وجبة «تاكو» أطاحت بسلام فياض من خلافة كوبلر في ليبيا

القاهرة - بوابة الوسط: محمد نعيم |
رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق سلام فياض (أرشيفية: الإنترنت) (photo: )
رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق سلام فياض (أرشيفية: الإنترنت)

الـ«الفيتو» الأميركي الرافض لترشح رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق سلام فياض، خلفا لرئيس بعثة الأمم المتحدة في ليبيا مارتن كوبلر، انطوى على مفارقات مثيرة، جاء في طليعتها تغير الموقف الأميركي من القرار قبل دقيقتين من انتهاء مهلة التعيين، فبحسب دبلوماسيين في مجلس الأمن، لم تبد سفيرة واشنطن لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي ممانعة في المشاورات التي سبقت عملية الترشيح، ما خلق مفاجأة لدى أوساط مجلس الأمن والأمانة العامة للمنظمة الأممية على السواء.

لمطالعة العدد 65 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ووسط الجلبة التي خلفها الموقف الأميركي، أعلن أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، أنه اختار ترشيح فياض «بناء فقط على مؤهلاته الشخصية»، مشددا على أن موظفي الأمم المتحدة «يعملون بصفتهم الشخصية حصرا، ولا يمثلون أي حكومة أو بلد»، لكنه لم يحدد إن كان سيسحب ترشيح فياض، وفي حين اعتبر غوتيريس رئيس الوزراء الفلسطيني «الرجل المناسب في المكان المناسب»، بررت هايلي موقف بلادها بأنه «منذ فترة طويلة جدا، كانت الأمم المتحدة منحازة إلى السلطة الفلسطينية بشكل غير عادل، على حساب حلفائنا في إسرائيل».

أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس (أرشيفية: الإنترنت)

أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس (أرشيفية: الإنترنت)

ومن الزاوية الإسرائيلية، بدا الموقف الأميركي أكثر وضوحا، حيث كشفت وسائل إعلام إسرائيلية، ما جرى خلف كواليس الـ«فيتو» الأميركي، مشيرة إلى أن إسرائيل لعبت دورا كبيرا في تحريض الإدارة الأميركية على رفض تعيين فياض مبعوثا للأمم المتحدة في ليبيا، وربما اعترف رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو بذلك، وفق جريدة يديعوت أحرونوت، حينما أعلن قبل ساعات من لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أنه تدخل لإحباط تعيين فياض في المنصب.

بينما تطرق الرئيس الإسرائيلي راؤوبين ريفلين هو الآخر إلى القضية، ملمحا إلى صفقة يجري الاتفاق حولها بين المثلث الأميركي الإسرائيلي الأممي، وتقضي بتعيين الوزيرة الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني في منصب نائب أمين عام الأمم المتحدة، مقابل الحصول على موافقة الولايات المتحدة وإسرائيل بتعيين فياض، وتمرير إصرار أنطونيو غوتيريس على قراره، لكن الضلوع الإسرائيلي في إحباط تعيين فياض وصل إلى وجبة «تاكو» المكسيكية، التي دعا إليها الملياردير اليهودي «شلدون أدلسون» الرئيس دونالد ترامب، وسفيرة واشنطن لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي!

صفقة ثلاثية الأطراف لتعيين وزيرة إسرائيلية نائبا لـ«غوتيريس» مقابل تمرير القرار الأممي

وقالت تقارير الصحيفة الإسرائيلية إن رئيس الوزراء نتانياهو يواجه حملة دبلوماسية عاصفة من الداخل، اتهمته بتجاهل تنامي التمثيل الفلسطيني في مختلف دول العالم، بما في ذلك المؤسسات الدولية والأمم المتحدة، مقارنة بالتمثيل الإسرائيلي في المؤسسات والدول ذاتها، فبلغة الأرقام تحتفظ إسرائيل بـ 78 ممثلية في مختلف دول العالم، بينما يبلغ عدد ممثليات السلطة الفلسطينية 95 ممثلية، لاسيما بعد أن أغلقت إسرائيل العام 2016 أربعة ممثليات في السلفادور، وجزر الكاريبي، وميرساي، وفيلادلفيا.

