تونسيون يعانون «التمييز العنصري» يأملون بالمساواة

ناديا برجي تتلو آيات قرآنية أمام مقبرة في منطقة سدريان بجربة (ا ف ب)

تعبر نادية برجي، وهي من سكان جزيرة جربة بالجنوب التونسي، عن الأسى إزاء ظاهرة التمييز العنصري التي تعتبر نفسها من ضحاياه كما أمثالها من أصحاب البشرة السوداء في تونس، وتقول بنبرة حزينة، لوكالة «فرانس برس»، التي خصصت تقريرًا لأحوال أمثالها من المواطنين: «من المحتمل أن يتم دفني في مقبرة العبيد».

وفي منطقة سدريان بضواحي حومة سوق، قلب جزيرة جربة النابض، تقع في أرض مهملة «مقبرة العبيد»، حيث يواصل سكان المنطقة دفن موتاهم، بينما يستأثر «الأحرار» (ذوو البشرة الفاتحة) بمقبرتين أخريين في مكانين آخرين.

ويشكل التونسيون السود، وبينهم من يتحدر من أشخاص كانوا مستعبدين، أقلية غير بارزة في الحياة العامة التونسية. ولكن العديد منهم على غرار نادية، يأملون في مساواة أكبر منذ المصادقة على قانون القضاء على كل أشكال التمييز العنصري في تونس الشهر الماضي.

وتقف برجي أمام قبر أمها تقرأ الفاتحة، ثم تقول لـ«فرانس برس»: «تسمية (العبيد) تقلقني جدًا. من غير المعقول أنها لا تزال موجودة». وتتابع الأربعينية العزباء: «اعتدنا على التمييز».

وتفصح قريبتها درة دويري، متأملة قبورًا من تراب مكسوة بالأعشاب الجافة أمامها، عن غضبها من تمييز «عنصري ومؤلم». وتقول الثلاثينية بنبرة ساخرة: «الأدهى أن المقبرة تتواجد بالقرب من مسجد تنطلق منه الدعوات إلى المساواة والاحترام».

ويقر مراد الميساوي الذي يدير إحدى الدوائر البلدية بحومة سوق: «ظاهرة تواجد مقابر للعبيد وأخرى للأحرار صحيحة وتتطلب الدراسة».

ويوضح الميساوي أنه على عكس ما يحصل في المدن الكبرى على غرار صفاقس وتونس، يدفن سكان جربة الموتى دون الحصول على تراخيص من البلدية، مما يسمح لهم بتقسيم المقابر وفقًا للانتماء العائلي والمستوى الاجتماعي وحتى استنادًا للون البشرة.

قانون تاريخي
وتعد تونس من البلدان الرائدة في إلغاء العبودية التي أعلنت زمن حكم البايات العام 1846.

وصادق البرلمان التونسي في التاسع من أكتوبر الماضي على أوّل قانون للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري في البلاد، في نص كان ينتظر بترقب كبير واعتبرته منظمات مدافعة عن الأقليات «تاريخيًا». وقد أقر عقوبات تتراوح بين ثلاث سنوات سجنًا وغرامة مالية تصل إلى خمسة آلاف يورو على من تثبت عليه ممارسة عنصرية.

وتقول رئيسة منظمة «منامتي» للدفاع عن الأقليات، سعدية مصباح، إن إقرار الدولة بوجود تمييز عنصري يعني أن على المؤسسات تطبيق القانون المتعلق به.

وترى أن «العمل الحقيقي يبدأ الآن»، معتبرةً أن هذه المشكلة «متجذرة في عقليات كثير من التونسيين». كما يؤكد الميساوي أنه «لا يوجد انسجام بين النصوص القانونية والواقع».

فلا تزال الدوائر البلدية في جزيرة جربة تؤشر في مضامين الولادة إلى أحفاد العبيد بكلمة «عتيق»، مرفوقًا باسم العائلة التي عتقته، وفقًا لوثائق اطلعت عليها «فرانس برس».

ويتواصل اعتماد هذه التسمية «بمدلولها العنصري» في ظل غياب تعبئة جماعية للضغط من أجل سحبها، وفقًا للميساوي الذي يؤكد أن الدولة لم تأمر البلديات بإلغائها.

تونسيون من الصنف الثاني
ويكشف عدد من سكان منطقة القُصبة التي تبعد نحو 80 كلم عن جربة، وغالبيتهم من ذوي البشرة السوداء، عن غضبهم من الممارسات العنصرية.

ويقول محمد (27 عامًا) وهو يجلس على الأرض في متجره يلعب بالورق: «هذه القرية مهمشة بسبب لون بشرتنا، ليس لدينا مقاه ولا دور ثقافة ولا منشآت جيدة، لا شيء (...) لا يوجد سوى الازدراء».

وبالنسبة إليه، ما يلزم منطقته «خصوصًا هو استثمارات واهتمام بالسكان الذين يشعرون أنهم تونسيون من الصنف الثاني. هذا القانون لا يحمي المنطقة».

وفي منطقة القُصبة، لا يزال الزواج بين رجل أسود وامرأة بيضاء البشرة مرفوضًا. ويقول الستيني والتاجر علي كودي «مهما تكن وسيمًا وغنيًا ستبقى دومًا كحلوش (أسود) ولن يقبلوا بك زوجًا لبيضاء». ويختم «نحن تونسيون فقط على بطاقة الهوية».

المزيد من بوابة الوسط