في ذكرى مئوية ميلاده.. خبراء: جمال عبدالناصر انحاز للفقراء وأهمل الديمقراطية

في 15 يناير من كل عام، تحتفل مصر بذكرى ميلاد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، قائد ثورة 23 يوليو العام 1952، إلا أن احتفال هذا العام (2018) كان له طابعٌ مختلفٌ، لأنَّها الذكرى المئوية للميلاد.

«بوابة الوسط» حاورت عددًا من الخبراء الاقتصاديين والسياسيين للوقوف على تجربة الرئيس الراحل في جميع المجالات ومن كل الاتجاهات، وتحدثوا عن أبرز إيجابياتها وسلبياتها خلال فترة حكمه التي امتدت لـ16 عامًا وشهدت حربي 1956 و1967، فضلاً عن رأيهم في مشاركة مصر بحرب اليمن.

في البداية، قال الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية، أحمد عز الدين، إن ما تبقى من تجربة عبدالناصر، «هو قلب التجربة نفسها ورؤيتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والاستراتيجية»، مضيفًا أن تجربة عبدالناصر السياسية كان لها طابع خاص في إطلاق تحالف قوى الشعب العامل، الذي قام على طبقات الشعب الحقيقي، بما فيها الرأسمالية الوطنية القائمة على قوة الجبهة الداخلية.

وأوضح أن تجربة الرئيس الراحل الاقتصادية قامت على التوازن والعدالة، وعلى إذابة الفوارق بين الطبقات وليس الصراع الطبقي، بحيث تتأسس طبقة متوسطة قوية، أساسها الصناعة والزراعة وتطور البنية التحتية.

وأشار عز الدين إلى أن فكرة بناء جيش قوي من أهم المبادئ التي تركها عبدالناصر، حيث كان يؤمن بأنه لا سبيل لتحرير أرض أو صيانة الوطن دون وجود جيش قوي يستطيع أن يؤدي تلك الوظيفة، مؤكدًا أن إرادة الاستقلال الوطني هي أبرز ما ميَّز فترة عبدالناصر.

«الصراع مع الغرب سيظل قائمًا، والتودد إليه للبحث عن صيغة للمصالحة غير مجدٍ»

وتحدث الخبير السياسي عن المساواة بين الطبقات والتوازن الاجتماعي باعتبارهما من أبرز المبادئ التي تركها الرئيس الراحل، قائلاً: «إنها ليست من تأليف عبدالناصر، لكنه أدرك أن قيمة مصر تتعلق بدورها الإقليمي والعربي، والمكانة الدولية تتوقف على الدور الإقليمي، وإذا لم توجد وحدة بين مكونات المجمتع سيتم اختراق المجتمع من الداخل».

واعتبر عز الدين أن أكبر الدروس المستخلصة من تجربة عبدالناصر، هو أن الصراع مع الغرب مستمر، مضيفًا: «الصراع مع الغرب سيظل قائمًا، والتودد إليه للبحث عن صيغة للمصالحة غير مجدية، فالغرب لا يفهم سوى لغة القوة بمعناها العسكري والمجتمعي والسياسي والاستراتيجي أيضًا، ولا يريد لهذه الأمة أو المنطقة أن تؤدي دورًا له طابع تحرري أو استقلالي يتعلق باستقلال إرادتها».

وشدد الخبير السياسي على أن الغرب استهدف وحارب بشكل أساسي فكرة القومية التي قامت عليها تجربة عبدالناصر، وتابع: «الإقليم في حالة من التشرذم وعدم التوافق وشبه خاوٍ، ولا يؤدي وظيفته الأساسية، كما نرى الآن».

وفيما يخصُّ الأخطاء التي وقع فيها الرئيس الراحل، قال عزالدين إن الأخطاء ظهرت عام 1967، موضحًا أن نقطة الضعف الأساسية كانت في استعداد القوات المسلحة لحرب 1967 وسحب القوات من الحدود وما ترتب عليه من إعطاء إسرائيل فرصة لاحتلال سيناء، وأضاف: «أبرز أخطاء حقبة عبدالناصر كانت عسكرية، فحرب 1967 تحولت إلى فقدان ثقة وحلم كبير للمصريين، ولكن رغم الأخطاء لم يستسلم واعترف بمسؤوليته السياسية عن الهزيمة باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس الجمهورية، وتعلم وبدأ بناء الجيش المصري، وخطة جرانيت التي كانت معدة للعبور التي تم التدريب عليها في هذا التوقيت».

الخطأ الأكبر
وتابع: «الخطأ الأكبر أن عبدالناصر لم يؤسس حزبًا شعبيًا يستطيع أن يدافع عن تجربته بعد موته، فبعد رحيله اعتقل الرئيس الراحل محمد أنور السادات القيادات التي كانت منغمسة في تجربة عبدالناصر في 15 مايو 1971، وحُكم على بعضها بالإعدام، وهي قيادات كان لها رصيد كبير في الانتماء لتلك التجربة.. والغرب لم يكن يريد تكرار تجربة عبدالناصر، فالثورة معدية، ولهذا استمرت الحرب عليه عقودًا بعد وفاته.. وتم الانقلاب على مشروعه».

«الخطأ الأكبر هو أن عبدالناصر لم يؤسس حزبًا شعبيًا يستطيع أن يدافع عن تجربته بعد موته»

ورأى عز الدين أن حرب اليمن كانت ضرورة، وقال: «لولا حرب اليمن لم يكن للجيش المصري أن ينجح في ممارسة نوع من الخنق الاستراتيجي للجيش الإسرائيلي في 1973، سواء على مستوى قواتها العسكرية أو المستوى المدني في إسرائيل.. فالحرب في اليمن وُظفت».

مراكز القوى
وفيما يخص مراكز القوى التي ظهرت في عصر الرئيس الراحل، أوضح عز الدين أنه لم توجد مراكز قوى في عصره، وهذا غير دقيق وغير صحيح، إلا إذا تحدثنا عن تجربة 1967 وهي دور عبدالحكيم عامر كقائد للقوات المسلحة، وما أصاب الجيش المصري، فهذا هو مركز القوى الوحيد الذي أضرّ بمصر، لكن لم توجد مراكز قوى سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية.

«الغرب حارب فكرة القومية في تجربة عبدالناصر»

وأكد عز الدين أن ثورة يوليو كانت تجربة مثل أي تجربة، وتابع: «لا يوجد عندنا نوع من المراجعة النقدية للتاريخ.. وإذا وُجد تقييم حقيقي لن ننقل الأخطاء نفسها من تجربة إلى تجربة.. وهذا لا ينطبق فقط على ثورة يوليو بل يمتد لمجمل التجارب السياسية في مصر والعالم العربي».

من جانبه، قال نقيب الصحفيين السابق، يحيى قلاش، إن عبدالناصر زعيم وطني وحاكم استثنائي في تاريخ مصر، مشيرًا إلى أن تجربته فيها انحياز للغالبية الساحقة والفقراء والطبقة الوسطى.

وأضاف أن الرئيس الراحل كان يعرف دور مصر وعنده وعي بالثوابت الوطنية والقومية، والتي تكون جزء منها قبل توليه الحكم، موضحًا أن المشروع استمد جذور بقائه من أنه ليس مشروع عبدالناصر، ولكنه مشروع وطني مصري عبـّر عنه الرئيس الراحل وتصدى له، وهذا هو سر بقائه إلى الآن، وتابع: «مسطرة جمال عبدالناصر هي بوصلة الشعب للحكم على أي حاكم مصري.. ورغم تغير الظروف، يبقى هو المشروع الحقيقي، لا يمكن أن نقول إن الرؤساء الذين خلفوه يعدّون امتدادًا له».

«شعارات ثورة 25 يناير كانت استدعاء لعبدالناصر ومشروعه»

وقال قلاش: «عنوان مشروع عبدالناصر الأساسي هو العدالة الاجتماعية، واستمر حتى الآن، وظهر ذلك في شعارات ثورة 25 يناير والتي كانت استدعاء لعبدالناصر ومشروعه، فهي كانت عبارة عن العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.. وظل عبدالناصر في وجدان الشعب وحتى الحكام، فأي حاكم يعرف أنه يستمد جزءًا من قيمته ورضا الناس عنه من وضع عبدالناصر في عنوان إيجابي حتى إذا جرى تخريب سياساته، وهو ما نراه بالفعل».

الثورة المضادة
وتحدث نقيب الصحفيين السابق عما وصفه بـ«ثورة مضادة» بعد رحيل عبدالناصر، عملت على القضاء على مشروعه، مضيفًا: «بعد رحيل عبدالناصر، الثورة المضادة لم تُضع كثيرًا من الوقت.. فمحاولات الردّة عليه كانت هدفًا أساسيًا، إلا بصمات عبدالناصر مازالت موجودة رغم محاولات محوها، فمجانية التعليم ووجود صناعات مثل الحديد والصلب والسلاح لا تزال قائمة، كما أن أي حاكم يريد بناء تنمية حقيقية عليه أنْ يبني على ما تركه عبدالناصر.. لكن مشروعه تعرض للتجريف».

وعن الدروس المستفادة من تجربة عبدالناصر، قال قلاش: «رحيل عبدالناصر وما نراه من تداعيات في المنطقة يؤكد أن هذا المشروع الوطني التحرري ما زال هو العنوان الصحيح حتى الآن، فكل ما حدث لأننا حاولنا محو مشروع عبدالناصر وحاول بعض الحكام أن ينضموا تحت راية ما يريده الغرب، وعدنا إلى المربع رقم واحد، وهو أنه لا بديل عن عودة المشروع الوطني الذي كان يحمله عبدالناصر».

«لا بديل عن عودة مشروع عبدالناصر الوطني لحل مشاكل المنطقة»

وتابع: «كثير من المشاكل التي نراها الآن يمكن حلها بالعودة إلى ثوابت مشروع عبدالناصر، الذي انحاز إلى حقِّ الناس في الصحة والتعليم والثقافة، وهو الأمل الحقيقي، كما أن شعار عالم عربي هو الأمل الوحيد في تجنب الأمة العربية لمشاريع الهيمنة الاستعمارية التي لا تتوقف.. نحن لا نمتلك مشروعًا وطنيًا به خلاص للأمة العربية كلها، وبذلك نحن نتحدث عن ثوابت المشروع، وليس التفاصيل».

وأوضح نقيب الصحفيين السابق أن تجربة عبدالناصر كانت بنت عصرها وقابلة للتطور، حيث وجدت محاولات للنقد الذاتي، وكان عبدالناصر أول من مارسها، مضيفًا: «الرئيس الراحل في النهاية يعد تجربة إنسانية يمارسها بشر لهم آمال وطموح ولهم أخطاء.. فعلى سبيل تجربة التنظيم السياسي تطورت من الاتحاد القومي إلى الاتحاد الاشتراكي إلى مناقشة فكرة التعددية في آخر أيامه، وفي نهاية الستينات تم الاستماع لكل الآراء والتوجهات، وبيان 30 مارس كان نقدًا ذاتيًا للتجربة كلها بعد 1967، كما أعلن مسؤوليته الكاملة عن هزيمة 1967، وهو أول حاكم عربي يتحمل مسؤولية هزيمة بهذا الحجم.. وعمل جاهدًا على إزالة آثار العدوان، وهو ما أثر على صحته وتسبّب في وفاته».

مفهوم الديمقراطية
وأكد قلاش أنَّ عبدالناصر كان له منظورٌ خاصٌ لمفهوم الديمقراطية، ولم يفضِّل تحقيق العدالة الاجتماعية على حساب الديمقراطية، مضيفًا: «الرئيس الراحل كان يرى أنه لا توجد قيمة للديمقراطية لشعب جائع غير متعلم.. فمَن يعبِّر عن رأيه يجب أن يكون حرًّا وله حقوقٌ يتمتع بها، وهذا كان مختلفًا عن مفهوم الغرب الاستعماري، كما كانت له رؤية مختلفة للديمقراطية، فهي بمفهومها الشامل أن تكون للمواطن حقوق اجتماعية واقتصادية وحقٌ في التعليم والصحة، وكل ذلك يؤدي إلى الحرية الحقيقية وتحقيق الديمقراطية الحقيقية.. فمسار تحقيق العدالة الاجتماعية كان يجب أن يتوازن ويتلازم مع تعميق فكرة المشاركة والحرية، حتى يستطيع أصحاب المشروع الحقيقيون حمايته من أي انقلاب أو تراجع مثلما حدث بعد عبدالناصر».

صبحي: «تجربة عبدالناصر كبيرة بإيجابياتها وسلبياتها ومن الصعب تكرارها»

في سياق متصل، قال الخبير الاقتصادي في مركز الأهرام للدارسات السياسية والاستراتيجية، مجدي صبحي، إنه لم يتبقَ من تجربة جمال عبدالناصر سوى المبادئ الاجتماعية التي رسخها، والمشاريع الوطنية التي أطلقها في مختلف المجالات، خاصة التعليم والصحة والقطاع العام وإتاحة فرص العمل، لكن الحكومات المتعاقبة تبنت سياسات مضادة لنهجه السياسي والاجتماعي، وبالتالي ساهمت في تدهور شديد في تلك المجالات.

وأشار صبحي إلى أن تجربة عبدالناصر كبيرة بإيجابياتها وسلبياتها، ومن الصعب جدًّا تكرارها، ومن أبرز إيجابياته فكرة الانحياز الاجتماعي بشكل عام للفقراء، وإتاحة التعليم المجاني للجميع، وفرص العمل، وحدوث حراك اجتماعي حقيقي في مصر لأول مرة منذ سنوات طويلة، فضلاً عن تأميم المصالح الأجنبية.

تدوين المناهج
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أهمية تدوين مناهج الإدارة الاقتصادية وقت عبدالناصر، خاصة في فترة التخطيط بين 1960و1965، وقال: «إن تلك التجربة لم تجد العناية الكافية باعتبارها تجربة رائدة ولم تأخذ حقها من الكتابة الجيدة ولم يتم توضيحها بشكل جيد»، وتابع: «الخطة الخمسية الأولى كانت تجربة رائدة في إدارة الاقتصاد وتحقيق نهوض اقتصادي بشكل علمي مخطط سليم».

وأوضح صبحي بالقول: «لم يبقَ كثير من تجربة عبدالناصر، ربما مازالت بعض المصانع التابعة للقطاع العام وبعض السياسات الاجتماعية مثل منظومة دعم المواد الغذائية، إضافة إلى مشروعات كبرى ظهرت مثل قناة السويس، التي جاءت بفضل مشروع التأميم، وأيضًا مشروع السد العالي، الذي حمى مصر في فترات الفيضان سواء العالي أو المنخفض، وتأسست عدة مشاريع قومية مستمرة حتى الآن على وجوده من مشاريع الكهرباء وبعض المصانع في نجع حمادي».

مشكلة الإدارة
وألقى الخبير الاقتصادي مسؤولية عدم استمرار مشروع عبدالناصر أو استمرار المبادئ التي قامت عليه من مساواة اجتماعية على الحكومات المتعاقبة، لتبنيها سياسات اجتماعية واقتصادية مضادة للرئيس الراحل، وقال: «ما نراه الآن، عكس المبادئ الاجتماعية التي قامت عليها تجربة عبدالناصر، حيث يشهد القطاع العام فسادًا وبطالة مقنَّعة، فالسياسات الاجتماعية المطبقة بعد عبدالناصر كانت تتبنى وجهة نظر معارضة تمامًا لما تبناه، إلى جانب مشكلة الإدارة الموجودة في مصر منذ سنوات طويلة، وبالتالي لا يمكن أن ننسب ما يوجد حاليًّا إلى عبدالناصر».

«عبدالناصر حاول إصلاح بعض الأخطاء في آخر أيامه وأدرك أن أسلوب إدارة الاقتصاد لم يكن مناسبًا»

وتابع: «الحكومات المتعاقبة عقب عبدالناصر لم تحاول تصحيح أخطائه سواء اجتماعيًّا أو سياسيًّا، بل تبنت سياسات مضادة له فقط، كتوجه اجتماعي وسياسي وبالتالي بنوا على الأخطاء الموجودة دون التخلص منها لتحقيق الهدف.. عبدالناصر هدف إلى تذويب الفارق بين الطبقات ودعم الفقراء وبالذات في مجالات الاستثمار البشري وبشكل محدد في التعليم والصحة».

سلبيات المكاسب
وأضاف أنَّ مجالي التعليم والصحة شهدا تدهورًا أكبر بعده، لدرجة أن المكاسب الحقيقية لعهد عبدالناصر نتحدث عنها حاليًّا باعتبارها سلبيات، فنجد الطلبة مكدسين في الجامعات، دون الحاجة لهم في سوق العمل ودون تأهيل كافٍ، والوضع في المستشفيات العامة مؤسف، والمرضى يقومون بشراء الدواء بأنفسهم، وبالتالي تم القضاء على الجوانب الإيجابية التي كان من الممكن أن نجنيها من تلك القطاعات أو المصالح.. فالهياكل موجودة لكنها مفرغة.

وحول أكبر الأخطاء التي شهدتها تجربة عبدالناصر، قال صبحي إن الجزء الأكبر من مشكلة عبدالناصر في زمنه هو تكوُّن مراكز اجتماعية ومالية في نتيجة الفساد في بعض المؤسسات، التي تحولت مع سياسة الانفتاح الاقتصادي في عهد أنور السادات، مضيفًا: «التجربة حملت مساوئ كثيرة لم يتم التعامل معها في وقتها وتُركت، أهمها مراكز القوى، وهي من أبرز سلبيات تجربة عبدالناصر سواء عبدالحكيم عامر في الجيش وبعض رجال الإدارة والسياسة الذين تولوا مناصب كبيرة في بعض القطاعات والشركات والمصانع، حيث استغلوا ذلك لصالحهم، إلا أن عبدالناصر حاول إصلاح بعض الأخطاء في آخر أيامه وأدرك أن أسلوب إدارة الاقتصاد لم يكن مناسبًا، وحاول الدفع ببعض المنافسة وغيرها، لكنه لم ينجح».

كابوس مرعب
وعن الدروس التي يمكن استخلاصها من تجربة عبدالناصر، قال صبحي: «لا جدال أنه كان موجودًا في زمن وظروف ليست متوافرة حاليًّا. ففكرة التخطيط الشامل كانت موجودة في البلدان النامية والاشتراكية، والتأميم كانت فكرة منتشرة عالميًّا وليست مستهجنة».

«هزيمة 1967 كلفت مصر حلمًا كبيرًا بأن تتقدم لتكون بلدًا رائدًا في العالم الصناعي»

وبشأن حرب 1967، أوضح الخبير الاقتصادي أن جمال عبدالناصر هو المسؤول الأول عن الهزيمة، وقال: «عبدالناصر السبب في هزيمة 1967، لأنه القائد الأعلى للقوات المسلحة، والهزيمة أثرت على الأمة حتى الآن، ووجود عبدالحكيم عامر في الجيش وقيامه بتشكيل إقطاعية داخله وضع لا يطمئن أي أمة، فوظيفة الجيش الأولى هي الحماية من أي اعتداء خارجي، وعندما حدث الاعتداء لم نكن جاهزين».

وأكد صبحي أن هزيمة 1967 كلفت مصر حلمًا كبيرًا بأن تتقدم لتكون بلدًا رائدًا في العالم الصناعي وفي إقليمها، فالحرب تحولت إلى كابوس مرعب، وانهارت أحلام بعض الشباب والرجال في هذا الوقت وبعضهم فقد عقله.. وبعد الحرب تلقينا ضربة في الصميم أن نكون دولة ذات شأن.

وتابع: «جزء من آثار النكسة، هو اضطرارنا للتركيز الشديد على إعادة تسليح الجيش وبنائه لمحو آثار هزيمة 1967، وبالتالي أثر ذلك كثيرًا على مستويات المعيشة، وكثير من السلع كانت غير موجودة، ولم يعد هناك نقد أجنبي كافٍ لاستيرادها، لأنَّ جزءًا كبيرًا أو معظم الموازنة كانت موجهة لإعادة بناء الجيش وهو ما أثر على مصر بعد ذلك».

وشدد صبحي على أنه كان يمكن تفادي هذه الهزيمة عبر إخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة السياسية، موضحًا: «ما حدث أن عبدالحكيم عامر استقل بالجيش وأصبح دولة داخل الدولة. المؤسسة العسكرية كانت مستقلة ولم تكن محل تقييم من السلطة السياسية، ولم يكن لعبدالناصر قولٌ كبيرٌ، وبالتالي انكشفت في حرب 1967 خلال عدة أيام حيث لم يصمد الجيش.. النظام السياسي يجب أن يكون له قول الفصل في مدى الاستعداد العسكري وقدرة الجيش».

مصادرة الحياة السياسية
وحمَّل الخبير الاقتصادي نظام عبدالناصر مسؤولية المناخ السياسي الخالي في مصر، مؤكدًا أن أخطاء النظام السياسي الموجود حاليًّا من إرث الرئيس الراحل، وتابع: «النظام السياسي نفسه كانت به مشاكل كثيرة، حيث كان شموليًّا يديره حزبٌ واحدٌ خاضعٌ لسيطرة مجموعة محدودة على رأسها الرئيس، وبالتالي فكرة الديمقراطية تلقت ضربة في الصميم.. ورغم أن كثيرين كانوا يدافعون عن ذلك بعدم تساوي المراكز الاجتماعية والاقتصادية، وإذا أُجريت انتخابات فستأتي بالأثرياء لمواقع الحكم والنفوذ، لكن أعتقد أنَّ تلك الآراء غير صحيحة».

«عبدالناصر اختار العدالة الاجتماعية على حساب الديمقراطية وهذه فكرة يجب أن تنتهي»

وأضاف: «بعد العام 1956 كان المناخ مناسبًا لبناء الديمقراطية على أسس سليمة، لكن ما حدث أن النظام كان يقوده أفراد، وبالتالي مصادرة الحياة السياسية لاتزال مؤثرة على البلد إلى الآن.. وما زلنا في الخطوط العريضة رغم وجود أحزاب مختلفة.. موت السياسة في تلك الفترة لا يزال يؤثر على مستقبل تطور مصر السياسي والاقتصادي والاجتماعي إلى الآن».

وأشار إلى أنَّ فكرة التعبئة السياسية من أبرز عيوب نظام عبدالناصر، حيث كانت حكرًا على النظام الحاكم في عهده وبعده، وتابع: «الناس فقدت الأمل في تغيير أوضاع السياسة.. يمكن ثورة 25 يناير استثناء، لأنَّ قدرة المصريين على تحمل الفساد والقمع انتهت فانفجرت الثورة، وشعرنا بأنَّ هناك طريقًا جديدًا للديمقراطية، ولكن حدث تفتيتٌ شديدٌ لما يمكن أن يسمى (خميرة سياسية) لبناء حزبي مناسب، وبالتالي وصلنا إلى أنه لا يمكن التحدث عن نظام حزبي موجود».

وقال صبحي إن عبدالناصر اختار تحقيق العدالة الاجتماعية على حساب الديمقراطية، وتابع: «أعتقد أن هذه الفكرة يجب أن تنتهي، ولا يمكن أن يتم التضحية بالديمقراطية من أجل العدالة الاجتماعية أو العكس، فكلتاهما أهداف واجبة التحقيق في الوقت نفسه».

المزيد من بوابة الوسط