أزمة الجزائر تدخل «منعرجًا حاسمًا».. «انقلاب ناعم» من الجيش يقابله صمت من الرئاسة

صورة مركبة تظهر الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ورئيس أركان الجيش أحمد قايد صلاح. (فرانس برس)1

دخلت الأزمة السياسية في الجزائر منعرجا حاسما بعد التصريح غير المتوقع لرئيس أركان الجيش أحمد قايد صالح عزل الرئيس بوتفليقة، مثيرا بذلك ردود أفعال قوية وسط السياسيين بين من تحدث عن «انقلاب ناعم» على الإرادة الشعبية وبين من يراه حلًا دستوريًا، بينما يبقى الشارع يلح على مطلب رحيل رموز النظام الحالي.

ولا تزال الرئاسة الجزائرية ملتزمة الصمت إزاء دعوة الجيش لتفعيل نصّ المادة 102، لإعلان شغور منصب رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، بداعي المرض والعجز عن ممارسة مهامه، في وقت يلف فيه الغموض كيفية دفع المجلس الدستوري للاجتماع لمعاينة حالة الشغور.

خطوة ليست أخيرة
ويخلف رئيس مجلس الأمة الجزائري عبد القادر بن صالح رئاسة الفترة الانتقالية خلفا لبوتفليقة، لكن لا يحظى بثقة الشارع الذي يشدد على ضرورة رحيل رموز النظام، ما يؤكد توجه السلطة إلى البحث عن شخصية توافقية أخرى في الغرفة العليا بالبرلمان إرضاء للحراك الشعبي.

وتتوالى ردود فعل الطبقة السياسية أين اعتبر جيلالي سفيان رئيس حزب جيل جديد المعارض عزل الرئيس بخطوة ليست بالأخيرة بعد ضغط الجزائريين على السلطة، لتأتي بثمارها، محذرًا من مخاطر متوقعة في حالة تطبيق الدستور في المادة 102 ما يعني بقاء الحكومة والمؤسسات الحالية لتجرى الانتخابات تحت رعايتهم، مضيفًا أن المعارضة والشارع لن يقبل بذلك وسيستمر في الخروج للاحتجاج يوم الجمعة القادمة.

وبالنسبة لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الجزائري المعارض (يسار)، فإن قائد أركان الجيش نائب وزير الدفاع قايد صالح يحاول الانقلاب على الإرادة الشعبية، متابعًا أنهم يريدون تسليم الحكم داخل النّظام نفسه، مطالبًا «بمرحلة انتقالية تؤسس لجزائر جديدة».

نصف حل
لكن أثنت جبهة المستقبل (حزب محافظ) التي ترشح رئيسها عبد العزيز بلعيد للانتخابات الرئاسية السابقة، على دعوة نائب وزير الدفاع الجزائري لتطبيق المادة 102 من الدستور، قائلًا إنها تتقاطع مع نظرة الحزب للخروج من الأزمة التي تشهدها البلاد.

بدورها، طالبت الأحزاب المحسوبة على التيار الإسلامي بمواصلة مسيرات الغضب والمظاهرات للتأكيد على رحيل نظام بوتفليقة كاملًا حتى لا يتم الالتفاف على المطالب الشعبية.

واعتبرت حركة «مجتمع السلم» أكبر الأحزاب الإسلامية في الجزائر في بيان لها، أن الاكتفاء بتطبيق المادة 102 من الدستور لا يتيح تحقيق الإصلاحات بعد الشروع في تطبيقها ولا يسمح بتحقيق الانتقال الديمقراطي والانتخابات الحرة والنزيهة.

وطالبت الحركة، المؤسسة العسكرية بضرورة الاكتفاء بمرافقة الوصول إلى الحل السياسي والتوافق الوطني والمحافظة على مدنية الدولة.

أما نظيره من الإسلاميين رئيس حركة البناء الوطني، عبد القادر بن قرينة فوصف اقتراح قايد صالح بأنه بمثابة «نصف حل، مؤكدًا أن «نصف الحل الثاني هو الاستجابة لمطالب الحراك الشعبي المشروعة».

