمة التونسية يوم الأحد المقبل.

رمزا الثورة
ولم يفوت الجزائريون في مشاهدهم الإبداعية والسلمية في حراكهم الشعبي، المندلع منذ يوم 22 فبراير استذكار ذكرى وفاة استشهاد كل من عميروش آيت حمودة المعروف بالعقيد عميروش، وأحمد بن عبد الرزاق حمودة أو سي الحواس، وهما ثوريان جزائريان. وحمل المتظاهرون صورًا للشهيدين اللذين قدما حياتهما من أجل استقلال الجزائر عام 1962. ففي يوم 29 مارس 1959 وقع العقيدين في اشتباك عنيف مع قوات الاستعمار الفرنسي واستشهدا فيه معا بجبل ثامر بولاية المسيلة الجزائرية.

اقرأ أيضًا: الحزب الحاكم في الجزائر يرفض خارطة طريق بوتفليقة

وفي تطور مفاجئ قررت إدارة التلفزيون الرسمي بقنواته الثلاث القناة الأرضية والقناة الناطقة بالفرنسية والقناة الثالثة، نقل مظاهرات الجمعة السادسة للحراك عبر عدة مدن بالبلاد، مع استوديو استضاف محللين للحديث عن الأزمة الراهنة.

وهي الخطوة التي جاءت بعد أيام من إقالة المدير العام للتلفزيون توفيق خلادي، وتعيين المدير السابق للأخبار بنفس المؤسسة لطفي بوشريط خلفا له.

شائعات
وفي الأثناء، فندت وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية الأخبار المتداولة حول قيام جهة أمنية بحجز جوازات السفر الدبلوماسية لبعض السياسيين الجزائريين. وأكدت في بيان لها «نذكّر أن هذا الصنف من جوازات السفر يسلم فقط للأشخاص المخولين قانونًا، وتؤكد الوزارة أنه لم يتم سحب أي جواز دبلوماسي من قبل أي جهة كانت».

وتغذي الشائعات الحراك الشعبي بسبب غياب قنوات الاتصال الرسمية خاصة تلك المتعلقة بتهريب أموال طائلة بالعملة الصعبة نحو الخارج وحصول متعاملين اقتصاديين معروفين على قروض مالية بطرق ملتوية و منع سفر عدد من الشخصيات.

ومن جانبها، جددت وزارة الخارجية الأميركية في بيان رسمي لها أملها في أن يتمكن الشعب الجزائري من التعبير بحرية عن إرادته السياسية. وأضافت «نحترم حقوق الجزائريين في التعبير عن أرائهم بسلام وستستمر في ذلك ونرحب بالتزام الحكومة الجزائرية بضمان سلامة جميع المتظاهرين».

وبنهاية احتجاجات الجمعة ينتظر أن تكون حاسمة في الدفع نحو تنحي بوتفليقة لتهدئة الشارع، قبل شهر من انتهاء ولاية الرئيس دستوريًا خصوصًا وأن المجلس الدستوري لم يجتمع بعد لإعلان حالة الشغور واخفق الوزير الأول الجزائري في تشكيل حكومته فيما تخلى جميع حلفاءه عنه وأيدوا قائد الجيش في مقترح أبعاده عن الحكم بسبب وضعه الصحي.

المزيد من بوابة الوسط