وفي مقارنة بين عدد الممثليات الإسرائيلية ونظيرتها، أشارت التقارير إلى أن الأرقام الإسرائيلية في هذا الصدد غير مشجعة، ففي حين تمتلك مصر 166 ممثلية، والسعودية 108، وإيران 142، وتركيا 223، والمغرب 135، وباكستان 118، لايزيد عن سفارات وقنصليات وممثليات إسرائيل في الخارج عن 102 فقط، وفي تعليقه على تلك الأرقام قال رئيس لجنة العمال بالخارجية الإسرائيلية، سفير تل أبيب لدى جنوب السودان حنان جودر: «إنه آن الأوان أن تتفهم إسرائيل أن كل سفارة وممثلية لها، تعد موقعا عسكريا أمام تحديات علاقاتها الخارجية، وكلما احتفظت إسرائيل لنفسها بتلك المواقع، أصبح خطها الدفاعي أكثر قوة، ونافذة للرؤية الأكثر وضوحا، فيجب أن يصل تمثيل إسرائيل إلى كل مكان في العالم».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو (أرشيفية: الإنترنت)

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو (أرشيفية: الإنترنت)

وجاءت انتقادات حنان جودر خلال لقاء عقده رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو مع سفراء إسرائيل لدى الدول الأفريقية، ووجه نتانياهو حديثه للسفراء قائلا: «حينما أتحدث عن هرم مصالحنا في العلاقات الخارجية، أضع الدول الأفريقية على قمة هذا الهرم، فهذه الدول باتت أهم مما كانت عليه ربما في ستينيات القرن الماضي. ومصلحة إسرائيل الأولى في تلك الدول هي تغيير موقفها عند التصويت في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية من الاعتراض إلى تأييد إسرائيل، خاصة أن الدول العربية تستحوذ على الأغلبية في الأمم المتحدة».

وفي مؤتمر «القدس» الذي عقد قبل أيام في المدينة الفلسطينية المحتلة، تطرق الرئيس الإسرائيلي ريفلين إلى إمكانية تعيين الوزيرة ليفني نائبا لأمين عام الأمم المتحدة، وقال: «خطوة ممتازة أن يتم تعيين وزيرة إسرائيلية سابقة في منصب رفيع المستوى بالأمم المتحدة، فالشك لم يتسلل إلى وجداني لحظة خلال السنوات الماضية بأننا سنستطيع الوصول إلى هذه المكانة».

وفي أعقاب إحباط سفيرة الولايات المتحدة في المنظمة الأممية نيكي هيلي تعيين سلام فياض، في منصب مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، نشرت جريدة معاريف تقريرا، كشفت فيه النقاب عن تلقي السياسية الإسرائيلية، وزيرة الخارجية السابقة، تسيبي ليفني، اقتراحا مغريا جدا من الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس.

مارتن إيندك: ترامب لجأ لـ «الفيتو» بإيعاز من ملياردير يهودي - أميركي صديق نتانياهو المقرب

وجاء في التقرير: «اتصل غوتيريس بتسيبي وعرض تعيينها في منصب نائب الأمين العام للأمم المتحدة». ورأت الجريدة الإسرائيلية أنه «في حال قبول ليفني عرض غوتيريس، ستكون الممثلة الإسرائيلية الأولى التي تتولى هذا المنصب في الأمم المتحدة». يأتي ذلك في الوقت الذي يتولى فيه عدد كبير من الدبلوماسيين منصب نائب الأمين العام، ويصل أجر النائب منهم إلى 200 ألف دولار سنويا.

وأضاف تقرير الجريدة الإسرائيلية أنه طريقة الكشف المباشر التي جرى الحديث بها عن الصفقة الإسرائيلية الأممية، إلا أن الأمين العام للأمم المتحدة آثر التباحث حولها مع الإسرائيليين في إطار من السرية، وفي تعليقه على الاتصالات الجارية بهذا الصدد قال: «الأشخاص الذين يتم تكليفهم بمهام أممية لا يمثلون حكومات أو دولا». لكن تقرير الجريدة الإسرائيلية تعمد التركيز على اتصالات غوتيريس - ليفني في هذا الصدد، مشيرا إلى أن الأخيرة زارت نيويورك، قبل أسبوعين، حيث التقت الأمين العام للأمم المتحدة، وأكدت مصادر إسرائيلية أن ليفني طالما سعت إلى تولي منصب مرموق داخل المؤسسة الأممية، فضلا عن أن العلاقة بين أمين عام الأمم المتحدة والوزيرة الإسرائيلية قديمة، إذ تعود إلى العام 2006، حين كان غوتيريس رئيسا للحكومة البرتغالية، فيما كانت ليفني آنذاك وزيرة للخارجية الإسرائيلية في عهد رئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت.

وفي حين رحبت إسرائيل باعتراض الولايات المتحدة على تعيين سلام فياض في المنصب، وجه سفراء واشنطن السابقين لدى إسرائيل انتقادات لاذعة لموقف إدارة ترامب، فيما أشاد سفير إسرائيل لدى المنظمة الأممية «داني دانون» بالاعتراض الأميركي، وقال: «الإدارة الأميركية الجديدة تبرهن على دعمها لإسرائيل أمام المجتمع الدولي بشكل عام، والأمم المتحدة على وجه الخصوص، كما تعمل على تدعيم المصالح المشتركة بين الجانبين»، وأضاف: «تعكس الخطوة الأميركية بداية «جنة عدن» لإسرائيل في الأمم المتحدة، التي تقف فيها الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل ضد أية مبادرة تستهدف الأخيرة.