وأشار إلى ضرورة أن يكون رئيس مجلس الأمة شخصية توافقية بالتشاور، وتعيين حكومة كفاءات، وإنشاء لجنة مستقلة للانتخابات تشرف وتراقب وتعلن نتائجها، مع عزل الأسماء.

من جانبه، أعلن رئيس جبهة العدالة والتنمية عبدالله جاب الله الذي انسحب من مواجهة الرئيس بوتفليقة في أول انتخابات جاءت به إلى السلطة عام 1999، رفضه الاكتفاء بآلية شغور منصب رئيس الجمهورية، واعتبر ذلك «تمديدًا لعمر النظام السياسي القائم منذ عشرين عامًا، وهي تعني التفافًا على مطالب الشعب الجزائري».

ودعا إلى تفعيل البند الدستوري السابع والذي ينص على أن «الشعب مصدر كل سلطة والسيادة الوطنية ملك للشعب وحده».

فراغ دستوري
واستقبلت أحزاب السلطة مطلب الجيش بإعلان حالة الشغور بصدر رحب، وأثنى التجمع الوطني الديمقراطي الحزب الذي يقوده رئيس الحكومة الأسبق أحمد أويحيى على التوجه نحو تفعيل المادة 102 من الدستور.

ويرى الأمين العام السابق لجبهة التحرير الوطني الحزب الحاكم في الجزائر عمار سعيداني، أن المقترح استجابة لمطالب الشعب، وهو قرار دستوري يجنب البلاد الدخول في حالة فراغ دستوري.

وفند سعيداني في تصريح له أن يكون قرار الجيش انقلابًا وإنما يدخل في صلب الدستور، والإجراءت القانونية ستنفذ بحذافيرها.

وينتظر اجتماع المجلس الدستوري الجزائري عاجلًا امتثالًا لنصَّ المادة 102 التي تقول: «إذا استحال على رئيس الجمهوريّة أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير ومزمن، يجتمع المجلس الدّستوريّ وجوبًا، وبعد أن يتثبّت من حقيقة هذا المانع بكلّ الوسائل الملائمة، يقترح بالإجماع على البرلمان التّصريح بثبوت المانع».
 
وأعلن رئيس أركان الجيش الثلاثاء حرصه على المحافظة على رصيد ثقة شعبه، وأنه يجب أن يكون مسؤولاً عن إيجاد حل للأزمة السياسية التي تشهدها البلاد، مطالبًا بتفعيل المادة 102 من الدستور والتي تقضي بخلو منصب الرئيس.

وقال إن الوضع في البلاد يظل حاليًا يتميز بمسيرات شعبية سلمية، لكنه نبه إلى أن الحذر من استغلال أطراف معادية في الداخل والخارج، ذات النوايا السيئة للاحتجاجات.

الاحتجاجات متواصلة
وشارك اليوم المئات من موظفي قطاع الغابات وأعوان الحماية المدنية وعمال الميناء وعدة مصانع والطلبة الأساتذة، في مسيرات احتجاجية، في عدة ولايات جزائرية، طالبوا خلالها برحيل رموز النظام.

وشل قباطنة السفن وعمال ميناء أرزيو بمحافظة وهران غرب البلاد، وكذا عمال ميناء بجاية شرق البلاد الميناءين وانضموا بدورهم للحراك الشعبي.

وكان بوتفليقة الذي يحكم الجزائر منذ 20 عامًا، أعلن سحب ترشحه لفترة رئاسة خامسة بعد اندلاع احتجاجات شعبية ضخمة ضده، لكنه لم يعلن تنحيه عن الحكم.

وأجل الرئيس الجزائري الانتخابات التي كان مقررا لها في 18 إبريل القادم، ممددًا فترة رئاسته الحالية، لكنه وعد بدستور جديد ضمن خطة للإصلاح.