من حلب شمالاً حتى درعا جنوبًا.. كيف نجح النظام السوري في معاركه؟

الطريق الرئيسي بين حمص وحماة في وسط سورية (ا ف ب)

يشهد الطريق الرئيسي الممتد من مدينة حلب شمالاً حتى الحدود مع الأردن جنوبًا، على عامين من نجاح استراتيجية اتبعتها قوات النظام السوري في معاركها، وفق محللين، ما مكنها من ضمان أمن الجزء الأكبر من هذا الممر الحيوي.

ويمتد «الطريق الدولي» كما يسميه السوريون، وهو الأطول في البلاد على مسافة أكثر من 450 كيلومترًا بدءًا من مدينة حلب، التي سيطرت عليها قوات النظام بالكامل أواخر العام 2016، ثم يجتاز حقولاً زراعية خصبة ومناطق صناعية وأربع مدن رئيسية.

وفي تقرير لها في هذا الشأن، نقلت «فرانس برس» عن الباحث في معهد الدراسات الاستراتيجية إميل حكيم، قوله: «إنه أمر واضح تمامًا. يكشف التسلسل الزمني للمعارك عن مقاربة عسكرية مترابطة لاستعادة هذا الطريق».

وفي العام الماضي، وبموجب محادثات أستانا برعاية روسيا وإيران، حليفي النظام، وتركيا الداعمة للفصائل المعارضة، بدأ مراقبون دوليون بالانتشار على هذا الطريق الذي يخترق أيضًا محافظة إدلب، في محاولة لعزله عن بقية مناطق سيطرة الفصائل المقاتلة.

وانتشرت قوات النظام في العام 2017 في مناطق واسعة من محافظة حماة (وسط). وتمكنت في الأشهر الثلاثة الأخيرة، بدعم روسي، من استعادة الأحياء الخارجة عن سيطرتها في جنوب العاصمة وطرد الفصائل المعارضة من الغوطة الشرقية قرب دمشق ومن مدن عدة في محافظة حمص (وسط)، تقع جميعها على الطريق ذاته.

وتشن قوات النظام بدعم روسي منذ التاسع عشر من الشهر الماضي هجومًا في الجنوب يستهدف تحديدًا محافظة درعا، حيث ينتهي الطريق السريع عند معبر نصيب الاستراتيجي الحدودي مع الأردن.

ويوضح حكيم أن «أبرز الثروات والمناطق الصناعية والسكنية والبنى التحتية تقع على امتداد هذا الخط».

«شريان» رئيسي

وقبل اندلاع النزاع في العام 2011، شكل هذا الطريق الخط التجاري الرئيسي بين مدينة حلب، وكانت تعد العاصمة الاقتصادية للبلاد قرب الحدود التركية، ومعبر نصيب الحدودي مع الأردن جنوبًا. ولطالما كان ممرًّا للشاحنات المحملة بالسلع والبضائع والسيارات الخاصة الآتية من دمشق، التي قد تتجه في بعض الأحيان غربًا إلى لبنان وشرقًا إلى العراق.

وعمدت الفصائل المعارضة منذ العام 2011 على قطع أجزاء من الطريق في محافظتي دمشق وحمص، قبل أن تسيطر على أجزاء رئيسية منه في العام التالي.

ويوضح الباحث نوار أوليفر، المتخصص في الشأن السوري في مركز عمران للدراسات ومقره إسطنبول، أن خطة النظام للسيطرة على الطريق تزامنت مع بدء روسيا تدخلها العسكري في سورية في سبتمبر 2015.

ويقول: «بدلاً من الاعتماد على القوة الجوية أو الطرقات الفرعية التي ما زالت حتى اللحظة غير آمنة أبدًا، بات هناك طريق رئيسي للتنقل بين الثكنات العسكرية».

ومهدت السيطرة على أجزاء من الطريق قرب حلب وفي محيط حماة، الطريق أمام قوات النظام لتحقيق مزيد المكاسب العسكرية.

ويشرح مصدر في قوات الدفاع الوطني الموالية لقوات النظام، لـ «فرانس برس»، أنه «على رغم وجود طرق عسكرية سواء ترابية أو جوية، لكن الطريق الدولي شكل الشريان الرئيسي للإمداد من وإلى دمشق».

ويمر نحو ثلاثين كيلومترًا من هذا الطريق في مناطق في الغوطة الشرقية وجنوب دمشق، استعادتها قوات النظام بدعم من حلفائها مؤخرًا.

ويلفت المصدر ذاته إلى أن «العمليات العسكرية الأخيرة في الغوطة الشرقية أتاحت المجال لإعادة فتح الطريق بعد ضمان أمن جانبيه سواء من القنص أو قذائف الهاون».

اليد الطولى

وتقترب قوات النظام حاليًّا من السيطرة على الجزء الأخير من الطريق الواقع في محافظة درعا جنوبًا.

وتشكل المحافظة منذ أكثر من أسبوعين هدفًا لعملية عسكرية تشنها قوات النظام بدعم روسي، تمكنت بموجبها من مضاعفة سيطرتها من 30 إلى أكثر من 60 % من مساحة المحافظة.

وسيطرت بموجب اتفاقات «مصالحة» أبرمتها روسيا مع الفصائل المعارضة لوقف القتال، وتعني عمليًّا استسلام الأخيرة، على أكثر من ثلاثين قرية وبلدة قريبة من الطريق. كما دخلت بلدات أخرى بعد مواجهات مع الفصائل.

ويقول أوليفر: «تعتبر درعا شكليًّا آخر منطقة غير مؤمنة واقعة على هذا الطريق».

وإذا كانت لاستعادة السيطرة على درعا، مهد الحركة الاحتجاجية في العام 2011، أهمية رمزية، فإن لإعادة فتح معبر نصيب الحدودي المغلق منذ العام 2015 أهميته الاستراتيجية أيضًا.

ويوضح مدير مركز دمشق للأبحاث الاستراتيجية بسام أبو عبدالله، في تصريحات لـ «فرانس برس»، أن «لكل عمل عسكري بُعده الاقتصادي».

ويشير إلى أن فتح معبر نصيب يعني «تشغيل أو تفعيل الطريق لمصالح اقتصادية».

وتبدو استعادة المعبر مسألة حيوية بالنسبة إلى النظام السوري، لما لذلك من فوائد اقتصادية ومالية ودور في إعادة إنعاش الحركة التجارية.

ويقول الباحث في المركز العربي في واشنطن جو معكرون، لـ «فرانس برس»، إن من شأن ذلك أن «يوفر له قسطًا من الراحة على المدى القصير»، لافتًا الى أن «الحاضنة الشعبية (للنظام) تحتاج مزيدًا من الدخل، ولديها موارد محدودة للغاية».

وبعد ضمان أمن الجنوب، يرجح المحللون أن تتجه قوات النظام إلى الجزء الخارج عن سيطرتها من الطريق في محافظة إدلب، الذي نجحت تركيا مع روسيا في «تحييده» في الوقت الراهن.

ويرى معكرون أن لقوات النظام «في الوقت الراهن اليد الطولى وتسيطر على ثلثي البلاد»، مضيفًا: «بإمكانها البقاء وجني مزيد الفوائد. وفي مرحلة لاحقة يمكنها أن تحاول مواصلة سيرها».