السوابق تشكك في أسباب حريق «قاعة الشعب»

طرابلس - بوابة الوسط: علي مجاهد |
حريق «قاعة الشعب» في العاصمة (الإنترنت) (photo: )
حريق «قاعة الشعب» في العاصمة (الإنترنت)

كشف حادث حريق «قاعة الشعب» في العاصمة أبعادًا جديدة، تؤكد أن القاعة التي أضرمت فيها النيران أربع مرات على الأقل قبل ذلك، واحدة من بين مباني عامة وأراضي، تستهدفها جماعات «متنفذة» بوضع اليد أو التصرفبحسب ما يتردد، للسيطرة على الأرض المقامة عليها.

لمطالعة العدد 74 من جريدة «الوسط» انقر هنا

و«قاعة الشعب» على سبيل المثال تطل على ميدان التحرير والبحر، ما يجعل منها موقعًا استراتيجيًا يقدر بملايين الدينارات. ويلعب «الماس الكهربائي» قاسمًا مشتركًا للتغطية على الأسباب الحقيقية لتلك الحوادث، ففي حين أرجعت السلطات المحلية والرسمية في العاصمة طرابلس أسباب حرائق سابقة اندلعت في مجمعات التسوق الكبرى الخمسة في طرابلس إلى «ماس كهربائي»، قالت إن حريق «قاعة الشعب» الأخير يعود هو الآخر لنفس السبب.

لكن سوابق الماضي غير البعيد تؤكد أنه إلى جانب استهداف مباني عامة، باتت أراضي المتنزهات الوطنية هى الأخرى عرضة للاستهداف من قبل الجماعات ذاتها، ومنها أرض مقر شركة سهل الجفارة للمشروعات الزراعية في منطقة السراج، التي جرى تقسيمها عشوائيًا، وحولتها الجماعات «المتنفذة» إلى كتل أسمنية.

عائلة تسيطر على أرض المعهد الزراعي في الغيران بحجة امتلاكها منذ «العهد العثماني»

ويبدو بحسب مصادر شبه رسمية أن تدمير هذه المجمعات أو «المولات» كما يسميها البعض اليوم- وهي الأولى من نوعها في العالم العربي حيث افتتحت في ثمانينات القرن الماضي- تقف وراءه جماعات «متنفذة» بهدف السيطرة على الأراضي المقامة عليها هذه الأسواق، التي تحتل مواقع استراتيجية في قلب العاصمة وضواحيها، لا تقدر بثمن.

ويقول شهود عيان من منطقتي حي الأندلس والسراج إن جماعات مسلحة تعمل- فيما يبدو- بتوجيه من «متنفذين» للسيطرة على الأراضي التي تضم هوائيات الإرسال والتقوية للإذاعة والتلفزيون الليبي في منطقة قرقارش (أو ما يعرف بمحطة السبعة) وفي منطقة السراج، فيما تسعى إحدى العائلات من منطقة جنزور إلى السيطرة على الأرض المقام عليها المعهد الزراعي في منطقة الغيران (الضاحية الغربية) بحجة امتلاكها «منذ العهد العثماني».

وقال موظف في قسم التسجيل العقاري بجنزور (رفض الكشف عن هويته) إنه تلقى الكثير من التهديدات بين عامي 2012 و2014 لتسجيل عقارات بتاريخ قديم، إلا أنه أكد أن هذه التهديدات خفت حدتها بعد ذلك على الرغم من الفوضى الأمنية، وأرجع الفضل في ذلك إلى غلق مكاتب التسجيل العقاري.

ويرى الموظف ذاته ضرورة استمرار غلق التسجيل العقاري إلى حين قيام الدولة واستقرار الأوضاع الأمنية والقضاء على فوضى انتشار السلاح لكي لا يتم التلاعب بأملاك الدولة وأملاك المواطنين.

وحريق «قاعة الشعب»، الذي جرى الخميس، هو الرابع على الأقل منذ الحريق الأول الذي استهدفه بعد 4 أيام من قيام ثورة 17 فبراير، حين قام محتجون يهتفون برحيل النظام بإضرام النار في الجزئين الخلفي والجانبي من المبنى في مشهد لم تشهده ليبيا منذ عقود.

المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق (أرشيفية: الإنترنت)

المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق (أرشيفية: الإنترنت)

وتتجاهل السلطات المحلية والرسمية في العاصمة طرابلس هذا الحادث المتكرر، فلم يصدر أي بيان بشأن أسبابه كما في كل مرة، الأمر الذي بات يثير الكثير من الأسئلة والتكهنات في الشارع الليبي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، التي اشتعلت يومي الخميس والجمعة الماضيين بموجة من التعليقات التي جاءت في معظمها ساخرة، إذ وصف الصحفي محمد الرحيبي الحادث بـ«الحريق الموسمي»، في حين علقت مغردة على فيسبوك قائلة: «ماهو يجيبو كاشيك ويطيحوه باش يتهنى بالهم خير ما قاعدين يدمروا في المبنى بالعرق كأنها شماتة».

وسخر المدون عبدالله كريمة من دوافع هذا الحريق قائلاً: «رزق الشعب وحرقه الشعب عادي».

وفيما لاحظت جريدة «الوسط» خلال جولة في اليوم الثاني للحريق قرب البوابة الرئيسة للقاعة، اندلاع النار في الردهة الرئيسة لما كان يعرف بـ«المبنى القديم»، وأن سقف الدور الأول سقط بالكامل، قال ضابط شرطة يعمل في مركز شرطة حي الأندلس، اشترط عدم الكشف عن هويته، إنه يعتقد أن الحريق كان «مدبرًا».