سفير الولايات المتحدة السابق لدى إسرائيل مارتن إيندك (أرشيفية: الإنترنت)

سفير الولايات المتحدة السابق لدى إسرائيل مارتن إيندك (أرشيفية: الإنترنت)

أما سفير الولايات المتحدة السابق لدى إسرائيل «مارتن إيندك»، فكشف النقاب عن ما جرى خلف الكواليس قبل ساعات من اعتراض الولايات المتحدة على قرار تعيين سلام فياض، وكتب «تغريدة» في صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، جاء فيها: «دعا الملياردير اليهودي - الأميركي، صديق نتانياهو المقرب شلدون أدلسون، الرئيس دونالد ترامب، وسفيرة الولايات المتحدة لدى المنظمة الأممية نيكي هيلي إلى وجبة عشاء مساء الخميس الماضي، واختار أدلسون وجبة (التاكو) المكسيكية التي يفضلها ترامب. وخلال الأمسية، أبدى الملياردير اليهودي اعتراضه وغضبه من ترشح فياض لخلافة مارتن كوبلر في ليبيا». وفي تغريدته أعرب مارتن إيندك عن توقعاته، قائلا: «الملياردير اليهودي هو الذي استخدم حق الفيتو للحيلولة دون حصول فياض على منصب في الأمم المتحدة».

وفي حين أجمع الرضا الإسرائيلي على الفيتو الأميركي الرافض لمنصب رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق سلام فياض في الأمم المتحدة، أبدت وزيرة الثقافة الإسرائيلية «ميري ريغيف» اعتراضا على اختيار الوزيرة السابقة تسيبي ليفني نائبا للأمين العام للأمم المتحدة في إطار الصفقة التي يدور الحديث عنها، وقالت خلال اجتماع الحكومة الأخير قبل توجه نتانياهو إلى واشنطن: «نفهم من ذلك أن رئيس الوزراء يبارك تعيين ليفني في المنصب، ويرى أنها الشخص المناسب في المكان المناسب، لكنني أعتقد أنه خيار غير موفق»، لكن نتانياهو لم يرد على تعقيب ريغيف، مكتفيا بتوزيع نظراته الزائغة على حضور الجلسة، بحسب جريدة معاريف.

عدد الممثليات الدبلوماسية الفلسطينية يزيد على الإسرائيلية في مختلف دول العالم.. والنتيجة 95 مقابل 78

من جانبها أولت جريدة هاآرتس المحسوبة على التيار اليساري في إسرائيل اهتماما بالغا بقضية خليفة مارتن كوبلر في ليبيا، مشيرة إلى أنه على العكس من رأي سفير تل أبيب لدى الأمم المتحدة «داني دانون»، لا يعد تعيين سلام فياض في المنصب مبادرة معادية لإسرائيل، كما أن الوقوف ضد القرار لا يخدم المصالح الأميركية ولا حتى الإسرائيلية، فحالة الصراخ التي انتابت دانون جراء ترشح فياض لخلافة كوبلر، تشي بـ«جهل وغباء وقصور في الرؤية»، فمنذ تعيين سلام فياض وزيرا للمالية ثم رئيسا للوزراء لدى الفلسطينية كان ولا يزال بمنظور المجتمع الدولي أكثر الشخصيات الفلسطينية التي كافحت الفساد بمختلف صوره، وعمدت إلى بناء المؤسسات، وسعت إلى تفعيل القانون، ومكافحة الإرهاب، ولعل تلك الصفات ينبغي أن تلتصق بمن يتولى الملف الليبي من قبل الأمم المتحدة، خاصة أن ليبيا باتت تعاني الأزمات ذاتها التي كان فياض يعكف على حلها في مناصبه بالسلطة الفلسطينية، وبنظرة براغماتية، رأى معدو تقرير هاآرتس، أن فياض كان المرشح المفضل لأمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، ويعد الأخير بموجب التقديرات الدبلوماسية في تل أبيب من أقرب الشخصيات لإسرائيل في تاريخ المؤسسة الأممية، ويعد ترشيح غوتيريس لفياض أول قرارات التعيين منذ توليه المنصب، فإذا كانت إسرائيل في حاجة لعرقلة تمرير القرار، فالأمر يحتاج إلى أدوات دبلوماسية من نوع خاص، ولعل إصرار دانون على وقف قرار التعيين، لن يساعده ولا إسرائيل في محاولة الاستعانة بأمين الأمم المتحدة في مرات قادمة ضد أي مبادرة معادية لإسرائيل، لاسيما أن الهجوم على إسرائيل لا يتوقف.
لمطالعة العدد 65 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات