الولايات المتحدة تشعل المواجهات بافتتاح سفارتها في القدس

تدشن الولايات المتحدة، الإثنين، سفارتها في القدس لتحقق الوعد المثير للجدل الذي أطلقه دونالد ترامب رغم الاستنكار الدولي والغضب الفلسطيني منذ أشهر، بينما قُتل فلسطينيان اثنان مع اندلاع مواجهات اليوم على الحدود مع قطاع غزة.

«فرانس برس» استعرضت الأجواء المشحونة في غزة وبالأراضي المحتلة، إذ تشارك ابنة ترامب إيفانكا مع زوجها جاريد كوشنر وكلاهما مستشاران للرئيس إلى جانب مئات الشخصيات من البلدين في مراسم التدشين المقررة اعتبارًا من الساعة 16:00 (13:00 ت غ)، والتي تأتي على خلفية قلق عميق حول استقرار الوضع الإقليمي.

ضحايا المواجهات

وفي الوقت نفسه، وعلى بعد عشرات الكيلو مترات، اندلعت مواجهات صباح الإثنين على الحدود بين قطاع غزة وإسرائيل، مما أدى إلى مقتل فلسطينيين اثنين وإصابة 28 آخرين بجروح، وفق ما أوردت وزارة الصحة الفلسطينية، بينهم خمسة صحفيين فلسطينيين أصيبوا بالرصاص.

وقتل شاب يدعى أنس قديح (21 عامًا) بعد إصابته بالرصاص شرق مدينة خان يونس جنوب القطاع، بينما قتل مصعب أبو ليلة (29 عامًا) شرق مخيم جباليا شمال القطاع.

وبهذين القتيلين، يرتفع إلى 56 عدد القتلى الفلسطينيين منذ بداية «مسيرة العودة الكبرى» التي انطلقت في 30 مارس 2018، للمطالبة بحقهم في العودة إلى أراضيهم التي طردوا منها أو غادروها عند قيام دولة إسرائيل في 1948.

وقال مراسلو «فرانس برس» إن آلاف الفلسطينيين تجمعوا في مناطق مختلفة على طول الحدود، وحاول عدد منهم الاقتراب من السياج الأمني وألقوا الحجارة باتجاه الجنود الذين ردوا بإطلاق النار.

ورأى الناطق باسم حركة «حماس»، حازم قاسم، في بيان أن «الشعب الفلسطيني لن يرضى ولا في أي حال من الأحوال أن يعيش تحت وطأة الحصار المفروض على قطاع غزة»، مؤكدًا أنه «قرر كسر الحصار مرة واحدة وإلى الأبد».

ووقف الشاب بلال فسيفس (31 عامًا) مع زوجته وطفليه عند حافلة في منطقة خان يونس، وقال: «سنصلي في أراضينا اليوم، لا يهم إذا استشهد وأصيب نصف الشعب، سنكمل إلى الداخل حتى يعيش النصف الآخر بكرامة».

وأعلن الجيش الإسرائيلي وضع قواته في حالة تأهب قصوى. وقال السبت إنه سيضاعف عدد وحدات جيشه المقاتلة حول قطاع غزة وفي الضفة الغربية المحتلة، كما ستتم تعبئة نحو ألف شرطي إسرائيلي في القدس لضمان الأمن في السفارة ومحيطها.

ويشكل نقل السفارة، وهو أحد وعود الحملة الانتخابية لترامب، قطيعة مع عقود من السياسة الأميركية والإجماع الدولي، إذ يعتبر وضع القدس أحد أكثر المسائل الشائكة في النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني.

نكبة جديدة

وتدشين السفارة الأميركية في احتفال الإثنين يتزامن مع الذكرى السبعين «لقيام دولة إسرائيل، وفق التقويم الغريغوري.

ويتزامن افتتاح السفارة قبل يوم من الذكرى السبعين للنكبة، عندما تهجر أو نزح أكثر من 760 ألف فلسطيني في حرب 1948.

وصرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الأحد: «ستبقى القدس عاصمة لإسرائيل مهما كان اتفاق السلام الذي تتصورونه».

إلا أن المبادرة الأميركية الأحادية الجانب تثير غضب الفلسطينيين، إذ تشكل تكريسًا للموقف المنحاز بشكل واضح برأيهم للجانب الإسرائيلي والذي يتبناه ترامب منذ توليه منصبه في 2017، وتجاهلاً لمطالبهم حول القدس.

واحتلت إسرائيل الشطر الشرقي من القدس العام 1967 ثم أعلنت العام 1980 القدس برمتها «عاصمة أبدية» في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي.

ويرغب الفلسطينيون في جعل القدس الشرقية عاصمة لدولتهم المنشودة.

وكان إعلان ترامب في 6 ديسمبر 2017 الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس، أثار غبطة الإسرائيليين وغضب الفلسطينيين.

ولا تزال الأسرة الدولية تعتبر القدس الشرقية أرضًا محتلة، وأنه من غير المفترض إقامة سفارات في المدينة طالما لم يتم البت في وضعها عبر التفاوض بين الجانبين المعنيين.

والإثنين، أعلن رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني أن الإدارة الأميركية تتصرف بـ«عدم نضج» وتنتهج «أسلوب المغامرة».

ورأت عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حنان عشراوي، أن افتتاح السفارة في القدس «نكبة جديدة» تحل بالشعب الفلسطيني.

وأكدت عشراوي، في بيان، أن «هذا الانتهاك المتعمد للوضع القانوني للقدس يشكل خرقًا فاضحًا لسيادة القانون الدولي، ويطعن في مصداقية ومكانة الولايات المتحدة في العالم، ويدفع نحو تغذية التطرف والعنف وعدم الاستقرار».

ويعقد مجلس الجامعة العربية اجتماعًا طارئًا بشأن القدس الأربعاء على مستوى المندوبين الدائمين لبحث «سبل مواجهة قرار الولايات المتحدة غير القانوني» بنقل سفارتها إلى القدس.

صديق لصهيون

ونددت 128 دولة من أصل 193 في الجمعية العامة للأمم المتحدة بالقرار الأميركي، ومن بينها دول حليفة للولايات المتحدة على غرار فرنسا وبريطانيا، في تصويت أثار غضب واشنطن وتهديدًا بالرد من قبل سفيرتها لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي.

إلا أن الاستنكار الذي أثارته المبادرة الأميركية من جانب واحد هدأ على ما يبدو وشوارع القدس مليئة بالأعلام الأميركية والإسرائيلية بينما شوهدت لافتات كتب عليها «ترامب أعِد لإسرائيل عظمتها» و«ترامب صديق لصهيون».

ويأتي تدشين السفارة الذي سيتم في مبنى القنصلية بانتظار تشييد مقر جديد في فترة حساسة جدًا. فالفلسطينيون يعتبرون أن الموعد الذي يتزامن قبل يوم على ذكرى النكبة يشكل «استفزازًا».

ويحاذي مبنى السفارة حي جبل المكبر بالقدس الشرقية المحتلة الذي يسكنه عدد من منفذي الهجمات المسلحة، بما فيها هجوم نفذ العام 2015 أسفر عن مقتل إسرائيليين، ومواطن إسرائيلي يحمل الجنسية الأميركية.

وتشهد غزة منذ 30 مارس مسيرات العودة التي يشارك فيها آلاف الفلسطينيين الذين يتجمعون على الحدود، والتي شهدت مقتل 56 فلسطينيًا بأيدي الجيش الإسرائيلي.

وتتهم إسرائيل حركة «حماس» التي تسيطر على القطاع، باستخدام هذه المسيرات ذريعة للتسبب بأعمال عنف. كما يقول الجيش الإسرائيلي إنه لا يستخدم الرصاص الحي إلا كحل أخير.

وتهدف «مسيرة العودة» أيضًا إلى التنديد بالحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ أكثر من عشر سنوات.

ولم يحدث القرار الأميركي بنقل السفارة إلى الآن الأثر الذي كانت ترجوه إسرائيل، إذ لم تعلن سوى دولتان هما غواتيمالا وباراغواي أنهما ستقومان بالأمر نفسه.

المزيد من بوابة الوسط