وشاطر الضابط سخرية الجماهير، حينما علق على الأخبار التي أوردتها إحدى القنوات الفضائية الطرابلسية، ونسبتها إلى مصدر من هيئة السلامة الوطنية، أكد «أنه لم يتم التعرف حتى الآن على أسباب اندلاع النيران، مرجحاً أن تكون الأسباب فنية ناجمة عن ماس كهربائي».

جماعات «متنفذة» في العاصمة تستهدف المباني العامة والأراضي بالحرائق ووضع اليد

وقال الضابط نفسه: «عن أي ماس كهربائي يتحدثون والكهرباء مفصولة عن هذه القاعة منذ أكثر من ثلاث سنوات، وتحديداً منذ 2014، إنهم يضللون الرأي العام ويساعدون العصابات الإجرامية على تدمير البلاد».

ويشاع في الشارع الطرابلسي أن الحريق الجديد يأتي على خلفية صراع بين العديد من «المتنفذين» للسيطرة على الأرض المقامة عليها هذه القاعة، التي تطل بواجهتها الأمامية على ميدان التحرير وبواجهتها الجانبية على البحر ما يجعل منها موقعاً استراتيجياً يقدر بملايين الدينارات.

وقام رجل الأعمال الليبي سليمان الزني ببناء هذه القاعة لتكون مسرحاً ودار سينما، إلا أن نظام العقيد القذافي قام بمصادرتها وتحويلها إلى قاعة للمؤتمرات تحت اسم «قاعة الشعب».

وتؤكد مصادر أنه جرى تعويض رجل الأعمال الزني إلا أنه لم يتسن لـ«الوسط» التأكد من ذلك من مصادر مسؤولة أو رسمية بسبب استمرار إغلاق إدارة التسجيل العقاري منذ العام 2011، خشية التلاعب، بالأملاك العامة والخاصة في ظل الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح في البلاد.

وكانت «قاعة الشعب» أكبر قاعة في ليبيا، افتتحت في طرابلس بداية سبعينات القرن الماضي، وجرى تجديدها في الثمانينات، بإضافة مبنيين ملحقين، يضمان قاعات اجتماعات جانبية ومقهى ومطعماً ومكاتب إدارية. ومع أنها استقبلت عشرات المؤتمرات، إلا أن دورها تراجع كثيراً بعد افتتاح مجمع قاعات «واغادوغو» الضخم في سرت نهاية تسعينات القرن الماضي.

ويضم المجمع ست قاعات اجتماعات من ضمنها قاعة رئيسية، تتسع لحوالي 4 آلاف مقعد علاوة على فضاءات للاجتماعات المغلقة وفضاءات للاسترخاء وفضاءات مفتوحة لإقامة المعارض وعدة مبان إدارية وثلاثة مطاعم ومقاهي وحدائق.

«قاعة الشعب» في العاصمة (الإنترنت)

«قاعة الشعب» في العاصمة (الإنترنت)

ويقول شهود عيان إن دماراً كبيراً لحق بهذا المجمع الذي بلغت تكلفة بنائه 150 مليون دينار تقريبًا في ذلك الوقت، وكان الأكبر مساحة في أفريقيا، بسب الحروب التي شهدتها مدينة سرت منذ العام 2011، وآخرها الحرب التي خاضتها قوات ما عُرف بـ«البنيان المرصوص» التابعة للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، لدحر تنظيم «داعش»، الذي تمركز في هذه المدينة المتوسطية وفرض فيها قوانينه.

ويشار إلى أن العديد من الأراضي والعقارات والمزارع والغابات والمسطحات الخضراء التي تعود ملكيتها للدولة الليبية أو إلى أشخاص محسوبين على النظام السابق، جرى الاستيلاء عليها والتصرف فيها بوضع اليد أو بالبيع على أيدي جماعات مسلحة معظمها وافدة من خارج العاصمة طرابلس على خلفية الفوضى التي غرقت فيها البلاد بعد 2011.

ومنها على سبيل المثال الأراضي الخاصة بالمتنزهات الوطنية التي تعاقدت «اللجنة الشعبية العامة» (الحكومة الليبية سابقاً) على إقامتها في طريق السواني على مستوى ما يُعرف بـ«بوابة الجبس» (الضاحية الجنوبية لطرابلس)، وأرض مقر شركة سهل الجفارة للمشروعات الزراعية في منطقة السراج (حوالي 5 هكتارات في الضاحية الغربية، التي جرى تقسيمها عشوائياً، وتحولت إلى كتل إسمنتية)، والأراضي الغابية في تاجوراء وغوط الرمان وما يعرف بـ«بوسكو» الغابة في طريق المطار وغابات القره بوللي المطلة على البحر (60 كلم شرق طرابلس)، وغيرها الكثير، ما تسبب في كارثة بيئية بحسب الخبراء نتيجة لعوامل التعرية الناجمة عن تدمير الأشجار الغابية والغطاء النباتي الأمر الذي فاقم من ظاهرة زحف الرمال الصحراوية.

وطالت حرائق أخرى لم يتم الكشف عن أسبابها على مدى السنوات الست الماضية باستثناء ما ورد في بعض البيانات التي نشرتها في بعض وسائل الإعلام، التي كانت ترجح فرضية «الماس الكهربائي»، الذي طال اثنين من مجمعات التسوق الكبرى الخمسة في طرابلس، وهي مجمع حي الأندلس ومجمع سوق الثلاثاء، فيما طال الخراب بسبب الإهمال مجمعات شارع الجمهورية، وسوق الجمعة وعين زارة.
لمطالعة العدد 74 من جريدة «الوسط» انقر هنا

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات