سيف القذافي.. عودة للسياسة أم للسجن؟

بروكسل - الوسط: علي أوحيدة ومحمود السويفي وياسمين علي |
سيف الإسلام القذافي. (الوسط). (photo: )
سيف الإسلام القذافي. (الوسط).

بعد أيام من إعلان كتيبة «أبو بكر الصديق» الإفراج عن سيف الإسلام القذافي، دعت المحكمة الجنائية الدولية إلى إلقاء القبض عليه، بالإضافة إلى التهامي محمد خالد (مسؤول الأمن الداخلي في النظام السابق)، وتقديمهما فوراً إلى المحكمة.

ويوم السبت الماضي أعلنت كتيبة «أبو بكر الصديق» الإفراج عن سيف، في حين شددت المدعية العامة لـ«الجنائية الدولية» فاتو بنسودا، أمس الأربعاء، على ضرورة إلقاء القبض عليه. وقالت المحكمة في بيان إنها أحيطت علماً بالتقارير الإعلامية الأخيرة بخصوص إطلاقه في 9 يونيو الجاري.

«المحكمة الجنائية الدولية تدعو إلى القبض الفوري على سيف الإسلام القذافي والإدلاء بأي معلومات عنه»

وأضافت أنها بصدد التحقق من هذه التقارير واتخاذ الخطوات اللازمة لتحديد مكان القذافي، داعية «السلطات الليبية، ومجلس الأمن الذي أحال الحالة في ليبيا إلى مكتب المدعي العام، وكل الدول الأطراف في نظام روما الأساسي، وكل الدول والمنظمات الأخرى المعنية، إلى أن تقدم إلى المكتب أية معلومات في حوزتها ذات صلة بهذه المسألة»، وقالت بنسودا إنها تدعو ليبيا وكل الدول الأخرى إلى إلقاء القبض على سيف القذافي فوراً، وتقديمه إلى المحكمة إن استطاعت إلى ذلك سبيلاً.

لمطالعة العدد 82 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وشغل مكان سيف الإسلام القذافي ومستقبله وكواليس الإفراج عنه بال الرأي العام الليبي، الذي اختلف حول مصير سيف بعد «الحرية» التي قد لا تستمر بسبب ضغوط محلية، بالإضافة إلى دعوة المحكمة الجنائية الدولية إلى القبض الفوري عليه، إذ نبه القائم بأعمال النائب العام، إبراهيم مسعود، إلى أن «المتهم سيف القذافي محكوم عليه غيابياً في 28 يوليو 2015، ومن ثم فهو مطلوب القبض عليه بموجب هذا الحكم الغيابي، حتى يصار إلى محاكمته عن التهم المنسوبة إليه».

«كنيبة أبو بكر الصديق: الإفراج عن سيف الإسلام كان وفقا لمراسلات وزير العدل بالحكومة المؤقتة»

غادر سيف القذافي مدينة الزنتان من تاريخ إخلاء سبيله (الجمعة الماضي)، وفق بيان كتيبة «أبو بكر الصديق»، التي قالت إنها أفرجت عنه بالاستناد إلى «مراسلات وزير العدل بالحكومة الموقتة ومطالبة وكيل الوزارة بضرورة الإفراج عن نجل القذافي وإخلاء سبيله طبقاً لقانون العفو العام الصادر من البرلمان».

وشدد القائم بأعمال النائب العام إبراهيم مسعود في بيان اطلعت «الوسط» على نسخة منه، على أن تطبيق قانون العفو «لا يكون إلا من خلال إجراءات واستيفاء لشروط قانونية تختص بتنفيذها السلطة القضائية دون منازع في الاختصاص».

وأكد مسعود أن سيف القذافي مطلوب أيضاً «لدى محكمة الجنايات الدولية عن تهم تشكل جرائم ضد الإنسانية»، مشيراً إلى أن مكتب النائب العام «إذ يمارس واجبه القانوني كأمين على الدعوى الجنائية، ودوره الوطني في إنفاذ حكم القانون وإقامة العدل، فإنه يهيب بجميع الجهات والمؤسسات الرسمية بالدولة احترام اختصاصات السلطة القضائية والنأي بها عن دائرة الصراعات والمزايدات السياسية، ضماناً لاستقلال القضاء وحيدته»، متوعداً بمحاسبة «كل من يثبت تورطه في عرقلة تنفيذ أحكام وأوامر القضاء».

ردود فعل دولية
خارجياً، دعت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، السلطات الليبية، إلى التأكيد سريعاً عما إن كان قد أُفرج عن سيف الإسلام القذافي، والكشف عن مكان وجوده الحالي، مؤكدة أنه لا يزال مطلوباً من قبل المحكمة الجنائية الدولية.

وقالت مديرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمنظمة، سارة ليا ويتسون، «إن الإفراج عن سيف الإسلام استناداً إلى قانون العفو العام في البرلمان الليبي للعام 2015، لا يغير حقيقة أن المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية تتعلق بانتفاضة العام 2011»، مضيفة أن السلطات الليبية «لا تزال ملتزمة بتسليمه إلى المحكمة، ولذا عليها أن تؤكد، على وجه السرعة، ما إذا كان قد أُفرج عنه والكشف عن مكان وجوده الحالي».

كما شددت السفارة الفرنسية في ليبيا على تأييدها قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية طلب إصدار مذكرة لتوقيف سيف بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.وجاء في بيان للسفارة إن «سيف القذافي يتحمل مسؤوليته أمام العدالة.. فرنسا تدعو إلى تسليمه من جديد إلى العدالة حتى تتم محاكمته على ما قام به من أفعال»؛ نافية أن يكون لها دور في عملية إطلاقه.

«وليد حجازي: سيف الإسلام لو فر هاربا إلى دولة أخرى لا تسقط عنه تهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية»

وفيما يتعلق بالموقف القانوني لسيف في الوقت الحالي، قال الخبير المصري في القانون الدولي وليد حجازي لـ«الوسط» إن «سيف الإسلام مطلوب للمحاكمة بناء على مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية لأنه متهم بجرائم ضد الإنسانية، وهذه النوعية من الجرائم عابرة للحدود، أي أنه لو فر هارباً إلى دولة أخرى لا تسقط عنه الاتهامات وتكون تلك الدولة ملزمة بتسليمه أو إجراء محاكمته على أرضها».

ويتفق في ذلك أيضاً أستاذ القانون الدولي حازم عتلم، ويشدد على أنه «استناداً لنصوص صريحة في القانون الدولي، فلا بد أن يمثل أولاً أمام القضاء الوطني الليبي، لكن نظراً للنزاعات القائمة داخل الأراضي الليبية وعدم وجود محاكم منضبطة في البلاد، فستؤول المحاكمة تلقائياً إلى المحكمة الجنائية الدولية، وإن فر هارباً لأي دولة فعلى تلك الدولة محاكمته داخل أراضيها، حيث إن محاكمته التزام على كل الدول، وذلك لصدور مذكرة توقيف ضده من المحكمة (الجنائية الدولية)».

لمطالعة العدد 82 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ويعتقد العميد السابق لكلية الحقوق بجامعة الزقازيق المصرية، الدكتور نبيل حلمي أن «سيف الإسلام الآن حر طليق، حر في تصرفاته وحياته على المستوى الشخصي والسياسي، وأن لن يمثل أمام الجنائية الدولية»، ويرجع ذلك إلى أن ليبيا بالأساس لم تصدق على الاتفاقية الخاصة بالانضمام إلى المحكمة، «وبالتالي فإن طرابلس غير خاضعة لقرارات المحكمة وغير ملزمة بتنفيذها».

ووصف حلمي العفو بأنه «قانوني شامل يلغي كافة الاتهامات المنسوبة إليه»، متوقعاً ألا يحاكم نجل القذافي أمام القضاء الوطني الليبي ولا المحكمة الجنائية الدولية.

«مجلس أعيان الزنتان: نرفض استخدام نجل القذافي كورقة سياسية أو محاولة إقرار واقع سياسي لا يرتضيه الليبيون»

وبعيداً عن استمرار حرية نجل القذافي أو عودته إلى الحبس، فإن الجدل في الأوساط الليبية بشأن إمكانية عودة سيف الإسلام إلى السياسة اشتعل بين مؤيد ومعارض.

وبينما أكد مجلس أعيان الزنتان عدم صلته بالإفراج عن نجل القذافي ورفض «استخدام ورقة سيف سياسياً أو اجتماعياً، أو محاولة فرض واقع سياسي لا يرتضيه الليبيون»، قال رئيس المؤسسة الوطنية للنفط التابع للحكومة الموقتة، ناجى المغربي، إنه «من حق سيف القذافي العودة للحياة السياسية ما دام لم يتورط في أي أعمال عنف أو إرهاب».

وتابع مجلس أعيان الزنتان في بيان، اطلعت عليه «الوسط»، أن قضية نجل القذافي «قانونية بحتة، وهو ما يحتم وجوده تحت تلك المظلة متمثلة في النائب العام ووزارة العدل، وتحت مسؤولية الجهة المكلفة حراسته منذ سنوات».

في الوقت ذاته، رحبت اللجنة الوطنية الليبية لحقوق الإنسان بالإفراج عن عدد من المحتجزين والسجناء السياسيين الذين كانوا محتجزين لدى كتيبة «ثوار طرابلس» بناء على قرار من قبل النيابة العامة، واعتبرت اللجنة أن «المبادرات التي تفضي إلى إطلاق سراح سجناء النظام السابق سوف تسهم بشكل كبير في دعم جهود المصالحة الوطنية الشاملة والتوافق الاجتماعي والوطني وطي صفحة الماضي واستشراق آفاق المستقبل لبناء الوطن ولم شمل أبنائه».

وكان آمر كتيبة «أبوبكر الصديق»، العقيد العجمي العتيري قال في تصريحات لفضائية «فرانس 24»اً: «بات أغلب الليبيين يحنون للنظام السابق حتى من خرجوا ضده»، معتبراً أن «سيف القذافي سيكون له دور كبير فى توحيد الصف الليبي»، وسواء استمرت حرية سيف القذافي ودخل الحياة السياسية أو عاد إلى السجن، فإن الإفراج عنه أو غيره من رموز النظام السابق يشكل لحظة فارقة في تاريخ الثورة الليبية، بحسب المراقبين.

خلاف حول مكان اختفائه
تصاعد الحديث خلال الفترة الأخيرة بشأن المكان الذي يتواجد فيه سيف الإسلام القذافي، آخرها ما تحدث عن مغادرته الزنتان عقب الإفراج عنه، إلا أن السؤال الذي لا يزال غامضا هو: هل لا يزال سيف في محبس خاص أم أفرج عنه وأقام في مدينة ليبية أخرى، أم خارج حدود البلاد.

ورغم أن الأمر كان واجبا أن توضحه الجهات الرسمية فإن ذلك لم يحدث، مما يجعل الجدال الأخير محصورا في بيانات وتصريحات من أطراف غير رسمية.

لمطالعة العدد 82 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وقال وكيل وزارة العدل في الحكومة الموقتة المستشار عيسى الصغير إن الوزارة «لا تتوفر لديها معلومات دقيقة ورسمية عن إطلاق نجل القذافي من عدمه»، دون الحديث عن أماكن؛ في وقت لم يحدد بيان كتيبة «أبوبكر الصديق» التي أعلنت الإفراج عن سيف القذافي وجهته بعد مغادرة الزنتان الجمعة الماضي.

في الأثناء تردد بأن سيف الإسلام وصل إلى البيضاء لدى قبيلة البراعصة، وهي المدينة التي تتخذ منها الحكومة الموقتة مقرا لها، لكن لم تؤكد أيضا أية جهة رسمية وجوده في البيضاء من عدمه.

الغموض الذي يغلف مصير سيف القذافي جاء بعد شهرين وتحديدا في 14 أبريل الماضي عندما نقلت «الوسط» عن جريدة «كوريري ديلا سيرا» الإيطالية أن سيف القذافي لم يعد في زنزانة، بل لديه بيت مريح بالزنتان وأنجب طفلة وعمرها 3 سنوات.

ونهاية مارس الماضي نقلت جريدة «الحياة» اللندنية عن مصادر وصفتها بالمطلعة على ظروف احتجاز القذافي الابن في الزنتان، أن سيف استقبل والدته صفية أرملة العقيد القذافي، في منزل يخضع فيه لإقامة جبرية في الزنتان. وتحدثت الجريدة عن أن أرملة القذافي أطلعت نجلها على عرض روسي بقبول لجوء أفراد من الأسرة، لكنه أبلغها أنه «ليس مطمئنا لخروجه من الزنتان».

اقرأ أيضا: «هيومن رايتس»: على الكتيبة التي احتجزت «سيف» الإفصاح عن مكانه بسرعة

كان المجلس العسكري لثوار الزنتان أعلن مطلع مارس الماضي نقل سيف القذافي من محبسه لدى «كتيبة أبوبكر الصديق»، إلى مكان آمن تحت رعاية لجنة مشكلة من أهالي وثوار مدينة الزنتان، مرجعا القرار إلى اللغط والتوتر الذي نشب بشأن اعتقاله والتصريحات التي صاحبتها.

«سيف الإسلام نجا من الإعدام بصدور قانو العفو العام»

وألقي القبض على سيف القذافي في نوفمبر 2011 على يد إحدى الكتائب المسلحة التابعة للزنتان أثناء محاولاته الفرار إلى خارج ليبيا. وخضع ومعه 36 مسؤولا سابقا في نظام والده لمحاكمة بتهم ارتكاب جرائم حرب خلال قمع الانتفاضة ضد نظام العقيد القذافي في العام 2011. وأصدرت محكمة جنوب طرابلس في يوليو 2015، أحكاما بالإعدام بحق المتهمين ويجري حاليا استئناف الأحكام.

وفي يوم صدور الحكم عليه بالإعدام من محكمة جنوب طرابلس أصدر مجلس النواب قانون العفو العام؛ إذ أعفى «كل الليبيين من الجرائم المرتكبة في الفترة من تاريخ صدور العفو العام من المجلس الانتقالي السابق في العام 2012 وحتى صدور هذا القانون»، مستثنيا جرائم الإرهاب والاتجار بالبشر وتجارة المخدرات.

لمطالعة العدد 82 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات