اليأس والبؤس يغمران أكبر مخيم للمهاجرين بالدار البيضاء

مهاجر في مخيم أولاد زيان في الدار البيضاء (ا ف ب)

يتجمع مئات المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء في مخيم عشوائي بالدار البيضاء، في ظروف مأسوية تدفع الكاميروني مارسلان إلى القول «هذه ليست حياة... وليس لنا سوى الله».

وزارت وكالة «فرانس برس» هذا المخيم الذي تحول إلى رمز للاجئين الذين لا يملكون مأوى، قبل زيارة البابا فرنسيس المعروف بدفاعه بشدة عن قضايا اللاجئين، المرتقبة السبت إلى المغرب. ويقول اللاجىء الثلاثيني الذي وجد نفسه في المخيم بعد محاولات فاشلة للعبور نحو أوروبا «لم نعد نعول على أحد»، مضيفًا «أرجو على الأقل توفير الأمن والنظافة خصوصًا للقاصرين».

ونشأ المخيم قبل بضع سنوات في ساحة تقع قبالة محطة المسافرين عبر الحافلات في منطقة أولاد زيان الشعبية بالدار البيضاء (غرب). ويضم أكواخًا من أعمدة خشبية وقماشًا تعلوها أغطية بلاستيكية. ويلجأ إليه مهاجرون من جنوب الصحراء تقطعت بهم سبل الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، أو رحلتهم السلطات من نقاط العبور في شمال المغرب.

وتختلف أعدادهم بين فترة وأخرى. و«تفوق أحيانًا ألفي شخص»، بحسب كامارا لاسيني، «رئيس» الجالية المالية في المخيم، والمشرف عليه حاليًا إلى جانب «رؤساء» آخرين يمثلون جنسيات أخرى.

ويوضح المسؤول في جمعية «الجاليات الجنوب صحراوية بالمغرب» ألفا كامارا أن المهاجرين دون مأوى يلجؤون إلى «مخيمات حضرية» تقع عادة قرب محطات الحافلات أو محطات القطارات. ويفسر ذلك «بسهولة الوصول إليها، وكونها توفر على الأقل إمكانية استعمال المراحيض».

وتعمل السلطات على تفكيك المخيمات العشوائية في غابات ضواحي مدن العبور شمالاً، لكن دون توفير أمكنة لإيواء المهاجرين، بحسب مصادر متطابقة. ويعد مخيم الدار البيضاء الأهم حاليًا بعدما فككت السلطات مخيمات مماثلة في فاس (وسط) وأغادير (شمال).

وبات المغرب طريقًا رئيسية لعبور المهاجرين من جنوب الصحراء نحو أوروبا. وأحبطت السلطات سنة 2018 نحو 89 ألف محاولة للهجرة، بينها 29 ألفًا في عرض البحر، بحسب أرقام رسمية.

«لا شيء يتغير»
ويحيط سياج من أعمدة حديدية بالساحة التي تحتضن المخيم. ويعرض بعض اللاجئين للبيع سجائر بالتقسيط وعلب بسكويت على طاولات صغيرة، بينما حول أحدهم خيمة صغيرة إلى ما يشبه محلًا للحلاقة. ويعرض آخرون أطباق أرز تطبخ على موقد على الغاز، بين الأكواخ التي يتكدس فيها المهاجرون.

في الجانب الآخر، يتلهى شبان بلعبة كرة القدم بجانب حاوية قمامة.

ويقول ناشط في إحدى الجمعيات يفضل عدم كشف هويته أن المخيم «يشكو من انعدام النظافة والعنف وبنيات مافيوزية». ويشير إلى أن جمعيات وفرت حاوية مياه للشرب، وتساعد على إزالة الأزبال في غياب أي دور للسلطات.

ويعاني اللاجئون من صعوبات للحصول على مياه الشرب والولوج إلى مراحيض والخدمات الطبية. وسجلت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان خمس وفيات السنة الماضية في مخيم ضاحية الناظور (شمال) «بسبب أمراض ناتجة عن التلوث». ويلخص مهاجر من بوركينا فاسو معاناة اللاجئين قائلًا «إننا ننام حيث نتبول». وفضلاً عن افتقاد شروط النظافة والمعاناة للحصول على المياه، أكثر ما يخشاه المهاجرون هو الترحيل نحو وجهات أبعد جنوبًا.

ويقول مهاجر سنغالي «إذا كان البابا سيتحدث عنا في المغرب، فإنني أود لو يعرف العالم معاناتنا، لكنني أخشى أن يلقى علي القبض وأرحل بمجرد أن تظهر صورتي». ويستطرد رفيقه القادم من ساحل العاج «في كل الأحوال لا شيء يتغير (...). لا جدوى من الحديث بوجه مكشوف والتعرض لخطر الترحيل».

ويتم نقل المهاجرين الموقوفين في حافلات نحو وجهات في جنوب المملكة، أو نحو بلدانهم الأصلية. لكن كثيرين منهم يعودون مجددًا إلى الشمال على أمل العبور نحو أوروبا. وسجلت تقارير حقوقية «هجمات عنيفة للقوات العامة» في عمليات ترحيل مهاجرين خلال الأشهر الماضية.

ويقول مدير الهجرة ومراقبة الحدود بوزارة الداخلية المغربية خالد الزروالي لوكالة «فرانس برس» إنه تمّ «إبعاد» نحو 9000 مهاجر منذ بداية السنة «بموجب القانون الذي يتيح للسلطات الإدارية منع أشخاص لا يتوفرون على أوراق إقامة من ولوج أماكن معينة».

ويؤكد الزروالي أن الأمر لا يتعلق بـ«ترحيل قسري» للمهاجرين، بل هو تطبيق للقانون من أجل إبعادهم عن شبكات الاتجار بالبشر. ويشير أيضًا إلى أن السنة الماضية شهدت 5500 حالة عودة طوعية لمهاجرين نحو بلدانهم الأصلية.

«الرحيل ليس هدف الجميع»
ويرفض كثيرون أن تظهر صورهم في وسائل الإعلام. ويقول مهاجر سنغالي «الكثيرون هنا حاصلون على دبلومات (...) لا نريد أن ترى عائلاتنا صورنا وسط هذا البؤس». ويشير آخرون إلى «توتر» الأوضاع داخل المخيم بفعل صدام بين مهاجرين كاميرونيين وغينيين، ما استدعى وساطات من «رئيس» المخيم لتهدئة الأوضاع.

ويشكل الأمن هاجس اللاجئين. وشهدت المنطقة مواجهات بين مهاجرين وشباب الأحياء المجاورة سنة 2017، كما تعرض المخيم إلى أربعة حرائق السنة الماضية. ورغم هذه الحوادث يشعر مارسلان «أن الاندماج في المغرب ممكن وأسهل بالنسبة للمسلمين خصوصًا». ويأمل أن «تسوى أوضاع القاصرين على الأقل».

ويستطرد كامارا لاسيني «الكثيرون لا يعرفون المغرب سوى كمحطة، لكن آخرين يفضلون تسوية أوضاعهم للعمل أو الدراسة». ولا يعرف عدد المهاجرين غير النظاميين في المغرب. وسوت السلطات أوضاع نحو 50 ألفًا منهم ابتداءً من 2014.

ومنح الاتحاد الأوروبي المغرب السنة الماضية 140 مليون يورو لدعم جهوده في مواجهة الهجرة، منها 30 مليونًا «تمّ تخصيصها لتقوية مراقبة الحدود»، بحسب الزروالي. ويعرب المسؤول بالجمعية المغربية لحقوق الإنسان سعيد الطبل عن أمله في أن «تساعد تلك الأموال على تحقيق اندماج المهاجرين في المغرب».