الدبلوماسية الأوروبية أمام مأزق في مواجهة الأزمة الليبية

بروكسل - بوابة الوسط: علي أوحيدة |
ماكرون متحدثًا مع ماي وميركل خلال قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، 22 يونيو 2017. (فرانس برس) (photo: )
ماكرون متحدثًا مع ماي وميركل خلال قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، 22 يونيو 2017. (فرانس برس)

أنهت الرئاسة المالطية للاتحاد الأوروبي مهمتها الدورية التي استمرت ستة أشهر في إدارة الشؤون الأوروبية من دون تحقيق أي ثغرة على طريق حلحلة الأزمة الليبية، رغم مراهنة عديد الأطراف الأوروبية والدولية على حكومة فاليتا.

ولم توظف مالطا بوضوح قربها من أطراف الأزمة الليبية ولم تبذل جهودًا تذكر على طريق تفعيل أي وساطة أو دور أوروبي طيلة الست أشهر الأخيرة، بما في ذلك في مجال إدارة الشأن المتعلق بالهجرة.

وخلال القمة الأخيرة التي جرت الجمعة الماضي في بروكسل، فاجأ رئيس وزراء مالطا جوزيف موسكات زملاءه في المجلس الأوروبي بالمطالبة بفرض حظر تصدير الزوارق المطاطية إلى ليبيا؛ للحد من تدفق موجات المهاجرين وهو ما اعتبره الدبلوماسيون إقرارًا واضحًا بمحدودية جدية المعاينة الأوروبية للأزمة الليبية.

انقسام أوروبي
وقالت سفيرة أستونيا لدى الاتحاد الأوروبي، كيا تويل، التي استملت بلادها الرئاسة الدورية الأوروبية، اليوم الاثنين، إن الدول الأوروبية لا تزال منقسمة على نفسها في إدارة ملف الهجرة واللجوء، وإنها لا تتوقع إحراز تقدم يذكر خلال الأشهر الست المقبلة.

وأكدت أن الدبلوماسية الأوروبية لا تمتلك رؤية واضحة لملفات إقليمية محددة بما فيها المشادة المتفاعلة بين دول الخليج، وشدت فقط على ضرورة تكثيف التعاون مع السلطات الليبية في ملف الهجرة دون توضيح خطة عمل محددة.

الهوة تظل عميقة ومتجذرة بين الدول الأوروبية في التعامل مع الأزمة الليبية

وخلال القمة الأخيرة أفاد دبلوماسيون بأن الهوة تظل عميقة ومتجذرة بين الدول الأوروبية في التعامل مع الأزمة الليبية. في ظل غياب الثقة بين عدة عواصم ومكتب الممثلة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية التي تخدم بوضوح رغبات إيطالية.

وأعلنت جمهورية التشيك التي تقود مجموعة الدول الشرقية أنها لن تقبل باحتضان أي لاجئ أو مهاجر فوق أراضيها، عاكسة بذلك مواقف بولندا وسلوفاكيا والمجر، رغم التهديدات بفرض عقوبات عليها.

وقال رئيس وزراء جهورية التشيك، بوهوسلاف سوبتكا، إن بلاده تفكر في تمكين حرس خفر السواحل الليبي من قدرات مالية، لكنه لم يفصح عن أي تفاصيل في هذا الشأن.

انتقادات ليبية وصمت أوروبي
ورغم النداء الذي ووجهه رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك لزعماء الاتحاد قبل القمة بتمويل خفر الساحل الليبي، والاتصالات التي أجراها يوم الأربعاء 21 يونيو الجاري رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج في بروكسل، فإن أي دعم إضافي لليبيا لم تتمخض عنه القمة الأوروبية الأخيرة.

ويسود الاعتقاد في بروكسل بأنّ المقاربة التي رددتها الأوساط الاتحادية بشأن إدارة الأزمة الليبية وصلت طريقا مسدودًا، وأنّ الاتحاد الأوروبي الذي ينشر بشكل دوري نفس الأرقام حول المبالغ المالية المكرّسة لليبيا منذ أكثر من عامين، يفتقد أدوات التحرك الفعلية والمصداقية.

وقال السراج أمام البرلمان الأوروبي، في حضور موغيريني، إنّ الاتحاد الأوروبي لم يف بوعده في تمكين ليبيا من القدرات الضرورية لحماية حدودها الجنوبية، بما في ذلك إخلاله بالتزامه بتوفير منظومة إلكترونية لضبط الحدود، فيما لم ترد موغيريني على هذه الانتقادات.

السراج متحدثًا أمام مؤتمر قادة الاتحاد الأوربي بشأن إدارة الهجرة في بروكسل بحضور موغيريني. (إدارة الإعلام والتواصل)

السراج متحدثًا أمام مؤتمر قادة الاتحاد الأوربي بشأن إدارة الهجرة في بروكسل بحضور موغيريني. (إدارة الإعلام والتواصل)

كما طالب السراج فيما اعتبره الدبلوماسيون نداء استغاثة فعليًا بأّن يدعم الأوروبيون طلب حكومته برفع الحظر على تسليح خفر السواحل الليبي، وهو أمر يعي الأوروبيون أنّ روسيا سترفضه أولًا، وبسبب وجود شكوك من بعض الدول خاصة فرنسا وألمانيا بشأن صلابة عناصر خفر السواحل الليبي أمنيًا، وشبهات بعلاقة لهم مع «ميليشيات» محلية متشددة.

معركة خفية حول ليبيا
وتدور معركة خفية حول ليبيا حاليًا بين فرنسا برئاسة إيمانويل ماكرون وقسم العمل الخارجي الأوروبي بقيادة الإيطالية فيديريكا موغيريني التي تعكس مصالح روما ولندن بالدرجة الأولى.

ويدور الخلاف حسب مصدر دبلوماسي في درجة وطبيعة تدخل الطرفين ليس في ليبيا فقط، ولكن في مجمل منطقة الساحل. كما أن تغيير موقف ماكرون بشكل جوهري تجاه سورية ولّد حالة من الإحراج في مكتب موغيريني.

تدور معركة خفية حول ليبيا حاليًا بين فرنسا برئاسة إيمانويل ماكرون وقسم العمل الخارجي الأوروبي بقيادة الإيطالية فيديريكا موغيريني.

وجعلت موغيريني من منطقة الساحل عنصرًا من عناصر تحركها لحفز دور بروكسل بالتنسيق مع الإيطاليين الذين سجلوا تقدمًا نسبيًا في جنوب ليبيا، لكن فرنسا تخطط حاليًا إلى تحرك منظم مع ألمانيا في نفس المنطقة، حيث تهتم باريس بالشأن الأمني في منطقة الساحل، فيما تركز ألمانيا على احتواء مسببات الهجرة غير الشرعية والتحكم في مناطق منشأ الهجرة وعبورها أيضًا.

وقام الاتحاد الأوروبي، اليوم الاثنين، بتغيير على رأس قيادة قوات الاتحاد المنتشرة في مالي، لكن فرنسا ذات الخبرة تقليديًا في مجمل منطقة الساحل تعتبر نفسها الأكثر تأهيلًا مع ألمانيا للاستحواذ بنصيب الأسد، وباتت تمتلك نظرتها الخاصة لإدارة الأزمات في المنطقة وفي مقدمتها الأزمة الليبية.

وقال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الأسبوع الماضي في حديث لعدة صحف أوروبية بشكل صريح إنّ التدخل العسكري الذي قام به حلف شمال الأطلسي «ناتو» في ليبيا العام 2011 كان خطأً.

دور جديد لـ«ناتو»
ويرى الدبلوماسيون في بروكسل أن مجمل التطورات المسجلة على الموقف الأوروبي تجاه التعامل مع الأزمة الليبية تفتح الباب واسعًا أما دور جديد لحلف شمال الأطلسي، ويسمح قرار انضمام «ناتو» للتحالف الدولي ضد «داعش» المتخذ في 25 مايو الماضي لـ«ناتو» بالربط للمرة الأولى بين التصدي للتنظيم في ليبيا ومواجهة الهجرة غير الشرعية أيضًا في هذا البلد.

وقام الأمين العام للحلف الأطلسي ينس ستولنتبيرع، الأربعاء الماضي، خلال استقباله رئيس مجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج، بالتذكير بدور الحلف وسط المتوسط في مكافحة الهجرة، لكن أي نشاط للحلف ضد «داعش» في ليبيا وهو أمر بات ممكنًا عمليًا سيزيد من دور الحلف في إدارة ملف الهجرة ويسحب من الاتحاد الأوروبي ورقة رئيسة، وفق المراقبين.

لقاء السراج والوفد المرافق له مع أمين عام حلف شمال الأطلسي في بروكسل. (إدارة الإعلام والتواصل)

لقاء السراج والوفد المرافق له مع أمين عام حلف شمال الأطلسي في بروكسل. (إدارة الإعلام والتواصل)

وستكون أي عمليات لحلف شمال الأطلسي في ليبيا ضد الإرهاب مقرونة بمكافحة الهجرة غير الشرعية، وتتحول من «عمل إنساني» إلى عمل ضد الإرهاب في جنوب وغرب البلاد.

ودعما لهذا التوجه قال تقرير للحكومة الألمانية مؤخرًا، إنه لا يمكن للحكومة الليبية «الضعيفة» في طرابلس ولا الاتحاد الأوروبى التعامل مع ظاهرة الهجرة. فيما تصاعدت التأكيدات خلال الآونة الأخيرة من تعرض المهاجرين في ليبيا للتعذيب، وإلى ممارسات مشينة وسط معسكرات اعتقال وهي عناصر ستبرر تدخل «ناتو» بشكل أكيد.

عملية «صوفيا» غير كافية
ويردد خبراء الحلف أن عملية «صوفيا» الأوروبية في المتوسط تبدو غير كافية، وأنه أيضًا من المستحيل التحكم في حدود ليبيا الجنوبية من قبل الأوروبيين، وأن مهمة «يوبام - ليبيا» لم تقم بأي عمل جدي حتى الآن.

ويرى «ناتو» أنه يمكنه المساعدة في جهود الاتحاد الأوروبي لإضفاء الطابع الاحترافي على حرس السواحل الليبي. كما يمكنه أن يشجع الدول الأعضاء على بناء المزيد من المخيمات في الجزر المتوسطية ويمكن أن يساعد في بسط الأمن والرعاية الصحية وما شابه ذلك، وهي أمور يبدو أن الأوروبيون غير قادرين عليها ولا يمتلكون القدرة على تمويلها.

يمكن لدوريات «ناتو» في البحر المتوسط أن توفر أيضًا فائدة أكثر مباشرة في مكافحة الإرهابيين في شمال أفريقيا.

كما يمكن لدوريات الحلف في البحر الأبيض المتوسط أن توفر أيضًا فائدة أكثر مباشرة في مكافحة الإرهابيين عبر وقف تدفق الأسلحة من الشرق الأوسط إلى المتشددين الإسلاميين في شمال أفريقيا.

ولتبرير التدخل الأطلسي في إدارة الأزمة الليبية، يقول الحلف إنه أرتكب خطأ جسيمًا منذ عامين من خلال التردد في إدرة أزمة اللاجئين من سوريا، وترك الأمر لتركيا والأوروبيين، ولا يمكنه تحمل نفس الخطأ مع ليبيا.

وأعلن أمين عام الحلف ستولتنبيرغ رسميًا، الأسبوع الماضي، أن الحلف قام بدراسة القيام بدور في تأهيل الأجهزة الأمنية والعسكرية الليبية، لكن الدبلوماسيين يعتبرون مثل هذا الإعلان مجرد بداية لدور أطلسي أكثر أهمية وربما من خلال قوات (أفريكوم) التي تلعب دورًا فعليًا حاليًا في عدة مناطق من البلاد.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات