تظاهرات السودان.. مرآة للوضع الاقتصادي المنهار و«الانتحار الحكومي» الوشيك

احتجاجات السودان (الإنترنت)

آثار تصاعد الاحتجاجات الشعبية في السودان ضد سياسات الرئيس عمر البشير اهتمام الصحافة العالمية، التي ركزت على ما يعانيه هذا البلد وما شهده على مدار الأيام الماضية من صدامات عنيفة بين المواطنين والشرطة في عدد من المدن، ما أسفر عن سقوط ضحايا.

وذكرت قناة «دويتشه فيله» أن هذه الاحتجاجات، التي وصفتها بـ«تظاهرات الخبز وغلاء المعيشة»، إنما تعكس بشكل جلي «حاجة البلاد إلى حزمة إصلاحات اقتصادية قادرة على وقف تدهور مستوى المعيشة للغالبية العظمى من السكان» وتضع البلاد على عتبة نمو اقتصادي مستديم.

وفي استعراضها لسادس أيام الاحتجاجات الواسعة في الخرطوم وأم درمان ومدن سودانية أخرى، ركزت «دويتشه فيله» على تصريحات الرئيس البشير، الذي وعد بإجراء «إصلاحات حقيقية» في بلاده.

وقال البشير، وفق ما نقلت عنه وكالة الأنباء السودانية الرسمية خلال اجتماعه بقادة جهاز الأمن والمخابرات، إن «الدولة ستقوم بإصلاحات حقيقية لضمان حياة كريمة للمواطنين».

إلا أن الرئيس «الذي جاء إلى السلطة بانقلاب عسكري»، كما تصفه القناة الألمانية، لم يوضح حجم الإصلاحات التي ينوي إجراءها ولا الفترة الزمنية التي سيحتاجها لتنفيذ إصلاحاته كي يشعر المواطن بنتائجها. بينما يؤكد خبراء اقتصاديون ومصرفيون أن على السودان تنفيذ إصلاحات جذرية أو طلب إنقاذ مالي من دول صديقة لانتشال اقتصاده من المنحدر الذي ساعد في إطلاق احتجاجات واسعة تهز البلاد حاليًا.

عجز كبير
وتواجه الحكومة عجزًا كبيرًا في الميزانية بسبب تكلفة دعم الوقود والخبز ومنتجات أخرى. ولتغطية هذا العجز، فإنها عمدت إلى توسيع المعروض النقدي.

وساهمت هذه الخطوة في انخفاض قيمة العملة، ما تسبب في ارتفاع كبير لمعدلات التضخم وهبوط كبير في قيمة الجنيه السوداني، ما أدى بدوره لارتفاع فاتورة الدعم وزيادة عجز ميزانية الدولة.

وأثارت محاولات رفع أسعار الخبز والوقود بهدف تقليص تكلفة الدعم احتجاجات ستدخل قريبًا شهرها الثاني، وهو ما يمثل أطول تحد يواجهه الرئيس السوداني.

ونقلت «رويترز» عن مصرفي سوداني -طلب عدم نشر اسمه- أن «الاضطرابات في الوقت الحالي، وكل ذلك الذي يجري، لا يعدو أن يكون انعكاسًا لتراكم الفقر وبقاء الرواتب كما هي واستمرار ارتفاع الأسعار». وأضاف قائلاً: «لا أحد، ولا حكومة، يمكنها مواصلة ذلك».

لكن البشير ألقى باللوم في الاضطرابات على قوى خارجية، قائلاً الأسبوع الماضي إن السودان «محاصر» اقتصاديًا، فيما قال محتجون تجمعوا مجددًا في وسط الخرطوم إن اللوم يقع على سوء إدارة الاقتصاد والفساد في الحزب الحاكم. ويريد المحتجون تغيير الحكومة.

هذا وأعلنت الحكومة برنامجًا للتقشف طارئًا مدته 15 شهرًا في أكتوبر، لكنها ما زالت تقدم دعمًا كبيرًا للسلع الأساسية.

ويذكر أن سعر البنزين في السودان هو الأرخص في العالم تقريبًا، إذ تحدد الحكومة سعره عند 6.17 جنيهات سودانية للتر، وهو ما يعادل نحو 13 سنتًا أميركيًا، وفقًا لسعر الصرف الرسمي، أو نحو 10.6 سنتات بسعر الصرف في السوق السوداء. ويُباع الديزل بسعر 4.25 جنيه سوداني للتر.

