«البرباشة»: فئة مُهمّشة وصراع حول لقمة العيش

«يبحثون داخل أكوام متروكة في الشوارع وبقايا منازل مكدسة في الحاويات، في شغل يومي لا يلتزم بقوانين ولا يولي أي أهمية للأعراف وللمسموح به»، هذا هو طبيعة عمل ما يُطلق عليهم في تونس باللهجة العامية «البرباشة»، أي الذين ينبشون الفضلات لجمع ما قد يصلح لاستغلاله أو بيعه.

«البرباشة» يتحدون المخاطر الصحية المحيطة بعملهم ويعانون صراعًا يوميًا مع رجال الشرطة الذين يعتبرون أن ما يقوم به هؤلاء «مخالفة بيئية»، غير أنهم متشبثون بعملهم حتى وإن كان بالكاد يسد رمق عائلاتهم، مادام أمل إيجاد فرص شغل في البلد أمرًا صعب التحقق، هم بعيدون عن السياسة ولا يهمهم أمر الاقتصاد ونزول العملة أو صعودها، همهم الوحيد هو ما ستتكرم به القمامة عليهم حتى يعيدوا بيعه.

يبدأ العامل يومه منهمكًا في حاوية للقمامة بأحد الأحياء الشعبية بتونس العاصمة، يلتقط القوارير البلاستيكية وقطع الخبز اليابس، يجمعها كلّ على حدة في أكياس، ثم يرميها في عربته الصغيرة وينطلق في رحلة بحث بمكان آخر، بحسب صحيفة «العرب» اللندنية.

هكذا يقضي مصطفى البياتي، ابن 26 عامًا، يومه متنقلاً من موقع إلى آخر غير مبالٍ لا بقيظ الصيف ولا ببرد الشتاء ولا برائحة النفايات التي تزكم الأنوف: «ألمح نظرات الاشمئزاز والتأفف في عيون المارة بسبب طبيعة عملي، لكن ذلك لا يثنيني عن مواصلة طريقي، طالما أكسب قوت يومي بعرق جبيني وأضمن توفير لقمة لعائلتي المكونة من خمسة أفراد دون أن أمد يدي لأحد».

قطاع يشكو من سيطرة الوسطاء
وبعد يوم شاق يقضيه مصطفى في هذا العمل وبعد تجميع عدد لا بأس به من القوارير البلاستيكية، يقوم بالتوجه إلى نقاط تجميع صغرى منتشرة في العاصمة يديرها وسطاء بين «البرباشة» ومعامل إعادة التدوير ليحصل على مبلغ أقل من ربع دولار عن الكيلوغرام الواحد من القوارير.

ويرى مصطفى أن نقاط التجميع، وهي الوسيط بين «البرباشة» والمصانع، تزيد من معاناة هؤلاء؛ حيث تشتري منهم المواد البلاستيكية بأبخس الأثمان ثم تبيعها لمصانع إعادة التدوير بأسعار أعلى بكثير، وعمومًا لا يتجاوز الدخل اليومي «للبرباش» 4 أو 5 دولارات، بعد يوم شاق يقضيه في التنقل من مكب نفايات إلى آخر، بحسب مصطفى.

وتكاثرت محال ونقاط التجميع الخاصة في الأحياء بعد الثورة وهي تحقّق أرباحها من الوساطة بين «البرباشة» ومصانع البلاستيك التي تعتبر الرابح الأكبر، إذ تجد يدًا عاملة هشّة تضمن لها تجميع المواد الأولية التي تحتاجها في صناعتها عبر وسيط غير مباشر، دون أن تلتزم معها بتعاقد.

صراع مرير مع الشرطة البيئية
ويعيش «البرباشة» صراعًا يوميًا مع رجال الشرطة البلدية، خاصة الشرطة البيئية الذين يعتبرون ما يقوم به هؤلاء مخالفة بيئية وعملاً عشوائيًا، لا سيما بعد تلقيهم شكاوى من سكان الأحياء بسبب نبشهم الأكياس أو قلبهم لحاويات الفضلات، فيكون مصير بعضهم التعرض لغرامات مالية تزيد من معاناتهم.

ويقول أحد المسؤولين عن مستودعات جمع القمامة والفضلات المنزلية بجهة بن عروس لـ«العرب» إن شكاوى كثيرة تصلهم من المواطنين بخصوص نشاط «البرباشة العشوائي وتعمدهم فتح أكياس القمامة ونبشها، مما يجعلها مرتعًا للقطط والكلاب والحشرات، ويزيد في مشاكل التلوث البيئي، لذلك تسعى إدارة البلدية بالتعاون مع الشرطة للتصدي لهؤلاء أو على الأقل لتنبيههم».

محاولات تونسية لتنظيم عمل هذه الفئة المهمشة داخل المجتمع
وبالرغم من محاولات الدولة تنظيم عمل هذه الفئة المهمشة داخل المجتمع وتقنين نشاطها عبر إنشاء أول جمعية «للبرباشة» بجهة حي التضامن، وهو أكبر الأحياء الشعبية الفقيرة جنوب العاصمة، فإن أغلبهم يعمل بشكل عشوائي ولا تعنيه مثل هذه الجمعيات في ظل غلاء المعيشة وانسداد آفاق الشغل.

العم حميد واحد من هؤلاء الذين لا يستهويهم النشاط الجمعياتي ولا يكترثون بالمسألة أصلاً. ففي نفس المكان وفي نفس الساعة يركن دراجته الهوائية المشدودة إلى عربته ثم ينطلق برفقة ابنه أشرف الثلاثيني في رحلته اليومية بالأحياء الراقية بين حاويات النفايات لجمع قوارير البلاستيك في كيس يشده إلى ظهره قبل أن يفرغه لاحقًا في عربته.

تونس رفعت منذ 10 سنوات شعار «النفايات مصدر للثروات» سعيًا لخلق مؤسسات بيئية

ورفعت تونس منذ نحو عشر سنوات شعار «النفايات مصدر للثروات» الذي تسعى من خلاله إلى تطوير سوق العمل وخلق المؤسسات البيئية الصغيرة. وتشترك في تنفيذ هذا البرنامج وزارة البيئة والتنمية المستدامة والهيئات المعنية بالتمويل والتأهيل والتشغيل، وهو ما خلق الآلاف من فرص العمل في مجالات رفع النفايات وتدويرها وإدارة المساحات الخضراء وتجميل المدن.

وقد تصبح النفايات الصلبة مشكلة بيئية قائمة بذاتها نظرًا للتلوث البيئي الذي ينجم عنها، إلا أنه من خلال إعادة تدويرها يمكن الاستفادة منها، بدلاً من رميها بشكل عشوائي أو نقلها إلى مكب عام للقمامة؛ حيث يتم غالبًا تجميعها ومن ثم ردمها من دون معالجة. فقد يمكن أن تصبح مصدرًا للثروة اقتداءً بعدة تجارب أوروبية حققت نجاحًا في هذا الجانب، خصوصًا عبر الاستفادة من المخلفات المنزلية، البلاستيكية أساسًا، عبر إعادة رسكلتها والاستفادة منها في التصنيع.

وتعمل تونس منذ سنوات على تطوير سوق التشغيل وإنشاء مؤسسات صغرى في مجال تجميع وإعادة تدوير البلاستيك، في المقابل يفرض النمط الاستهلاكي للحياة العصرية زيادة النفايات المختلفة التي تلقي بها المنازل والمكاتب والشركات في حاويات القمامة.