معركة إيطاليا مع بروكسل تتجاوز المال

جانب من اجتماع لرئيس الحكومة الإيطالية (أرشيفية: الإنترنت)

نشرت الجارديان البريطانية مقالاً لرئيس تحرير صحيفة «لاستامبا» الإيطالية اليومية، «ماوريتسيو موليناري»، يتحدث خلاله عن أزمة مرتقبة بين إيطاليا والاتحاد الأوروبي، وذلك في أعقاب الانتخابات النيابية الإيطالية الأخيرة التي وصفها بـ«الثورة السياسية».

ويتطرق الكاتب إلى غضب حركة «خمسة نجوم» من الاتحاد الأوروبي، معتبرة إياه «السبب الجذري في أزمات إيطاليا الاقتصادية»، في حين أن تلقي «رابطة الشمال» باللوم على الحركة لتخليها عن إيطاليا في أزمة الهجرة التي شهدتها سابقًا.

وإلى نص المقال:

أثارت الانتخابات النيابية الإيطالية الأخيرة في شهر مارس ثورة سياسية. نتائجها الآن تستشعر عبر أوروبا. ثورة كلمة صحيحة لوصف ما حدث. الأحزاب السياسية القديمة من اليمين واليسار أزيحت ببساطة جانباً لصالح حركة خمسة نجوم والرابطة (سابقا رابطة الشمال). كلاهما لم يكن موجوداً حينما تمت الموافقة على الدستور الإيطالي، وكلاهما لم يكن له أي دور في إعادة بناء إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية. وكلاهما لا دور له في تأسيس الناتو والاتحاد الأوروبي. حالياً، أتحدت هاتان الحركتان معا لتعبرا عن قلق الطبقة الوسطى الذي يزداد عمقاً. وهو قلق يؤثر في سلوك المؤسسات بمختلف أنواعها.

ثلاثة أشياء أثارت فعل الاحتجاج هذا في إيطاليا. الأول، عدم المساواة اقتصادياً أو تأثير العولمة التي أدت إلى إفقار إيطاليا عبر رحيل رجالات الأعمال بأعمالهم والوظائف إلى الخارج مما تسبب في إحضار البضائع الأجنبية إلى إيطاليا وبأسعار تنافسية جداً. الثاني، بدأ في عام 2015 وهو وصول المهاجرين من بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط بأعداد غير مسبوقة لم تتعود استقبالها إيطاليا. الثالث، المبالغة في الفساد المزمن الذي أحاق بالبلاد منذ أجيال.

وجدت العائلات الإيطالية نفسها عالقة في رذيلة خانقة: عولمة نقلت المصانع والمعامل للخارج سريعاً وتنافس مهاجرون على وظائف زهيدة الأجور وفساد سيء مثلما هو الحال دائماً.

في عام 2007 لم يستطع خمسة مليون مواطن إيطالي السفر لقضاء إجازة لعجزهم مالياً وهاجر للخارج على أقل تقدير 25 ألف جلهم من الشباب. تأثير الدومينو المتمثل في عدم المساواة والمهاجرون والفساد أثار عدم ثقة تصاعد لولبياً وأدى إلى الاحتجاج ضد أي شيء وضد أي شخص.

الأحزاب التقليدية الإيطالية - بدءًا من الكبيرة: الحزب الديمقراطي وفورسا إيطاليا فشلتا في استيعاب عدم الرضى الواسع لذلك ذهبت الجائزة إلى السياسيين الذين كان بمقدورهم فهمه. في الجنوب كانت حركة خمسة نجوم التي يقودها لويجي دي مايو التي تمكنت من الانتشار - والفضل في ذلك يعود إلى عرضها المسمى «دخل المواطنة» - وهي مساعدة مالية بقيمة 780 يورو شهرياً تمنح للعاطل عن العمل. في الشمال كانت رابطة ماثيو سالفيني التي دعمت حصانين في وقت واحد: ما أطلق عليه (ضريبة ثابتة) لمساعدة الشركات التي تعاني صعوبات، وأسلوب صارم مع المهاجرين. ثمة خطوط واضحة تفصل حركة خمسة نجوم عن الرابطة: قاعدتهما جغرافيا، أفكارهما اقتصادياً، وتكوينهما اجتماعياً. لكن شيئا واحداً مشتركا يجمعهما: عداء للاتحاد الأوروبي.

تتهم حركة خمسة نجوم الاتحاد الأوروبي بأنه السبب الجذري في أزمات إيطاليا الاقتصادية في حين أن الرابطة تلقي عليه باللوم لتخليه عن إيطاليا في أزمة الهجرة. وهذا يفسر لماذا - بالنسبة لأنصار دي مايو وكذلك لأنصار سالفيني- المعركة الحالية مع المفوضية الأوروبية بشأن الميزانية الحكومية المقترحة التي ترى بروكسل أنها تنتهك القيود المفروضة على دول الاتحاد في الإنفاق، هي في الأساس حول الهوية. المواجهة ليست حول العجز ، وتوقعات النمو، والفشل في تخفيض ديون إيطاليا وافتقاد الإصلاح. السبب الجذري هو اعتقاد الائتلاف أنه بتثوير علاقته بالاتحاد الأوروبي ستكون إيطاليا قادرة على استعادة الثقة من جديد والتفاؤل في مستقبل أفضل.

من هنا ينبع التوتر بين روما وبروكسل إذ في حين تحاول المفوضية التفاوض مع جيوفاني ترايا وزير الاقتصاد، لتعديل الميزانية الإيطالية، فإن مصالح سالفيني ودي مايو تتموضع في مواجهة أمامية كاملة مع أوروبا.

هذا ما يجعل المصالحة صعبة جداً، الأمر الذي يعني أن إيطاليا تخاطر بمواجهة مخالفات مالية كبيرة ضدها. وعقوبة كهذة قد تكون رمزاً لكل عيوب الاتحاد الأوروبي التي تأمل رابطة سالفيني وحركة خمسة نجوم دي مايو أن تلعب دوراً رئيساً في انتخابات مايو للبرلمان الأوروبي القادمة. فعندما يعد دي مايو "بإزاحة مؤسسة الاتحاد الأوروبي بعيداً" ويرى سالفيني في الأفق «ثورة هادئة في أوروبا»، فإن ما يجول في رأسيهما هو تكرار نصرهما الانتخابي غير العادي محلياً في الانتخابات الأوروبية، بالتحالف مع الأحزاب الأخرى القومية والمناوئة لأوروبا.

وحالياً، من المستحيل توقع إن كان بإمكانهما تحقيق ذلك، أو ما إذا كان بإمكان الرابطة وخمسة نجوم التعامل بنجاح مع الأزمة المالية التي تلوح في الأفق. شيء واحد مؤكد. قلق الطبقة الوسطى الإيطالية بشأن ما إذا كان عدم المساواة والهجرة والفساد شرارة هذه الثورة سيستمرون في احتلال موقعهم في وسط المسرح في إيطاليا وفي أوروبا حتى يمكن العثور على الإجابات الاستراتيجية.

ترجمة - جمعة أبوكليب

المزيد من بوابة الوسط