أما بالنسبة للخبز، تدفع الحكومة لتجار القطاع الخاص 680 جنيهًا دعمًا لكل جوال يحتوي على 150 كيلوجرامًا من الدقيق الذي يستوردونه. وقال مصرفي إن سعر الجوال الواحد في العادة يبلغ نحو 1230 جنيهًا. بعد ذلك، تحدد الحكومة سعر البيع بالتجزئة للخبز عند جنيه واحد لكل 40 جرامًا.

ويقول مصرفيون إن الزيادة السابقة في السعر كانت في يناير 2018، عندما تم رفع سعر الرغيف من نصف جنيه، في تحرك أطلق جولة احتجاجات محدودة.

ومن الصعب تقدير أثر الدعم على التضخم بوضوح، لأن وزارة المالية لم تنشر بعد موازنة 2018 أو 2019 على موقعها الإلكتروني. كما لم يتم الكشف عن معظم التكلفة أو تم تحميلها للبنك المركزي، وفقًا لتقارير صندوق النقد الدولي. وتظهر إحصاءات البنك المركزي أن نمو المعروض النقدي زاد من مستوى سنوي منخفض بلغ 14.3% في أبريل 2016 إلى 88.3% في أبريل 2018، قبل أن يتراجع مجددًا إلى 76% في أغسطس.

تعطل آلة طبع الأوراق النقدية
ومع نقص أوراق النقد، فإن معظم الزيادة في المعروض النقدي كانت إلكترونية أو عبر شيكات. وكشف ثلاثة مصرفيين في الخرطوم، لـ«رويترز»، أن نقص أوراق النقد يرجع إلى أسباب من بينها تعطل مطبعة الأوراق النقدية الوحيدة في البلاد في أوائل 2018، ما دفع البنك المركزي إلى المسارعة في طلب أوراق نقدية من الخارج. ويقف العملاء في طوابير لساعات أمام البنوك وماكينات صرف النقود.

كما ذكر مصرفي آخر أن «فضائح علنية» في بنكين منفصلين فاقمت المشكلة، مما تسبب في تدافع محدود على سحب الودائع من البنوك في النصف الثاني من 2018. فيما قال مصرفي آخر إن ارتفاع التضخم أدى إلى قيام العملاء بإفراغ حساباتهم والبحث عن استثمار آخر. وتظهر بيانات رسمية أن التضخم ارتفع إلى نحو 70% في نوفمبر.

إلى ذلك، تلتزم البنوك السودانية باتباع قواعد التمويل الإسلامي، التي تحظر الفائدة، وهو ما يقيد حجم الأموال التي يمكن للحكومة أن تجمعها محليًا من خلال أذون الخزانة والسندات التقليدية. وفي العادة، تلجأ الدول التي تقع في مثل هذا المأزق الخطير إلى صندوق النقد الدولي للحصول على الدعم، في الوقت الذي تنفذ فيه الخطوات المؤلمة التي يطالب بها لتصويب أوضاعها المالية.

لكن واشنطن تدرج السودان كدولة راعية للإرهاب وتعهدت باستخدام حق النقض (فيتو) ضد أي طلب للمساعدة تقدمه الخرطوم إلى صندوق النقد لحين امتثالها لسلسلة من المطالب السياسية والإنسانية والأمنية. وعلى مدى سنوات، تراكم على السودان أيضًا عبء دين خارجي معرقل يفوق الـ50 مليار دولار، معظمه مستحقات متأخرة، بما في ذلك 1.3 مليار دولار مُستحقة لصندوق النقد، وفقًا لتقرير صادر عن الصندوق في نوفمبر 2017.

ومنذ انخفاض أسعار النفط في 2014، كان لدى دول الخليج العربية، الداعم التقليدي للخرطوم، موارد أقل لتقديم إنقاذ مالي للسودان.

على إثر ذلك، حذر مصرفي سوداني من أنه «ما لم يحصلوا على نوع من التمويل الخارجي، سيكون إلغاء الدعم بمثابة انتحار (للحكومة)... هم بحاجة إلى برنامج إصلاح جذري». لكن هل يستطيع نظام غارق في الفساد أن يقدم إصلاحات حقيقية لتحسين أوضاع المواطنين؟ سؤال ينتظر الإجابة في الأشهر القليلة المقبلة.

 

لافتة مناهضة للبشير (الإنترنت)

كلمات مفتاحية